نعت الدوائر الادبية بباريس في فاتحة الشهر الكاتب الفرنسي فاليري لاربو (١) الذي واقته المنية بمدينة فيشى مسقط رأسه في السنة السادسة والسبعين من عمره وقد اكتنفه وتآليفه إهمال جمهور الادباء . ذلك ان فاليري لاربو مات فى الحقيقة بالنسبة للانتاج الادبي منذ سنة ١٩٣٥ عندما أصيب بالفالج .... ثم لعل هذا الاهمال يعزى أيضا لطبيعة انتاجه الذي نكف فيه عن السهولة والابتذال سواء في المنوال أو في المطالب أو لانه أبى احتراف الادب ومسايرة مذاهب الساعة مفضلا حياة العزلة وعيش الهواة .
ومهما يكن من شئ فان فاليرى لاربو استقبل هذا الاهمال الجائر مثلما استقبل الداء المريع الذي ابتلته به الاقدار : بصر وقوة جائز مما جعل الكاتب روبير مالي (٢) يقول : لقد اعطانا فاليرى لاربو دروسا في القصد وحسن القيام سواء عند أوج ازدهار الحياة الطليقة او عند اسر المرض (٣)
وفعلا قضى فاليري لاربو شبابه وكهولته فى أرغد عيش . ورث عن والده ثروة طائلة مكنته من اشباع هوايتيه وهما : الاسفار والمطالعة وخاصة هذه الاخيرة التى قال عنها إنها " رذيلة لا يعاقب عليها " (٤)
زار معظم الدول الاروبية ايام كانت اروبا سدة العالم بدون منازع فآمن بوجدة رسالتها الحضارية وطفق يدرس لغاتها فأجاد منها خمسا وانكب على درس آدابها وولع بالادبين الانكليزي والاسباني فكان اول من عرف فى فرنسا باسماء سامويل بوتلر (٥) وجيمس جويس (٦) وميرو (٧) ورامون دي لا سارنا (٨) ناقلا اهم مؤلفاتهم بأمانة وبراعة عظيمتين حتى قيل ان ترجمته لكتاب بوتلر : " هكذا مصير كل جسد ... " (٩) فاقت النص الاصلي روعة وجمالا
وهو متضلع ايضا في اللغتين اليونانية واللاتينية يحفظ أغاني كاملة من " الالياذة " عن ظهر قلب ومتبحر في الادب الفرنسي القديم تشهد عن ذلك " بياناته " عن الشاعر موريس ساف (١)
غير ان اهمية لاربو بالنسبة لنا تتمثل في نظرته الى الحياة وهي نظرة الجوعان الضمآن الى مائدة طعامها شهي وخمرها معتقة ، هي نظرة انسان مرهف الاحساس يسعى وراء المتعة : لا المتعة الجسدية فقط بل المتعة النفسية ايضا وقبل كل شئ . وهو يريد باشباعه لشهواته ان يتحقق كانسان حر طليق يهزأ بزماتة المجتمع وتقاليده السخيفة . وقد تمكن فاليري لاربو بفضل ثروته العظيمة ان لا يلتفت الا الى الجمال - او ما حسبه حمالا - فعاش في برج عاجي والحال انه كان اكثر ادباء عصره ترحالا وتجوالا .
هو شاعر هذه الحياة " الدنيا " شاعر النضارة والغضارة وفرحة العيش على الأرض تغنى بلذة الانهماك في الادب المقارن ودقائق المسائل النحوية كما تغنى بيقظه الحب والشهوة في نفوس الفتيات المراهقات ....كل ذلك باسلون يرشح بـ " حكمة التحفظ وفضيلة البطء الرقيق "
استمع اليه يتحدث في يومياته (٢) عن فترة من اقامته باسبانيا : " بالرغم من " المزاج السوداوي " ومن المرض فاني نعمت بصورة عامة ادبيا وفكريا برفاهية حقيقية . فقد كان استحمامي وطعامي وفراشي مصدر لذاذة بالنسبة الي وشعرت بسعادة طيلة هذه الفترة تقريبا ، اطلعت على بعض الكتب الجيدة : غابريال ميرو - أزوران - ليوبولدو آلاز - بيو باروخا وثلاثة او اربعة اجزاء من انجال كانيفي (٣)
ثم كان " اوبارمان " (٤) وسانت إيفريمون ، وتمتعت بمجلس عدد كثير من الفتيات الفاتنات صديقات بنات دونادولوريس وكنت محاطا بالاطفال في معظم الاوقات . اما بالنسبة للعمل فاني كتبت مائة صفحة تقريبا من " مارتر " (٥) وترجمت مائة وثلاثين صفحة من " هكذا مصير كل جسد . . . " ومائة وعشر صفحات من " كنانيش سامويل بوتلر " ..."
ولا غرابة اذن ان ينتج من يسلك هذا السلوك في الحياة آثارا طريقة نسيج
وحدها . لقد بعث فاليري لاربو نفسا جديدا في الادب الفرنسي وذلك منذ سنة ١٩٠٨ بنشره لديوانه " قصائد هاو ثري " ( ١ ) ثم فتح الباب على مصراعيه لادب التجوال بكتابه : يوميات برنابوث ( ٢ ) فمهد الطريق لادباء امثال : بلاز ساندرار ( ٣ ) او بول موران ( ٤ ) . اما اثره الخالد " فارمينا ماركاس " فقد جاء آية بديعة من التحليل الجريء لنفسية الفتيات المراهقات . وله آثار اخرى عديدة نشرت اخيرا مجموعتها الكاملة في ١٢ جزءا عند " غاليمار " ولا يسعنا ضيق هذه العجالة لذكرها جميعا .
هذا وانه لمن المثلج للصدر حقا في هذا الزمان الذي تهافت فيه الادب بامتداده الى الصحافة والطب والاجتماع والسينما والاذاعة الخ .... أننا ما نزال نظفر بادب فذ رفيع لا تتطرقه درة من السهولة او الابتذال .
حبذا لو تطوع بعض ادبائنا فنقلوا الى العربية هذا الكنز !

