عرضت في المقال السابق لنواحي بطولة سعد وشجاعته ولحظوته بالمركز المرموق بين المجموعة الاسلامية فى الصدر الأول وبالمنزلة الرفيعة فى نفس الرسول صلى الله علية وسلم - وفي مقال اليوم يجد القارىء الكريم رقى نافعة وزهدا وورعا حقيقيين كانا من أبرز خلال سعد وانطباعاته ورقة وشعورا نفسيا غامرا غالب بهما سعد النوازع والخطرات .
العطف النبوي على سعد :
اشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد من علة ألزمته الفراش واشتدت وطائتها عليه وذلك عام حجة الوداع فقدم عليه يعوده ولبث معه ساعة من الزمن يسليه ويعزيه ويرفه عنه ويشاطره متاعبه ويخفف عنه أحزانه وآلامه ويرقيه ويدعو له وكانت تلكم الوعكة والساعة التى قضاها الرسول الكريم بجوار سعد هى أجمل الذكريات فى دنيا الماضى الحافل بالذكريات . ولم تكن هذه الفترة المباركة من الزمن والتى قضاها الرسول بجانب سعد لتفوت على المجموعة الاسلامية فرصة الاستفادة والدرس والاقتباس من هدى الرسالة بل لقد أفادت منها تشريعا وحكما إسلاميا هو فى الطليعة بالنسبة لأحكام المواريث .
وهو الدعامة للمجتمع الصالح من حيث محاربته للفقر أحد عناصر - الثالوث البغيض - وقد كشفت محاورة سعد للرسول صلى الله عليه وسلم فى هذه الجلسة عن معجزة نبوية تحققت بمرور الزمن . تلك هى إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم من طرف خفي بالفسحة لسعد فى الأجل وبحدوث احداث يكون لسعد فيها أروع الاثر وعدى ذلك هذه الرقي النبوية النافعة والتي كان فيها لسعد علاج ناجع وبلسم لأحزانه وترياق لعلل الحياة ومتاعبها .
ثبت فى الصحيحين بالسند المتصل عن عامر بن سعد عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعوده عام حجة الوداع من وجع اشتدبه قال : فقلت يا رسول الله إنى ذومال ولا يرثني الا ابنة أفأتصدق بثلثى مالى ؟ قال لا ! قلت : فالشطر يا رسول الله ؟ قال لا ! قلت : فالثلث ؟ قال : الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس . وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله الا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها فى فم امرأتك " . قلت يا رسول الله : أخلف بعد اصحابي ؟ فقال :إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله الا ازددت به درجة ورفعة ولعلك ان تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون " ثم قال رسول صلى الله عليه وسلم : " اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على جبهة سعد فمسح وجهه وصدره وبطنه وأخذ يرقيه ويقول : " اللهم أذهب عنه الباس إله الناس ملك الناس أنت الشافى لاشافى له إلا انت " بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك من حسد وعين . "اللهم أصح قلبه وجسمه وا كشف سقمه واجب دعوته" قال سعد : فما زلت يخيل إلى أنى أجد برده على كبدى حتى الساعة .
وسئل عامر بن سعد عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد : "وعسى ان تخلف فينتفع بك اقوام ويضربك آخرون" فقال : أمر سعد على العراق فقتل أقواما على الردة فضرهم واستتاب قوما كانوا سجعوا سجع مسيلمة الكذاب فانتفعوا به ، وان فى فتوحاته العظيمة لبلاد الأكاسرة وثل عروشهم وتداعى دولتهم على أعقاب سعد .. ان فى ذلك لخيرا ونفعا عظيما للاسلام وضررا بالغا بالمجوس
رقة سعد وزهده
كان سعد رضى الله عنه واكف العبرة سخين الدمع يتململ تململ السليم كلما مرت به المواعظ والعبر أو خلا بنفسه فاستذكر المعاد وما يكون من هول الموقف ومناقشة الحساب وما وراء ذلك من حياة سعادة أو بلاء وشقاء دائمين . هذا مع اطمئنانه لمصيره وبشارة الرسول صلى الله عليه وسلم له بالجنة وثقته بوعدالله
وما اعده لأوليائه فى دار كرامته من النعيم المقيم والسعادة الأبدية . حدث ابو أمامة رضي الله قال : جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ورققنا فبكى سعد بن ابى وقاص وأكثر البكاء وقال : ليتنى مت . فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم ياسعد : "ان كنت للجنة خلقت فماطال من عمرك ؛ وحسن من عملك فهو خير لك" وما باعث طول بكاء سعد وتمنيه الموت إلا شعور مرهف وضمير يقظ مستشعر عظم المسؤولية وخطورة الموقف وفاحة الخطب ، وسبر الرسول الكريم نفسية سعد فطمأنه وسكن روعه وأفسح امامه باب الأمل وأوضح له ان مقاييس السعادة والشقاء ليست بطول الأمد فى الحياة أو قصره وإنما هى بالعمل والكدح فى مغالبة دوافع النفس والغرائز الجامحة وتهذيب الخطرات والعواطف العارمة وليس ثمة ضير إذا من طول أمد الحياة مادامت عامرة بالباقيات الصالحات حافلة بأحسن الأعمال وأفضل الاتجاهات .
وكان سعد رضى الله عنه على جانب عظيم من الزهد والورع لدرجة قد لا تهضمها النفوس المريضة أو قد تظن انها نسج من الخيال أو ضرب من المبالغة وما هى فى الواقع الا النموذجية فى المنزع والمثالية بكل مدلولاتها وأجلى مظاهرها روى من حديث بن عباس وغيره أن سعدا قال : يا رسول الله أدع الله أن يستجيب دعائي ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم" ياسعد ! انه لا يستجيب الله دعوة عبد حتى يطيب مطعمه . فقال سعد : يا رسول الله أدع الله ان يطيب مطعمي فدعا له فكان سعد يتورع من السنبلة يجدها فى زرعه فيردها من حيث أخذت وهو نهج شاق مضن ومسلك عسير المنال صعب المرتقي إلا على من يحمل نفسية سعد ويتحلى بمثاليته .. وفى التوجيه النبوى لسعد بضرورة طيب المطعم وحله لفت الى ناحية هامة فى حياة الفرد والمجموع من حيث البعد عن الأثرة والترفع عن الأنانية المتطرفة والاستغلال الجامح والاستحواذ على حق الغير بالطرق غير مشروعة وهو مدلول حديث الى هريرة رضي الله عنه :ان الله تعالى طيب لا يقبل الا طيبا وان الله امر المؤمنين بما أمر به المرسلين " فقال تعالى : (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) وقال تعالى : (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل
السفر أشعث أغبر يمد يديه الى السماء : يارب يارب . ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب له ؟ رواه مسلم :
هذه لمحة عابرة عن حياة سعد رضى الله واسلامه وجلائل اعماله فى عصر النبوة الوضئ المشرق ، ولنا عودة الى الموضوع إن شاء الله فى اعداد قادمة حيث نستوفى بقية ترجمته ونعرض فيها لقيادته الرشيدة فى الفتح الاسلامى وحملاته المظفرة وعلاقته بالخلفاء رضي الله عنهم اجمعين .
متبوع
