لن انسى تلك الليلة الليلاء . كنت غارقا فى نوم ثقيل مزعج . وكنت اسمع من زمان طويل ضجة غريبة كانها وقع أقدام مسرعة أو دقات آتية من أعماق الارض أو نوافذ وأبواب تفتح وتغلق بدون انقطاع . وكانت هذه الغوغاء تتجاوب في الدار كلها وتغمرها زيادة على ذلك أصوات أخرى غامض مزعجة لايراها الرائي الا فى الاحلام فهل هى تنهدات او شكاوى ؟ لا يمكن ان نجزم بذلك . هي تشبه اصواتا تنادى . وفى وقت من الاوقات سمعت صلصلة سلاسل هي على ما يظن صوت جلاجل صكتها رؤوس دواب أسرجت على عجل . وكان قد تملكني رعب ، رعب جنونى . ثم احسست فجأة بانسان قد امسك بذراعي وهزني بعنف . ففتحت عيني وعرفت اننى لم اكن حالما وأننى ما غفوت الا قليلا .
وكانت عائشة وهي الزنجية التى تسهر على شؤون المنزل تنظر الى . فقلت متلعثما : ما الامر .
قالت : يا صغيرى ان اباك يحتضر .
ولست أتذكر كيف نهضت من الفراش ولا كيف انطلقت الى غرفة والدى برجلى الضعيفة التى لاتكاد تحملنى الا بجهد فوجدته ممددا على سرير كبير من اسرة مدينة الجزائر المذهبة المتوجة . وكان يشخر وقد تورم وجهه واسود اسودادا . وكانت بعض الخادمات تتزاحمن امام الباب متيقنات انهن لن تطردن . وكان صوت من تلك الاصوات التى تسمع فى مثل هذه المناسبات يتساءل عما اذا كان أهل البيت قد أرسلوا من يحضر الطبيب . وكانت امى جالسة قريبا من المحتضر مستسلمة الى الم اخرس لا تجيب عن اى شىء . والح الصوت فى السؤال . فاجابت عائشة فى حنق وهى الزنجية التى ايقظتنى :
لاشك اننا ارسلنا من يحضر الطبيب فليس من اللائق أن ننتظر حتى . .
وضاعت آخر الجملة فى غمغمة . ونظرت عائشة شزرا الى الوجوه الحزينة التى تحيط بها وتقمصت هيئة كلها وقار .
بقيت أنا ساكنا لا أتحرك ممعنا فى فحص أبى . وفى هذا الوقت أئت عائشة ووقفت ورائى فى هدوء تام وهمست قائلة :
- انك أنت الرجل الوحيد هنا . فواجب عليك أن تلقن أباك الشهادة . . ويجب ان يلفظ النفس الاخير وهو على دين آبائه واجداده .
فحبس انفاسى رعب غلاب . لكن عائشة دفعتنى مكرها - من دون ان تاخذ رأيى فى ذلك - أمام أبى وقد وضعت يده اليمنى فى يدى وأمسكت بسبابته المتجهة نحو السماء . وكنت لا اطيق الالتفات اليه خشية ان يلتقى نظرى بنظره . ومرت برأسي فكرة مزعجة تقول : " ان هذا الاب القوى فى حاجة اليك الآن ليخطو هذه الخطوة المحتومة . . . " وكنت اتفرس فى وجهه وملامحه تحمل من علامات الالم ما يجعله عاجزا عن معرفتى .
حينذاك أشفقت عليه وأردت الاخذ بيده . لكنى لم اعرف كيف أعينه . كنت اضغط على يده بيدى واضعها على شفتى المتحرقتين ثم اخذت دموعى تنهمر من فرط اليأس . عند ذلك طلبت منى عائشة أن أعيد ما تقوله هى . قالت : أشهد ان لا اله . . . وكنت أنطق بكل كلمة من دون أن أفهم ما أقول اذ كنت مسلوبا من كل تفكير قالت : . . .
. . . الا الله .
وهمست عائشة بالشهادة ثلاث مرات وكان من واجبى اعادة ما تقوله ضقت بنفسى واردت الصياح لاتخلص من الكابوس الذى يثقل صدرى ثم سقطت مغشيا على كأن الحياة قد سلبت منى بغتة .
وفي الغد استيقظت على ترتيل " الطلاب " وكنت أصغى اليهم فى خلاء من نفسي تام . كنت محموما وكانت دموعى تتدحرج من صدغى على المخدة وكانت فكرة واحدة تجول بخاطرى : هى اننى تركت أبى يموت . وبقيت طويلا فى هذا الذهول أرقب السقف وانصت الى تلاوة رجال الله وألوك هذه الفكرة .
سكت " جمال " وأخذ ينظر الى الفضاء وصوت المؤذن يعلو من بعيد محلقا فى الاجواء . فاشار الحاج بأصبعه قائلا :
- الله اكبر
وتبسم فى تكتم وأردف : " تعرف الآن سبب الداء وكيف يجب ان تكون الامور "
واصغى جمال الى هذا الصوت ذى النبرات العطوفة ثم قال :
- نعم ان عينى قد ازيحت عنهما الغشاوة وانى انظر الآن الى الاشياء بمنظار آخر . وامسك عن الكلام متعجبا مما اكتشفه . وفعلا فان شيئا فى نفسه قد تغير . ثم وقف وقد ضاق به المكان وهو جالس ثم تنهد قائلا : آه
وكان الحاج يظهر كانه ينصت الى صوت بعيد ، وجمال يذرع الدكان جيئة وذهابا : هو ايضا ينظر الى مكان ثم الى آخر وينظر فى الزوايا كانه يبحث عن شىء مجهول او كانه يسأل نفسه عما يتحتم عليه فعله . واخيرا جلس وقال : كم الساعة الآن ؟
فاخرج الحاج ساعة كبيرة مشدودة بسلسلة الى جيب داخل ثوبه وقال : السابعة . قال جمال : لست متعبا ؟
اجاب الحاج : لا ، وانت ؟ واوما جمال ايماءة مطمئنة كأنها تقول ؛ ليس فى الامر خطورة ثم قال :
- انى احس بالاختناق . اعذرنى . وطأطأ راسه ضاغطا على اسنانه برهة طويلة . مراجعا فى ذهنه كل ما قال ولم يفطن - لفرط اطراقه - بالحاج وقد غادر كرسيه واختفى وراء المنضدة .
وبعد قليل تطرق الى سمعه هينمة صلاة مبهمة . فاقشعر بدنه ونظر حوله . وكان صديقه قد فوت لحظات قصيرة بعد آذان المؤذن ومضى يصلى . - يتبع -

