الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

غلطة ثم ذنب ثم كفر ، حوار بين - بربك وهفهوف

Share

بربك : جلست فى امسية من امسيات الخريف باحدى مقاهى العاصمة وقد امتلا المقهى بالرواد فعم فيه الضجيج وتعالت بين جدرانه صيحات لاعبى الورق ، فاقترب منى صاحب وهمس فى اذنى

هفهوف : أخي انها لمأساة نعيشها اليوم ، انها نكبة فى الحياة ، انها لمصيبة عظمى وبليه كبرى ، انها . .

بربك : كانت الكلمات التى دغدغ بها اذنى ولوح بها قلبى جعلتنى استرد الذاكرة ، فارجع طورا الى ما حكاه لنا التاريخ عن العصور الخوالى وما حدثنا به اليوم ، واسترجع الذكريات ولكن ابت الذاكرة ان تلهمنى شيئا يفهمنى لغز الصديق ، فبقيت مدهوشا حائرا ، واجما ، عسى ولعل كلا ثم  ثم - وهنا استبلهنى الصديق وما كنت اتوقع منه هذا ! ولكن .

هفهوف : انها هفوة ارتكبتها وارتكبها زملائى منذ ايام ولكن لست ادرى ما الدافع الذى حفزنى واياهم الى الوقوع فيها ، فلولا ولولا لما جلست هنا ولولا لما جئت الى هنا ، والف لولا لما عرفت هذا المكان المشؤوم -

بربك : مالك يا اخى تساومنى الخيال وتطلب منى الواقع ، فالواقع شىء والخيال شىء آخر ، مالك وهذه الرموز المبهمة والالغاز الغامضة انحن فى عصر البيان والوضوح ام فى عهد التورية والاشكال ، ما اخال احدا  يفهم عنك شيئا .

هفهوف : هفوة وكفى - بربك : حقا ، ان كنت اطلب منك المزيد ، غير انى طلبت الايضاح او التلميح

هفهوف : آه ، آه ، ما اقسى الحياة وما اتعس العيش وما اشقى الزمان يجود على البعض ويغمض الطرف عن الآخرين . . سئمت المكث فى الدار ، والتجول فى الشارع ، والجلوس فى المقهى والبقاء فى الدكان ، ولكن كتب القدر العقد بينى وبين هؤلاء جميعا ليتولوا ملكيتى الى وقت لا نهائى وقد يدركنى ريب المنون فيه بربك : " من سره زمن ساءته ازمان " الم تمر بك قط هنيهة من الوقت عشت فيها سعيدا مرحا فرحا ؟ .

هفهوف : كلا . قضيت طفولتى صحبة راعي الغنم والكتاب وكان شبابي رهين الكتاب ، ومضت رجولتى فى المجتمع ، وجاءت شيخوختى فطاب اكلها وحان قطافها . . بربك : ما اشقى هذا البشر ، اذ مر بكل شر عرف البرد والقر ، والشعير والبر ، والرحمة والبر ، والجنة وصقر ، والمسلم ومن كفر وبشار وعنتر حقيقة مرة . . ولكن ما الغلطة ؟  

هفهوف : كنت اسير مع زميلى غضبان وكانت الصدفة ان التقينا برجل يعرفة  صاحبى ، فتولى تقديمى او التعريف لدى الرفيق غير المنتظر ، فعرفه بى وعرفنى به ، واتجهنا نحو المقهى ، كان الحديث بيننا سجالا ، فقال ماذا تعمل ؟ فاجبته بانى مازلت تلميذا فى المرحلة الثانية من التعليم الثانوى ، غير انه اتجه الى مرة ثانية هل عندك شهائد ، فقلت نعم - " ش - كذا " فتقزز مما ذكرت وبدت على ملامحه علامات اللامبلاة غير انه بعث بابتسامة صفراء لكى لا يقع احراجى خوفا من اساءته الى ، ومن هنا بدأت نقطة انطلاق الهفوة

بربك : هذه حكاية طيبة وقصة غريبة ، كان صاحبى متفائلا بكل ما يدور وسط هذا الخضم الفسيح واذا به ينقلب فجأة واحدة فينعكس تفكيره ، وكأنه بدأ يتبنى لطفل لم يعرف عنه شيئا سوى انه ملقب بالتشاؤم فاصبح الجد هزلا ، والنشاط خمولا ، والشجاعة جبنا ، والحسنة ذنبا وفجأة نطق -

هفهوف : لقد اذنبت ، نعم اذنبت واذنبت . بربك : ماذا ؟ اذنبت ! مالك يا أخى أأصبت بجنون فادح ام باضطراب عصبى مر ، من الهفوة الى الذنب فهل لك بعد الذنب شئ آخر

هفهوف : مالك ذهبت الى العتة والجنون سريعا ، انى لم اصب بما تقول ولو بجزء واحد فى المائة ، ولكن اعرف ان نقمة الحياة جعلتك تصبغ على هذه الألوان من الامراض العفنة عفانا الله منها . اسمع وتنبه - فى هذه المرة ذهبت الى قضاء بعض حوائجى فمثلت امام رجل لم اعرف عنه شيئا سوى انه ( الشاوش ) اديت اليه التحية ثم بينت له الغرض الذي من اجله دخلت المحل الذى يرعاه - فبادرنى بهذه الكلمات - اخرج في غير حاجة اليك ولا تزدني حرفا وكانى بهذا الرجل قد اخذ بزمام الحكم حتى اصبح الامر الناهى ، فرجعت عن اعقابى وفى نفسى

خرقة ، اذ اهنت ولكنى لم امتهن وانما ساعة نحس صادفتنى = بربك : نعم طالع نحس ، ولكن الى متى يرافقك - هفهوف : " ان مسعودى لم يقم الى حد الآن " ولكن قال الحكيم العربى

والبدر يدركه الظلام فتنجى   ايامه وكانه متجدد

بربك : لقد التجأ المسكين الى الصبر أمام هذه الكوارث التى بدت أمامه وكانها طود شامخ بعد ان وقف امام مرآة الخزانة وتامل فى ذاته هفهوف : لم اكن اعور حتى يعاب منظرى ، ولم اكن منحرفا حتى يعاب سلوكى ، ولم اكن اسود او اعرج حتى يتشاءم فى ، ولم اكن . واذن فلماذا هذا الانزواء عنى

بربك  : انك شاب " طويل النجاد ، رفيع العماد ، كثير الرماد ، هباط اودية نزال الوية ، للجيش جرار " غير ان ........  هفهوف : غير ان ماذا ؟ بربك : لا شئ .

هفهوف : وان عيل صبرى ، وتقوس ظهرى من جراء الخطوب والاحداث سأجعل من نفسى الجاحظ الثاني اذ اخترت الموت تحت اكداس الكتب وهاتفا بقول الشاعر :

يا ليتني كنت صبيا مرضعا    تحملني الذلفاء حولا اكتعا

فاذا بكيت قبلتني اربعا       اذن ضللت الدهر ابكي اجمعا

لقد ضيعنى حب الحصول على تلك الشهائد ولكنها عبثت بي كما عبثت الريح بنوراق الخريف . بربك : ما اعذب هذا الحديث وما اطيب هذا الاستعداد ! واذن فلتكن جريئا فيما قلت ولا تتقهقر اذ كم من شاب راح يفتش عن الوظيف منتهزا الفرص ومقطعا لتلك السلسلة الذهبية الحلقات ، رغم وفرة المادة بين يديه ، وكم من طامح جاهد فى سبيل الوصول الى اسمى المقاصد ولكن الفقر اوقفه هفهوف : لم يكن المال حجر العثرة فى سبيلي ، ولاكبر السن ، ولا خشية

الامتحان ولا صعوبة الدراسة ، اذ المادة ساعدتنا الحكومة عليها ، ولكن انتخاب مادة الدراسة هو الذى حيرنى ثم الشهادة التى ساحرز عليها هى التى اثارت بلبلة افكارى ، فبقيت مضطربا

بربك : لقد سهل الامر واستتب اذ لا معول على الشهائد اذ هى صورة شكلية للشخص الذى يحملها . وانما الامر الهام هو الاحراز على المادة العلمية الخام ، وحسن تصريفها او عرضها لكى تجد السوق الرابحة . الم تر بائع الاقمشه كيف يتنوع فى عرض اقمشته ويتفنن فى ترتيبها ليبهر الحرفاء

هفهوف : كل ما تقوله حق غير الى اخفيت عليك بعض الحقائق بربك : يا للخسارة ، الك سر تخفيه على ، ما تعودت منك هذا ، قل بربك ما هى تلك الخفايا ؟ هفهوف : لقد مررت بالمرحلة الثالثة او الاخيرة التى عزمت على ان اكون فيها كالجاحظ ولكن ؟ بربك : ولكن ماذا ؟

هفهوف : ايه ، ايه ، ما وقع فى المرة الاولى عند ما كان معنا الزميل غضبان انسيت ؟ تلك هى الحكاية برمتها سمعتها من جديد ، ولست ادرى هل ان الناس مصرون على تتبع اخبارى واستقصاء اعمالى ، حتى ان زملائى الابرار ككاف ، ومكفوف ، وشقطر ، نظروا الى نظرة اللامبالاة ، وقالوا لقد اصبح شيخا مسنا ، اذ اعتراه الفتور ، وداخله الياس ، فحلت عنده الكوارث وكان نصيبه منها الثلثان كوارث ، اليس هو الجانى على نفسه وعلى والده

ولكن بروح الجد والصرامة والحزم والعزم سافند كل تلك الاقاويل المغرضة التى افتروها على انفسهم لكى يلطفوا من حدة حقدهم وحسدهم فى طى التحسر على ، وقالوا لقد ارتكب آلهفوة ثم اذنب ثم كفر - يا ويلتاه ويا ليلاه ، ويا فجيعتاه ، فالى اللقاء - الى اللقاء بربك : قام من مكانه وكان جرس موعد آخر دق فى اذنيه فانتفض انتفاضة عصفور بلله القطر ، مرتعد الفرائص مصفر الوجه ، مقطب الجبين مؤديا التحية ومعلنا اللقاء فيما بعد فالى اللقاء

اشترك في نشرتنا البريدية