- ٦ -
عرضت فى المقال الاسبق لاعمال سعد العمرانية فى العراق وبسط سياسته الراشدة ومدى نفوذه فيه ثم عودته الى عاصمة الخلافة فى عهد الخليفة عمر ثم ما كان بعد ذلك من أمر الشورى واختيار عثمان رضي الله عنه خليفة وعودة سعد الى العراق مرة ثانية وختمت المقال بما كان من موقف سعد فى محنة عثمان الى ان قر القرار على مبايعة الأمام على بالخلافة وهذا هو موضوع مقال اليوم :
رفض سعد البيعة لنفسه موقفه من بيعة الأمام على اعتزاله بالبادية
ولما سقط فى أيدى الثائرين ورأوا انهم قد ضلوا السبيل وتعطلت الادارة فى عاصمة الخلافة وامتنع وجهاء الصحابة من أن يمدوا أيديهم للبيعة على أسنة الرماح التمس زعماء الثورة سعدا فألفوه فى مزرعة له معتزلا خارج المدينة فبعثوا اليه يقولون - انك من أهل الشورى ورأينا فيك مجتمع فاقدم علينا نبايعك بالخلافة - فرد عليهم يقول فصل حصيف وعبارة لا تحتمل الممالأة والتأويل قائلا : - " ابى وابن عمر قد خرجنا منها فلا حاجة لنا فيها بحال " وتمثل بقول الشاعر :
واستقر الرأى على بيعة الأمام على بالخلافة ورأى سعد التريث ببيعته أمدا ريثما يستتب الأمن وتكون البيعة اكثر شمولا ويأمن الجمهور شر انقلاب آخر تسود
فيه الغوغاء ولا يلبث ان يقوض صرح الخلافة من جديد . وكان من قول سعد للامام علي حين طلب منه أن يبايع : " لا حتى يبايع الناس وليس عليك مني من بأس " وأدرك الامام على الهدف الذي يهدف اليه سعد بتأخيره البيعة والنظرة البعيدة التي يرمى اليها فوافقه على رأيه فى التريث ولم يقسره على البيعة كفعله مع غيره ، ذلك لعلمه ان سعدا لا ينازعه السلطان ولن يكون فى يوم ما إلبا عليه
وتثور الاعاصير وتحدث الاحداث ويحتدم الصراع وسعد الوديع المسالم منطو على نفسه مسرف فى العزلة فى ديار بني سليم بالبادية جنوب شرقى المدينة لا يحرك ساكنا أو يتربص الدوائر أو يدفعه الفضول لتقصى الاخبار وسير الحوادث بل لقد أشاح بوجهه عنها واسدل الحجب الكثيفة بينه وبينها لكيلا يبلغه شئ يعكر عليه صفو هدوئه .
وقصده ابنه عمر عام اجتماع الحكمين وحاول التاثير عليه والخروج به عن العزلة وقال له يا أبت : إن ابا موسى وعمارا قد شهدهما نفر من قريش فاحضر معهم فأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد الشورى ولم تدخل فى شىء كرهته هذه الامة وانت احق بالخلافة . فأجابه سعد قائلا : يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يحب العبد الغني الخفي التقى " . وأوردا بن كثير عن ابن عساكر قال : ذكر بعض أهل العلم أن ابن اخيه هاشم بن عتبة بن أبى وقاص دخل عليه وقال له : يا عم ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق بهذا الأمر . فقال سعد : يا ابن أخي أريد من مائة ألف سيفا واحدا إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا وإذا ضربت به الكافر قطع
ثم ان سعدا ابتني له بيتا فى العقيق على مسافة عشرة أميال من المدينة ونزله بعياله والخاص من اهله ايغالا منه فى العزلة وهربا من الخلطة والاحتكاك بالناس وكثيرا ما كان يتمثل بقول الشاعر :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب اذ عوى وصوت انسان فكدت أطير
وذلك لما كان يجد فيه من المرمى البعيد والهدف السامي والعزاء والسلوان والتوافق لما ينزع اليه من فكرة العزلة والانزواء . . ومن ظريف ما يروى عنه قوله وقد عوتب فى اعتزاله بالعقيق - وقيل له : تركت منازل اخوانك وأسواق الناس ونزلت بالعقيق قال : " رأيت أسواقهم لاغية ومجالسهم لاهية فوجدت الاعتزال هناك عافية وهذه السجعات الجميلة والعبارات الاخاذة ان دلت على شئ فأنما تدل على بعد النظر والجنوح الي السلامة وطلب العافية بالثمن الغالي والتضحية وركوب الصعاب . واذا كانت المجالس ومجامع الناس وندواتهم على عهد البقية الباقية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على النمط الذي نعته سعد فما الظن بمجالس وندوات من دفع بهم الزمن الى آماد طويلة تبعد بهم كثيرا عن عهد سعد وايامه ؟ ! . رحمتك اللهم وعفوك
هذا وان من غريب ما هداني اليه البحث ووقفت عليه من أخبار سعد انه ارتحل الى الصين عام ٥٨٧ م ، بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وباعث ذلك ان ملكا من ملوكها رأى فى المنام رؤيا عبرها له الكهنة بظهور رجل عظيم فى بلاد العرب فأرسل الملك من يتعرف له الخبر وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وألح عليه فى ارسال رهط من قومه الى مليكه فبعث معه الرسول اربعة من حجابته كان من بينهم سعد بن أبى وقاص وقد اصطحب رسول الملك صورة للنبى الكريم رسمها بيده فعمد الملك الى تعليقها والسجود اليها فمنعه سعد وقال : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعنا من عبادة الصور والتماثيل وانه لا عبادة إلا لله الواحد الاحد ؛ فأعجب الملك بهذا المبدأ وامر ببناء جامع فى مدينة " كانتون " سماه " جامع الشوق الى النبي " وهو موجود الى الآن . . غير ان الذى يتبادر الى الذهن أن هذه القصة لا ينهض بها دليل قاطع إذ ان احدا من أعلام التاريخ ومؤلفي السير لم يتطرق لذكرها وهم الحريصون على تدوين كل شاردة وواردة مما صح به النقل عن الرسول الكريم : يؤيد هذا ما ذكره المؤرخون من أن دخول الاسلام الى الصين
بدأ فى سنة ٦٥٤ الميلادية ، ودليل آخر يظهر زيف هذه القصة وبعدها عن الحقيقة وهو أن ولادة الرسول كانت سنة ٥٧١ الميلادية ودخول سعد الى الصين كما زعمته الرواية كان سنة ٥٨٧ الميلادية أى إن فرق السنوات ما بين الولادة الكريمة دخول سعد المزعوم الى الصين ست عشرة سنة فهل يقر هذا منطق ؟ وانما أوردت هذه القصة لغرض الاستيعاب ولمقتضيات البحث وامانة النقل ثم لتقرير الحقيقة
آثار سعد العلمية
تبلغ الاحاديث المروية عن سعد فى الصحيحين أحدا وسبعين ومائتى حديث وذكر ابن حجر فى الاصابة أن من بين من روى عن سعد بني ابراهيم وعاصما ومصعبا وعمرا ومحمدا وعائشة . وروى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة ، ومن كبار التابعين سعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدى وقيس بن أبى حازم وعلقمة والاحنف وآخرون غيرهم .
صفائر الخلقية
روى الواقدى عن عائشة بنت سعد قالت كان أبى رجلا دحداحا -أى قصيرا- ذا هامة شثن الاصابع أي غليظها . . وقال عامر بن سعد : كان سعد جعد الشعر آدم . وزاد ابن كثير فى البداية أن سعدا أشعر الجسد يخضب بالسواد
توجيهاتة الرفيعة لبنية
( إذا طلبت شيئا فاطلبه بالقناعة فأنه من لا قناعة له لم يغنه المال . إن الله يدين للمؤمنين بحسناتهم فاعملوا لله ، واما الكفار فيخفف عنهم بحسناتهم فاذا نفدت قال ليطلب كل عامل ثواب عمله ممن عمل له ) .
نهاية سعد وخاتمتة
وطوى سعد آخر مراحل حياته فى قصره بالعتيق . وقد كف بصره وجاوز
الثمانين . حدث مصعب بن سعد قال : كان رأس ابى فى حجري وهو يقضي فبكيت فقال ما يبكيك يا بني ؟ والله لن يعذبني الله ابدأ وانى من أهل الجنة . . ثم دعا بخلق بال من جبة له من صوف فقال : كفنوبي فى هذه فأنى لقيت فيها المشركين يوم بدر وانما خبأتها لهذا اليوم . وكانت وفاته عام خمس وخمسين من الهجرة على أصح الروايات وحمل الى المدينة على الاعناق حيث صلى عليه أميرها مروان بن الحكم فى خلافة معاوية وصلى بصلاته أمهات المؤمنين ودفن بالبقيع رضي الله عنه
هذه حياة سعد المجاهد اذا ذكر المجاهدون ، والسياسي والقائد المحنك اذا عد القواد والسياسيون ، والمثالي التقى الصالح . اذا كشف فجر الحقيقة عن طلائع المثالين والمتقين الصالحين الهادين والمهتدين رضي الله عنه وارضاه .
( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل واتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون )
( تم البحث )
