أعمال سعد العمرانية فى العراق
يعتبر سعد رضى الله عنه واضع اللبنة الاولى والحجر الاساسي في بناء (الكوفة) تلك المدينة ذات الشهرة والاثر اللامع فى التاريخ الاسلامى . ذلك أنه كتب لامير المؤمنين عمر وقد سأله عن سبب تغير سحنات العرب وهزالهم ممن شهد حرب فارس فكتب اليه سعد يقول : إن العرب خددهم وكفا الوانهم وخومة المدائن ودجلة . وعندئذ أمر الخليفة سعدا بارتياد موضع معتدل المناخ يجمع بين رخاوة نسمات الفرات العليلة المنعشة ، ورياح الصحراء النقية الجافة مع مراعاة عدم وجود حواجز تفصل المسلمين عن عاصمة الخلافة فوقع اختيار سعد بالاشتراك مع رائدى الجيش سلمان وحذيفة على موضع الكوفة شمالي القادسية وغربي الفرات . وارتحل اليها سعد بمن رغب من الجند المرابط فى المدائن وكتب لامير المؤمنين بموقعها واعتدال مناخها وخصوبة تربتها وبما كان من أمر النقلة اليها . وقد اختط فيها سعد المسجد المشهور وقصره الذي بناه من أنقاض قصر كان للاكاسرة فى ضواحي الحيرة وعهد سعد الى أبي الهياج بن مالك فى وضع تصميم الشوارع حسب مارسمه الخليفة عمرو وابتنى الناس الدور بشكل بدائى مبسط لا أثر للزينة أو الزخرفة فيه . قال الاستاذ النجار فى تعليقه على الكامل لابن الاثير : (والكوفة فى شكلها العام تشبه أن تكون كحلوان فى نظامها واتساع طرقها إذا قارنا بين ارتفاع الحيطان وسعة المناهج والطرق لا فى الرواء والزينة فكانت الكوفة تجمع بين سكنى المدن وهواء البادية وتربتها وذلك أدعي الى صحة الاجسام وجودة الهواء لان سعة الطرق
الرئة للجسم) وهكذا كان تصميم الكوفة باكورة الاعمال العمرانية الاسلامية فى العراق وفاتحة عهد للتملك وتأثل العقار خارج حدود الجزيرة والانسياح ضمن نطاق الدولة الاسلامية وفى حدود سلطانها
سياسة سعد فى العراق ومدى نفوذه
ضم سعد اليه فى الكوفة امراء ثغورها اذ كانوا يرتبطون به بصفة كونه الحاكم الادارى لهذه المقاطعة العظيمة الممتدة حتى الموصل وقرقيسيا شمالا ، وحتى البصرة جنوبا ، ونعم سكانها بلون من طراز جيد فى الحكم على يد سعد قوامه العدل والمساواة ، وأهدافه الدعاية والتبشير بالدين الاسلامى ومدرواقه ونشر المثل العليا ورعاية الحقوق العامة للفرد والدولة وهو نقيض ما كان عليه الاكاسرة من الظلم والجبروت والعنجهية وفرض نظام الطبقات الجائر البغيض .. سأل الخليفة عمر بعض من قدم من العراق عن سعد فقال : (تركته فى ولايته أكرم الناس مقدرة وأقلهم قسوة . هو لهم كالام البرة .. يجمع لهم كما تجمع الذرة .. أشد الناس عند اليأس وأحب قريش الى الناس) وتلك لعمرى نعوت الزعامة فى أبرز مجالاتها وأروع معانيها .
الشعب على سعد وعودته من العراق
واستمر سعد بيده مقاليد الامور بالكوفة ثلاث سنوات ونصف سنة عدا ماقضاه فى المدائن ، ثم ابتلى بما يبتلى به المؤمنون الصادقون فى ايمانهم وعلى حد قول الشاعر العربى :
لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى حتى يراق على جوانبه الدم
ابتلى سعد بنفر من نفايات بني أسد وسقاطهم نفسوا عليه ما يتمتع به من عز الجانب وامتداد السلطان وقوة النفوذ والرضاء التام عنه واستثاروا ضده بعض قبيلهم ممن يتبعون كل ناعق فاوغلوا فى الفتنة وشدوا الرحال الى المدينة لغرض الايقاع بسعد عند أمير المؤمنين . ويطول بنا البحث لو افضنا فى هذه القضية وطفقنا نستعرض القصة بتمامها ونعلل وتستنتج ، وحسبنا أن نعلم أن أمير المؤمنين اتخذ الحيطة فى التنكيل بخصوم سعد ، وجنح إلى التهدئة ورأب
الصدع وجمع الكلمة فى الظروف الحرجة اذ كانت الاعاجم تتكتل وتترابط لتدافع دفاع المستميت والجيوش الاسلامية بدورها تتحفز للوئوب وتحتشد للزحف على نهاوند . ومن باب حسم النزاع استبقى أمير المؤمنين سعدا بجواره ليفيد من تجاربه ويستعين برأيه بوضن به على قوم يؤلبون عليه ويغضون من حقه وقال لخصوم سعد فيما قاله : (لولا أن العدو بحيث تعلمون لكان لى معكم شأن) وقد احتفظ لسعد بالاحقية والاولوية فى عمله وهو ما يشبه أن يعبر عنه فى دنيا الرسميات والوظائف مع شئ من النجوز بالاستيداع .. فعندما حدثت المأساة باغتيال أمير المؤمنين عمر أوصى الخليفة بعده باعادة سعد الى عمله فى العراق ان أخطأه الترشيح للخلافة وقال :(انى لم أنح سعدا عن عمله لعجز أو جين أو خيانة وقد خشيت أن يلحقه من ذلك - والا فليستعن الخليفة برأيه) وهذا اعتراف صريح من أمير المؤمنين عمر بنزاهة سعد وكياسته وسديد رأيه وحسن تدبيره .
مبايعة سعد لعثمان بن عفان بالخلافة
عندما انعقدت البيعة لعثمان رضى الله عنه بالخلافة لم ير سعد من الغضاضة عليه وقد كان أحد المرشحين لها أن يكون فى طليعة من بارك البيعة ومد اليها يده عن رضي واطمئنان وطيب نفس واقتناع . وتستوقفنا لهذه المناسبة خطبته العامرة بالمعاني السامية والاهداف الرفيعة والمبادىء القويمة الرائعة والتي جاءت عفو الساعة لدى مداولة الرأى مع المجلس الاستشارى الذى عين اعضاءه الخليفة عمر قبيل وفاته وجعل من حقه اختيار الخليفة بعده قال سعد رضى الله عنه :
"الحمد لله بدينا كان واخرا يعود . احمده لما نجاني من الضلالة وبصرني من الغواية ، فبهدى الله فاز من نجا ، وبرحمته أفلح من زكى ، وبمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم انارت الطرق واستقامت السبل ، وظهر كل حق . ومات كل باطل .. اياكم ايها النفر ! وقول الزور . وامنية أهل الغرور ، فقد سلبت الامان قوما قبلكم ورثوا ما ورثتم ونالوا ما نلتم فاتخذهم الله عدوا . ولعنهم لعنا كبيرا . قال الله عز وجل : (لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما
عصوا و كانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) انى نكبت قرنى فاخذت سهمي الفالج وأخذت لطلحة بن عبد الله ما ارتضيت لنفسى فانا به كفيل وبما أعطيت عنه زعيم - والأمر اليك يابن عوف بجهد النفس وقصد النصح وعلى الله قصد السبيل واليه الرجوع واستغفر الله لى ولكم واعوذ بالله من مخالفتكم ".
ولاية سعد على الكوفة فى خلافة عثمان
أما وقد آلت الخلافة الى عثمان رضى الله عنه واصبح المعنى بوصية سلفه الفاروق فلم ير مندوحة عن البدء بتنفيذ الوصية فيما يختص بسعد واعادته الى عمله فى الكوفة ونزل سعد عند ارادة الخليفة عثمان فى قبول الامارة ثانية ولبث فيها سنة وبعض أخرى حيث اقتضت المصلحة اعادته الى عاصمة الخلافة ليكون قريبا من امير المؤمنين وبذلك تم له فى ولايته على الكوفة ما ينوف على أربع سنوات .
موقف سعد من الخليفة عثمان فى محنته
وحدث الانقلاب على امير المؤمنين عثمان . وسعد بالمدينة ، فوقف من الخليفة موقف الوفى الامين والمخلص المتفانى والبر الكريم بكل ما فى الوفاء والاخلاص والبر من معنى .. أسند ابن جرير فقال : أرسل عثمان رضي الله عنه الى سعد بن ابى وقاص ليبعث به الى عمار بن ياسر يطلب منه الشخوص الى قوم من الثائرين ليقنعهم بالعودة الى ديارهم قال فدخل سعد على عمار وقال له يا أبا اليقظان الا تخرج فيمن يخرج ؟ وهذا على فاخرج معه وإردد هؤلاء القوم عن امامك فانى لا حسب انك لم تركب مركبا هو خير لك منه . ودخل على عثمان يوم الدار وهو محصور قبل أن يقضى الله فيه بحكمه وخرج وهو يسترجع مما يرى على الباب ويستغفر ويقول : لم أكن أظن أن الناس يجترؤون هذه الجرأة ، وما لبث أن جاء الامام عليا وقال له : يا أبا الحسين فداك أبى وأمى جئتك والله بخير ماجاء به قط الى أحد .. تصل رحم ابن عمك وتأخذ
بالفضل عليه وتحقن دمه ويرجع الامر الى ما تحب قد أعطى خليفتك من نفسه الرضى - فقال الامام على : تقبل الله منه يا أبا اسحق .. وعندما ادلهم الخطب وركب الثائرون الشطط وتنكبوا لسبيل وأبلغ سعد خبر الفاجعه بكى واسترجع وقال قولته الرصينة : (فررنا إلى المدينة فدنينا) وقرأ قوله تعالى : (قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا). ثم دعا على الثائرين بقوله : "اللهم أندمهم ثم خذهم".
(متبوع)

