الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

فارس الاسلام سعد بن ابى وقاص (*)، -٢-

Share

استعرضت في مقالي الاسبق موضوع اسلام سعد وما اكتنفه من متاعب وما اعترضه من عقبات ذللها سعد وتغلب عليها وفي مقال اليوم الماع ببطولة سعد النادرة وشخصيته الجذابة ونضاله فى سبيل المبدأ ومبلغ ما كان يتمتع به من الحظوة والتقدير فى عصر النبوة النضير .

نضال سعد وبلاؤه الحسن

تفاقم الخطب وضاق المسلمون ذرعا بأحابيل المشركين وتعسفهم واضطهاداتهم واعناتهم وصلفهم وشديد اذاهم فتجمع منهم رهط من اولى الشجاعة والبأس والنجدة كان من بينهم سعد وذهبوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنونه فى رد حيف المشركين بمنازلتهم ومقابلة عداوتهم بالعنف والمصادمة وعدم الوقوف مكتوفى الايدى امام تصرفهم الطائش وكان مما قالوه فى اسلوب منطقي رصين : يا رسول الله . لقد كنا اعزة ونحن على الشرك والضلالة أفبعد ان من الله علينا بالاسلام نغدو اذلة ؟ ولكن الرسول الكريم الذي لا يصدر إلا عن وحي سماوي ولا يتصرف الا بتدبير آلهم ردهم بلطف قائلا ) كفوا عنهم انى لم أومر بقتالهم ( بيد ان امد المسالمة والموادعة لم يطل فكانت الهجرة الى المدينة وكان سعد فى طليعة المهاجرين وبها قويت الروح المعنوية وعظمت شوكة المسلمين وعز جانبهم . وشاء الله ان يديل للحق من الباطل ويخضد شوكة الشرك ويوقف الطغيان عند حده فأذن لرسوله صلى الله عليه وسلم فى امتشاق الحسام وانتضاه السيوف من الأغماد ، وكانت اولى الوسائل التى عمد اليها الرسول صلى الله عليه وسلم لمضايفة قريش ضرب حصار اقتصادى على صادراتها ووارداتها بغية اضعاف مواردها وتحطيم سطوتها فكانت السرايا وكانت الغزوات ولمع نجم سعد في سرية عبيدة بن الحارث

الى بطن رابع وقد اصطدمت السرية بأني سفيان بن حرب صاحب تجارة فريش فى جيش يفوقها عددا وكانت الخطوة لسعد برشق هذا الجيش اللجب بأولى سهامه وعاد التاريخ مرة ثانية يسجل بطولة سعد ويشيد بذكره ويفخر ان كان سهمه أول سهم رمى به فى الاسلام وعاد سعد ينشد ابياته المشهورة

ألا هل اتى رسول الله أنى         حميت صحاتى بصدور نبلى

أذود بها أوائلهم ذيادا             بكل حزونة وبكل سهل

فما يعتد رام من معد                بسهم مع رسول الله قبلى

ثم تتابعت السرايا تعززها الغزوات وسعد قطب رحاها وابن بجدتها فهذه سريته الى الخرار من أرض الحجاز يغذ فيها السير ويستحث الخطى ليعترض عيرا لقريش فيصادرها ويشل حركتها وينكب قريشا فى الصميم ، ثم يكون سعد فى سرية عبد الله بن جحش الأسدى للغرض نفسه ، ويكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة بواط يحمل لواءه. وبواط جبل لجهينة ناحية رضوى ، ثم تكون غزوة بدر الكبرى فينهض سعد فيها بدوره وتنشب المعركة فيصول فيها ويجول وكان أصدق وصف له قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رأيت سعدا يوم بدر يقتال قتال الفارس للراجل

واشترك مع رجلين ممن حضر المعركة فيما يصيبان من الغنيمة فجاء سعد بأسيرين ولم يظفر شريكاه بشىء . ثم تكون بعدها غزوة احد ويبلو سعد فيها بلاء حسنا ويناضل نضال الأبطال . ثبت حين انهزم الناس . وصمد للعدو وقد تحرج الموقف وذاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أحدق به الخطر . وكان سعد سديد الرماية فنثر له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته وأخذ يلهب فيه الحماس ويشحذ عزمه ويقول : ) إرم سعد فداك ابى وأمى إرم وأنت الغلام الحزور ( قال على بن أبي طالب رضي الله عنه ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدى أحدا بابويه الا سعد بن مالك يعنى ابن ابي وقاص وكانت بنت سعد بعد ذلك تقول مفتخرة معتزة بهذه المتقبة : أنا بنت المهاجر الذي فداه رسول الله بالأبوين

وقد احصى ما قذف به سعد في هذه الواقعة من السهام فبلغ الف سهم وهو رقم قياسى قل أن يبلغه الا المغاوير الأفذاذ مع السداد والنكاية بالعدو ، وجملة

القول ان سعدا حضر كل المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من اولئك الموهوبين الذين يستطيعون بما أوتوا من حنكة ومراس ودربة أن ينظموا الصفوف ويغيروا مجرى الحوادث ، ويسيطروا على الموقف مهما كان خطيرا ويكسبوه لصالحهم  ومن ثم  كان يدعى بفارس الاسلام

شخصية سعد :

وبعد : فان شخصية سعد وعبقربته وأعمال بطولته وكريم خلاله لما يبعث على التساؤل عما إذا كان لسعد بين المجموعة الاسلامية من الرعيل الأول مركز مرموق أو مكانة ذات بال أو حظوة تحوطه بهالة من الرعاية والتقدير ؟ أجل ان ذلك بدهى  لا يحتاج الى تدليل . يعرفه كل من له اثارة من علم بالسير أو المامه بالتاريخ الاسلامى أو دراسة للقصص العربي فثمة قصة سبقه بالاسلام وإراقته أول دم فى سبيل الله ورميه بأول سهامه من أجل نصرة الدين وفداء الرسول صلى الله عليه وسلم له بأبويه ثم قصة مباهاة الرسول أصحابه بخؤولة سعد وقوله : " هذا خالى فليرنى امرؤ خاله كل ذلك له قيمته وأثره فى المجموع وله خطورته وجلاله . وهو بما يضفى على شخصية سعد التجلة والاعظام ويشعر بمدى ما كان يتمتع به من مركز ممتاز ومكانة سامقة ؛ ثم قصة حراسته للرسول صلى الله عليه وسلم وقد أرق ليلة فى المدينة نستمع اليها من السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها .

لما تكشف عنه من عظيم المكانة التى كان يحتلها سعد من نفس النبى الكريم

تقول السيدة عائشة رضى الله عنها : أرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: "ليت رجلا صالحا يحرسنى الليلة قالت اذ سمعنا صوت السلاح فقال : من هذا قال : أنا سعد بن أبي وقاص جئت أحرسك يا رسول الله قالت فدعا له ثم نام حتى سمعت غطيطه .

ثم القصة الطريفة  قصة عبد الله بن عمرو بن العاص وما كان من احتياله على سعد فى المبيت عنده رغبة فى استطلاع دخيلته وكشف ما يكون من معاملته ربه فى الخلوة كي يقتدى به فيبلغ ما بلغه سعد من علو الدرجات ورفيع المنزلة .

قال أنس بن مالك رضي الله عنه . بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال : يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فاطلع سعد بن أبي وقاص على ترتيبه

الأول حتى اذا كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  مثل ذلك قال فطلع سعد على ترتيبه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لسعد :

انى غاضبت أبي فأقسمت الا أدخل عليه ثلاث ليال فان رأيت أن تؤوينى حتى تنحل يميني ؟ قال سعد : فعلت . قال أنس فزعم عبد الله بن عمرو أنه بات معه ليلة حتى اذا كان الفجر فلم يقم من تلك الليلة شيئا غير أنه كان اذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبره حتى يقوم مع الفجر فاذا صلى المكتوبة اسبغ الوضوء واتمه ثم يصبح مفطرا . قال عبد الله بن عمرو فرمقته ثلاث لبال وأيامهن لا يزيد على ذلك غير أنى لا أسمعه يقول إلا خيرا فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله قلت : انى لم يكن بيني وبين أبى غضب ولا هجر ولكنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك ثلاث مرات فى ثلاثة مجالس " يطلع عليكم رجل من أهل الجنة " فطلعت أنت فأردت أن آوى اليك حتى انظر ما عملت فاقتدى بك لانال ما نلت فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذى بلغ بك ما قال رسول الله ؟ قال سعد : ما هو الا الذى رأيت غير أنى لا أجد فى نفسي لأحد من المسلمين سوءا ولا أنوى له شرا ولا أقوله : قال عبد الله بن عمرو : هذه التى بلغت بك وهى التى لا أطيق

وهذه القصة تحكي لنا الشىء الكثير عن مثالية سعد وعن مبلغ الشعور برفعة مقامه وسمو مركزه وعلو كعبه ومبلغ حرص الصحابة على الخير واقتفائهم أثر الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين .

" متبوع "

اشترك في نشرتنا البريدية