الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

غريب في عالم آخر

Share

قصة قصيرة

الكل يمشى وهو لا يمشى ... الكل يتحرك وهو لا يتحرك ...      ونظر حواليه فرأى الجمع يسير بسرعة جنونية ... الباعة المتجولون والاطفال والقطط يقفزون أمام عينيه قفزا . أقدام تتشابك وأرجل تتداخل فى حركة لولبية مذهلة . كلهم يسرعون وكأنهم فى مباريات عدو خطير . ارتاع واندهش ثم تساءل بحيرة وقلق ما هذا الذى يرى ؟

لقد انقلبت عجلة الزمان ، وانقلب معها الانس والحيوان . الكل يسرع ويتحرك ويجرى ولكنه لاسرع ولا يتحرك ولا يجرى مثلهم انه ثابت كذلك العمود الذى أمامه . التفت فحأة وابتسم ابتسامة عريضة . لقد اكتشف أنه يمشى كالآخرين وأنه قد ترك ذلك الحانوت ذا الباب الازرق وراءه . فقد دخله منذ برهة ليشترى منه علبة سجائر . أعاد الالتفات ليتأكد من أنه يسير ويتحرك فلمح يافطة الحانوت تكاد لا تقرأ ... وقهقه بانشراح . لكن سرعان ما أنطفأت قهقهته وانصهرت فى حلقه عندما نظر أمامه فرأى انه لا يمشى ، والكل يمشى ، وأنه لا يتحرك ، والكل يتحرك . وأحس بيد تمس كتفه ثم بصديق يمد اليه يده مصافحا فنظر اليه مشدوها ثم ابتسم مسلما لكن صديقه سأله بحيرة واشفاق :

- مالك ؟ - ... - ماذا أصابك ؟ وشعر برعب وخوف لم ير لهما مثيلا ... ان صديقه يسأله ما به . لقد اكتشف هو الآخر أنه لا يمشى . وأمسك يد صديقه بشدة وكأنه أمسك بشىء ثمين .

- انى ... انـ ...

ولكنه شعر باليد قد أفلتت منه وأن صديقه قد أصبح بين أولئك الناس يجرى مثلهم ويسير سيرهم الجنونى . حاول أن يتحرك لكنه لم يستطع شيئا فرجلاه قد أصبحتا مثبتتين بالارض ، كذلك العمود الذى أمامه يشع من رأسه نور خافت ثقيل . وصاح مناديا صديقه صيحات متتابعة قوية . واذا بعجلة الزمان تقف . ويعود الانسان والحيوان كما عهدهما . ويقهقه قهقهة عالية مزمجرة مخيفة . الناس كلهم حوله ثابتون ، محملقون ، محيطون به ، لا يتحركون ، وفى أعينهم حيرة وتساؤل وانزعاج . وأعاد قهقهته بأشد مما كانت ، وسمع حوله لغطا وحديثا وضحكا . وشعر بتراخ وطمأنينة . لقد أصبح مثل الناس . والناس مثله . واذا بأحدهم يتقدم اليه . فيرتاع . لكن الآخر يمسك بثيابه فيصيح صيحة مرعبة شتتت الناس من حوله . وما شعر الا والناس يتحركون شيئا فشيئا ثم يأخذون مسيرهم المخيف ... المسرع ... الجنونى . أحس بآلام قوية فى رأسه ، فى معدته ، فى رجليه ، فى جميع أنحاء جسمه النحيف . ويعود اليه الارتياع والاندهاش ويثبت عينيه بشدة فيرى كل شىء يتحرك . يتحرك . يتحرك . يتحرك . ويحاول أن يصيح لكن صوته يختنق فى حلقه . ويشعر بأيد تحمله ، ثم بجسمه يتحرك بنفس السرعة التى يجرى بها حاملوه . فيستسلم ويغمض جفنيه بقوة . لكن الحركة والسرعة والجنون والدوران والتشابك ما زالت تعيش معه ، فى ظلامه الحالك .

ويتحرك بأسترخاء . الكل فى هدوء ووداعة ولطف . بياض ناصع متفائل جميل . خيط نحيف مجهد يحمل فى طرفه كرة بيضاء انعكست عليها بعض أشعة الشمس فاصبحت ممتزجة بحمرة مغرية . هدوء . لا صوت لا حركة لا دوران . لا جنون . ويحملق مليا . العالم من حوله كما عهده من قبل . ويجد نفسه على سريره العادى ثقيل الرأس ، متوتر الاعصاب ، ويسأله زميله فى البيت :

- ما بك البارحة ؟ ويجيبه وعيناه فى السقف : - كنت فى عالم آخر .

اشترك في نشرتنا البريدية