اذني توزوز . . دخل فيها برغوث ، عجبا ! كيف دخل والمخدة اليابسة تسدها لا شك ان هذا البرغوث الخبيث اتخذ لنفسه ثقبا ، قضى الليل وهو يقضم الشوالق " التى ملئت بها المخدة حتى وصل ، ولكنه لن يجد ما يؤكل سوى بعض الاوساخ الصفراء التى أخرجها من حين لاخر بعرف وقيد ، دخل ليطنطن في إذني ويحرمني من النوم ماذا أفعل ؟ أقوم الان ؟ حرمني هذا إلبرغوث من النوم . . ولكنها مناسبة لافكر فى اشياء كثيرة ، سلمى ، زوجة المعلم العربي . . كيف ومتى سأصبح معلما . . اين توقفت البارحه ؟ . . لقد اصبحت معلما ، واشتري " كستيما ، ازرق وزينت جيب سترتى بخمسة اقلام حبر لامعة . . اعطيت لابى عشرين دينارا . . ماذا سيفعل بها سيشترى ثيابا لاخوتي من الرويافيكا . . لماذا لا . . من الروبافيكا ؟ قال لنا المعلم السورى : شخصيات توقف سياراتها بجانب الروبافيكا وتختار منها اكداسا . . وثيابا جميلة وثمينة الروبافيكا لم تعد للفقراء فقط ، الروبافيكا لم تعد للفقراء ، هكذا قال المعلم السورى ) * ( . منذ ذلك اليوم صرت لا اخجل عندما أقول ان سروالى من الروبافيكا ، والحقيقة ان كل اطفال المدرسة تقريبا يلبسون من الروبافيكا ، ولكننا ندعى ان ثيابنا من " البازار سلمى فقط تلبس ثيابا جديدة حقا وكذلك المعلم العربي وزوجته
. . أوه . . جذبتني هذه الخواطر من أحلامي . . . كنت أريد أن افكر فى سلمي هي ستكبر وينتفخ صدرها ويطول شعرها ويصير جلدها اكثر بياضا . . عندئذ سأتزوجها سلمي ستصبح سمينة مثل زوجة المعلم . وتلبيس منديل طبخ ابيض . . زوجة المعلم هي المرأة الوحيدة السمينة فى كل المنطقة . . سلمي غنية ، ابوها يملك جنان كرموس وتسعين معزة وحمارة
الفكر
وكلبين أما ابى فهو عساس ولا يملك الا كلبة واحدة سلمى تسكن دارا بيضاء مغطاة بقرميد أحمر . . وابى " يخدم " عساسا ويسكن كوخا من الطوب . الاسود .
قال لى المعلم العربى - ماذا يعمل أبوك ؟ قلت له " عساسا قال - بل حارسا ، حارسا
ولكن أبى ليس حارسا . المعلم " يخلوض " ابي لا يحمل فردا معلقا فى سبتة بيضاء ولا يحمل على رأسه " برطلة ولا يعلق فى حزامه عصا بيضاء مقبضها أحمر عصا ابى منجرة من شجرة الزيتون " مخشنبة " وطويلة اما عصا الحرس فهي قصيرة وملساء . . وأبى لا يسكن فى المدينة ولا يأتي كل يوم ثلاثاء فى سيارة " لندروفر ، خضراء ليحكم بين خالتى محجوبة وزوجها عندما يضربها حتى يتركها كفروج مذبوح أو ليفصل بين خالتى العكرى وحليمه الخنة عندما تسرق لها الدجاج . . ابى عساس يعس على زيتون التعاضدية ) وأمي تقول العضعوضية وخالتى محجوبة تقول العاضودية تحضر له أمي المحمصة بالحليب أو الكسكسى بالخرشف فى الطاجين الاحمر وتضعه فى القفة ، ولا يعود الا فى الصباح . . يعود مرتعدا فتشعل له امى الكانون ويتدفأ وينام . . أحيانا يرجع أبى فى منتصف الليل فيجد أمي صاحية فى انتظاره أحس بعودته السرية اذا حرمتني البراغيث من النوم يأتي ابي فينام بعض دقائق ثم يرجع الى العسة . . قلت له مرة وقد دفع خشبة الباب ودخل بعد منتصف الليل
- لماذا عدت يا ابى ؟ وهل هذه الدقائق القليلة من النوم تكفيك ؟ . . غضب وأمرني أن أصمت وأغمض عينى لانام وان اهتم بشؤوني . . لست ادرى هل وجد فى سؤالى عيبا . . وأغمضت عينى متناوما ولكنى رأيته يخرج بعد دقائق قليلة فقط . . قال لى المعلم العربي
- حارسا بل حارسا . . وليس عساسا . . ليته كان كذلك
لماذا لا اقوم واشعل القنديل وأحفظ المحفوظات ما دام هذا البرغوث المحتال قد حرمنى من النوم ؟ إذا حفظت الدرس جيدا بعثني المعلم العربى الى داره هناك اجد زوجته السمينة تحضر الكسكسى بالدجاج او المقرونة بالصانصة او الصالصة . . باللحم كذلك . . رائحتها تصلنا الى القسم فيتوقف المعلم العرب عن الكلام لحظات ليستنشق ويمسح وجهه ولحيته مصليا على النبيء اما المعلم السوري ، فعندما تدركه رائحة الطعام من دار المعلم العربى . . وهو يتكلم فانه يبتلع الكلام ابتلاعا سريعا . . كما لوكان يزدرد المقرونة ونقول له
- سيدى : ما فهمناش
زوجة المعلم العربي تأتي الى القسم وتسأل زوجها عما يريد أن يأكل ويتحاوران في الطعام كل يوم جمعة تطبخ له الكسكسى بالدجاج ونوعا آخر من المآكل نجهله .
تبعثني زوجة المعلم الى الحانوت فأشترى لها اللوز والكاكاوية والفلفل الاكحل .
- " يجب ان ابحث عن الوقيدة وأشعل القنديل . زوجة المعلم تجلسني على كرسي طرى وتسألني - ماذا تعشيت البارحة ؟ - محمصة بالخضرة . - ثم ماذا ؟ - لا شئ . . محمصة وكفى وترفع حاجبيها المزججين فى استغراب - محمصة فقط ؟ كيف تتعشون محمصة فقط ؟ ثم تسألني : - هل خرجتم البارحة ؟ - خرجنا ؟ - للنزهة . . . للطبيعة .
- نحن دائما فى الطبيعة . . لا نخرج منها نحن نسرح في الطبيعة كالخرفان .
وتضحك زوجة المعلم حتى تستلقى أما أنا فلم يكن هناك ما يضحكنى . . .
يجب ان ابحث عن الوقيدة واشعل القنديل . . . أمي تضعها عادة تحت مخدة أخى مبروكة . . بحثت ولم أجدها . . . صالح ينام بدون مخدة . اتكون وضعتها تحت مخدتها هى ؟ حليمة جذبوا عنها الغطاء . . وجدت رأسها بين ركبتيها سحبت عليها الغطاء فتعرى سعيد من الجهة الأخرى عريتهم جميعا . . عيشه وصالح ورابح يضعون رؤوسهم بين سيقانهم فيحتلون مكانا واسعا من الفراش والغطاء ، سرحتهم وجعلت كلا منهم يلتفت الى ظهر الآخر وبذلك افسحت مكانا لحليمة وتغطى الجميع
زوجة المعلم العربى تحبني . . قالت ذلك لزوجها . . قالت له : انه يضحكنى بحكاياته اللطيفة عن عشائهم وفراشهم وحياتهم وكلبتهم التى تلد مرتين فى السنة . . لذلك فالمعلم لا يضربني . . . واذا كانت زوجته غاضبة لسبب ما فانه يعفيني من الدراسة ويبعث بى الى البيت وتبدأ هى فى استجواباتها اللطيفة وهكذا يعود البشر الى البيت وينزاح عنها الغضب ، ويبتسم المعلم ويقل عدد الاصفار والمساطر المكسرة على ايدى التلاميذ .
العرف الاول أطفأته الريح الداخلة من فجوات الباب ، العرف الثاني عطست عليه فانطفا . . العرف الثالث مات قبل ان يصل إلى الفتيلة العرف الرابع . . . أخيرا . . . انبعث نور خافت في البيت . .
الآن احفظ المحفوظات . . والمعلم العربى يقول " القصيدة " اذا حفظت القصيدة بعثني الى داره لان زوجته تحتاج لى لاحدثها عن بيتنا وأمي وجيراننا خاصة عن جيراننا . . قلت لها : " حليمة الخنة تسرق دجاج خالتى العكرى فتتخاصمان ونتفرج عليهما وهما تتشاتمان بكلام بذىء ، ويخرج كل الجيران لسماع الشتائم الطريفة المتجددة وصوت حليمة الاخن وصوت العكرى الابح . أحيانا تتفق النسوة على اثارتهما لاضاعة الوقت وملء الفراغ فنشبع بالضحك ونختزن الشتائم ونعيدها فيما بيننا حتى موعد ظهور نوع جديد من الشتائم قلدت لها صوت حليمة الخنة وصوت خالتى العكرى فرأيتها تدوخ ضاحكة وتنبطح ارضا وتتصكك حتى تعرت ، وخفت أن يكون شيئا قد اصابها ، وكدت اذهب لانادى زوجها ولكنى عرفت أن ذلك من جراء الضحك الشديد لا غير * *
كراسة المحفوظات اهتم بها كثيرا ، غلفتها بكاغذ سكر مصور عليه نسر ، وزينتها باقلام الزينة ، ورسمت فيها سلمي شجرة تساقطت أوراقها وأمالتها الرياح ودار كبيرة بالقرميد . . مثل دارهم . . أنا صورت كوخا بجانب الشجرة . . لكن المعلم العربي امرنى أن امسحه ، وأعطى كراستى لسلمى فصورت دارا بالقرميد .
- سقف بيتي حديد ، ركن بيتي حجر
سقطت قطرة ماء من السقف على الكراسة فمسحتها بسرعة حتى لا تلتصق بالورقة صفرة الدخان . . . امي لا تضعني الا فى المكان الذي تتساقط منه " القطرة " .
- فاعصفي يا رياح وانتحب يا شجر ، فاعصفي يا رياح وانتحب يا شجر فاعصفي يا وانتحب يا ، فاعصفي وانتحب يا يا . . .
هذه المحفوظات لا تدخل دماغي
انطفا القنديل ، قلت للريح اعصفي فعصفت وانطفأ القنديل قمت لاشعله : العرف الاول انطفا ، الثاني عطست عليه عمدا وفرغت الوقيدة . . سأراجع اذن ما حفظت . . ولا حاجة لى بالقناديل والاضواء والوقيد
جاء ابي يقطر ماء ، يحمل حذاءه فى يده ورجلاه غارقتان فى الوحل . . جاء يعطس ويكح وينف . . أبي ينف كثيرا ، له ثلاثة مناديل يقاوم بها السائل الاصفر المنبثق دون انقطاع من منخريه . . ابي يقاوم النوم بالنفة اثناء العسة وفي النهار يهرب منه النوم
حاء ابي مريضا فصعد فوق السدة ، وجاءته امى بالكانون ليجفف ثيابه . . ابى لم يأكل يومها شيئا . . أبي أكثر من النفة والعطيس وأعطته امى شوليقة رابعة ثم خامسة ليقاوم بها فيضان أنفه . . شرطت له رأسه وسال الدم اصفر على جبينه وتجمد على حاجبيه . . أزالته أمي بالقشة وربطت له رأسه ونام أمي تحب ابي كثيرا . . هي لا تسمح لاحدى أخواتى بأن تقوم بشئ يخصه . . عندما نذبح الزردة تعطيه صدر السردوك وتعطيني فخذا . . أنا لا أحب فخذا فى العام الفارط قلت لها : أنا أحب جناحا وقليلا من الصدر . . قلت لها حتى متى تعامليننى كطفل ؟ . . زوجة المعلم تقتسم دجاجة كاملة مع زوجها
لذلك فهي سمينة . . اما هو فنحيف ، يابس كالبرغوث لم يكبر منه الا بطنه ، لم تعم السمنة كامل جسده . .
جاءنا ذات مرة يرتعد من البرد وأمرنا أن نرجع الى بيوتنا لانه مريض ، قال انه قضى ليلته لكثرة الصقيع رغم الغاز الذى اشتراه للتدفئة والغاز هذا ، رأيته عندما اتى به . . . صندوق احمر تخرج منه نار زرقاء كنار العبيثة " اذ تخرج فى الشتاء . . الكانون يدفئى اكثر منه . . ولكن الكانون ينطفئ سريعا . النسوة سمعن بهذا الصندوق . . حدثتهن عنه . هن يطلبن دائما ان احدثهن عن المعلم وزوجته وعما تلبس وعن سمنتها ودارها وكوجينتها وأكلها وسريرها الطرى . . وطلبت منى حليمة الخنة أن اصفها لها عندما داخت من الضحك وانحسر عنها الثوب . قلت لهن مرة ان المعلم العربى يقبل زوجته عندما يعود من التدريس ، وخجلت النساء . . وطلبت منى حليمة الخنة أن اعيد لها الحكاية مرات . . . ثم اصبحت حين يعود زوجها بعرقه وغباره من الحقل تقبله . . فلم يقل شيئا بادىء الامر ثم استراب فى شأنها ونهرها . . ولكن زوجة حبيبة بنت مصباح القواد ) وسمى كذلك لانه يتجسس على العملة لفائدة مسيو بروطون . . صاحب الضيعة ثم لمدير التعاضدية ) ولكن زوج حبيبة بنت مصباح أفاد أن زوجته تقبله كذلك . . وكذلك تفعل خالتى العكري . . فانها اصبحت تطالب زوجها بان يقبلها كلما عاد ، أما خالتى محجوبة زوجة ابراهيم الابرص فقد ذهبت الى اكثر من ذلك : أصبحت تطالب زوجها بالمساواة وتريد ان تتصرف هي فى نقوده . . عرف اذن اهل الدوار ان الوباء قد حل وعم وتساءلوا عن مصدره ، ثم تفطن صالح بن مسعود ومحمد الفرطاس الى انى مصدر الداء لانى كثيرا ما أخالط النسوة . . خاصة على حافة البئر عندما يذهبن مجتمعات لملء القلال واتفقوا على أن يكسروا وجهي وان يمنعوني من الذهاب للمدرسة لانقل اخبار زوجة المعلم . . التى اتفقوا على انها فاجرة وغير منتسبة البتة الى أمة محمد . أما المعلم فقد اتهموه بأنه ديوث وخلو من شعرة السيد على الا ان مبدأ تكسير وجهى نظروا فيه من جديد لان أبي رجل طيب والنار تخلف الرماد . . فجاء ابراهيم الابرص وصالح بن مسعود وعلى الخرنان ومحمد الفرطاس وامروني فى لهجة شديدة بالا أعيد مثل هذه الاحاديث الصفيقة على حريمهم
حملت صندالى في يدى ومحفظتى تحت ابطى ( ومحفظتى هذه مصنوعة من كيس الفسفاط البلاستيكي ( وذهبت الى المدرسة ، عندما اصل الطريق المعبدة
سأغسل رجلى بماء غدير وألبس الصندال . . فاذا وصلت الى المدرسة راتني سلمى بحذاء نظيف ثم إن المعلم اذا رأى وحلا فى حذائى لا يبعثني الى داره أنا لا أريد أن آكل شيئا . . مرة حلفت على زوجته أن اكل لحمه كبيره فرفضت . . وماذا يهمني أنا من اللحم الذي تطبخه هى كل يوم ؟ . . انا فقط اريد ان اراها كيف تمشط شعرها الاسود الطويل أمام مرآة طويله وكبيرة وان اسمع قبقابها ينقر الجليز بلطف كمنقار دجاجة . . واريد ان اراها تلبس منديل الطبخ وتنظر الى ساعتها البدوية الصغيرة . . وهي أول امرأة اراها تحمل في معصمها ساعة . . ثم اريد ان اشم رائحة الكسكسى والفلفل الاكحل ماذا يهمنى انا من اللحم الذي تطبخه هي ؟ لا شئ ، وبعد فان العيد قد قرب وستشترك عائلتنا وعائلة محمد الفرطاس ، أقرب جيراننا فى نعجة كامله . . سنأكل اللحم حتى التخمة . . أما هي فلن يكون لها عيد . . لان اللحم تأكله كل يوم . . .
المهم ان استعرض له المحفوظات بدون تلعثم
- سقف بيتي حديد ركن بيتي حجر فاعصفي يا رياح وانتحب يا شجر
المعلم العربي يحب الشتاء والبرد والريح ، أما أنا فأحب الطقس الجميل لكى لاينطفئ القنديل ولا يبتهل أبي ولا يكح ولكى تجف الطريق بين البيت والمدرسة ، أنا أحب الاوراق الخضراء والعصافير والشمس . أنا لا أحب الشتاء مثل المعلم العربي لماذا أطلب اذن من الريح ان تعصف ومن الاشجار ان تنتحب ؟ لماذا لا أطلب منها أن تهدأ وان تبتسم الاشجار عوض البكاء ؟ !
- فاهدئي يا رياح وابتسم يا شجر فاهدئى يا رياح وابتسم يا شجر .
عندما يطلب مني المعلم أن استعرض المحفوظات سوف أقولها كما اريدها انا لا كما يريدها هو . أما سلمي فهي تطلب من الريح أن تعصف مثل بقية التلاميذ الذين يسكنون أكواخا مثلى
قال المعلم ان المتفقد سيزورنا وأوصانا ان نكف عن التشويش والا نطلب منه الذهاب الى المرحاض أثناء الدرس وأمرنا منذ يومين أن نحضر مناديل لتنظيف أنوفنا وأعلن أنه سوف يعاقب عقابا شديدا كل من يترك مخاطه يتدلى على شفتيه . جاء المتفقد فى سيارة سوداء خردة فجلس فى اخر القاعة وقال لى
المعلم : استعرض " القصيدة " وغمزنى ان اقوم بالحركات المعبرة . . خرجت الى السبورة وابتلعت ريقى وسرحت قرجومتى
ركن بيتي تراب سقف بيتي حفر
فاهدئى يا رياح وابتسم يا شجر
انتصب المعلم كمن قرصه برغوث قوى وقال لى : " لماذا تغير الكلام ؟ قلت له : يا سيدى قال : أعد ولا تغير الكلام ، قلت له . قال : اخرس يا قبيح وارجع الى مكانك ثم أخرج سلمى فاستعرضت له القصيد كما يريده ، ورأيت وجهه يبتسم راضيا وبطنه ينتفخ قليلا
جاء المتفقد فلاطفني وقال : لا تغير الكلام ، ثم قال : أحسنت يا ولدى ، لكن لماذا تغير الكلام ؟ فقلت له : إنى اكره الريح والمطر وأحب الشمس . قال : إن الشاعر " يتحدى الطبيعة لان منزله قوى ، قال اذا كانت منازلنا قوية فاننا نتحدى العواصف ونسخر من الرياح والامطار . قلت له يا سيدى ، واذا كانت منازلنا ضعيفة سكت المعلم ولم يجب ، وقال المتفقد : وفي رأيك انت ماذا نقول ؟ ذهبت الى السبورة وصعدت فوق المسطبة وسرحت فرجومتي من جديد كسردوك خالتى العكرى اذ يتهيا للصياح :
ركن بيتي تراب سقف بيت حفر
فاهدئى يا رياح وابتسم يا شجر
قد مللنا الشتاء وبكاء المطر
واكتئاب السماء واحتجاب القمر
فاهدئى يا رياح وانسحب يا ضجر
خيم الصمت على الجميع وجاءنى المتفقد وقال : انت كتبت هذا ؟ قلت له نعم فربت على كتفي وقال : أحسنت يا ولدى ، ولكن حذار أن تغير الكلام . . اذا طالبك المعلم بحفظ المحفوظات ، فاستعرضها كما اعطاها لك هل فهمت ؛
تحدث المتفقد مع المعلم سرا ونظرا الى رجل فى الصندال يلسعهما برد الشتاء وفي المساء نادتني زوجة المعلم وأعطتني حذاء زوجها وآمرتني ان احشوه بالقض والبسه قلت لها : اني املك حذاء ولكنى لا ألبسه لان حجرا اصابني فى رجلى .
وصلت الى الوادى ، وأنا في طريقي الى " الدوار " مساء . . ما حدث اليوم لم يكن ليهمني كثيرا . . زوجة المعلم نادتني بعد الحادثة ومعنى ذلك انها لن تنقطع عن ادخالي الى منزلها والمعلم نفسه لم يكشر عن انيابه ولم يهتز بطنه في حصة المساء بعد أن رحل المتفقد . . بل ان ذلك قد جلب لى عطف سلمي بعد ان خرجنا داعبت وجهى بأصابعها وقلت :
لماذا انت عنيد هكذا ؟ قل له ما يريد . . استعرض المحفوظات كما اعطاها لكم المعلم وبعد لماذا تريد أن تغيرها أنت ؟ فسكتت وابتعدت مسرعا . . انا فعلا أحب الشمس والصفاء وهم لا يحبون ما احب . . لكن كان عليهم ان يتركوني أتكلم بحرية وصلت الى الوادى ولكن القنديل فى بيتنا لا يضئ ليس من شك فى ان زوجة المعلم قد غيرت نظرتها لى منذ اليوم . . هذا المساء عندما ذهبت لها . . قالت لى " تفضل " . . . ما معنى " تفضل ؟ " وبعد أن اشتريت لها الثوم والفحم قالت سامحنى ما معنى " سامحنى ؟ " .
ايكونون قد ناموا بعد ؟ أم ليس لهم وقيد لاضاءة القنديل ولكن لماذا لم يذهب سعيد او مبروكة الى حانوت حسين الزكار لاشتراء وقيدة ؟
وعندما دخلت الى الكوجينة رأيتها جالسة على الارض وثوبها لا يغطى الا نصف فخذها . . فلما رأتني أسرعت ووضعت منشفة على ما تعرى من جسدها . . وليس من عادتها أن تفعل ذلك . . كانت لا تخجل ان تظهر امامي بقميص شفاف . شفاف جدا وقصير والآن اصبحت . عجبا . لم كل هذا التغير ؟
دخلت البيت وانا فى حيرة من امر الظلام المخيم استطعت أن اميز حليمة وهي جالسة في صمت وعيشة تبكى ومبروكة نائمة وأمي غير موجودة
- حليمة اين أمي ؟ عيشة اين امى ؟ مبروكة اين أمي ؟
لا واحدة تجيب ، أين ذهبت ؟ ولماذا لم تشعلى القنديل يا حليمة ؟ ولماذا أنت نائمة يا عيشة ؟ واين العشاء يا مبروكة ؟ وهل رجع سعيد يا حليمة ؟ وماذا طبخت يا مبروكة ؟ ما هذا العالم الابكم اليوم ؟ .
شعرت بألم في أمعائى . . لم استرح منذ يومين ، فدرت وراء البيت حيث نذهب جميعا . . وهناك وجدت أمي جالسة وظهرها الى الجدار الترابى المبلل كانت تضع رأسها على ركبتيها . . وضعت يدى على رأسها لارفعه فوجدت دما متيبسا على شعرها .
- امى لماذا ضربك أبى ؟ . . هي تبكى ولا تجيب ، بقيت لحظة انظر الى الشفق وقد بدأ السواد يلتهمه من الاسفل . . ثم شعرت من جديد بالم في امعائى فتواريت فى الظلام . . ثم عدت فجلست بجانبها وأسندت رأسى الى ركبتيها واغمضت عيني . . بلغتني الرائحة الكريهة المنبعثة من الفضلات المحيطة بنا بعد نزول الامطار عليها وبدت أمامى زوجة المعلم وهي تلاعب زوجها الورق ثم هى تتبختر فى قميصها الشفاف ثم بدا لى المعلم وهو ينفخ بطنه ليقذف لى بأمره أن أسكت ولا اعبر عن كرهى للشتاء والعواصف . . رفعت يدى وتحسست الدم المتجمد على رأس أمي . . بقيت هكذا حتى أخذتني سنة من النوم . . وافاقتني ريح باردة محملة برائحة الفضلات . . فقلت لامى
- لابد ان ندخل الآن .
وجدنا حليمة قد اشعلت القنديل . . وجلسنا صامتين ننظر الى أمي تبكى تارة وتتمخط طورا فى " شوليقة " سوداء دخل ابى وفى يده عصاه التى يتوكا عليها ويهش بها على غنم التعاضدية وله فيها مآرب أخرى مثل ضرب أمي . دخل وهو ينف ويعطس . . نظر الينا واحدا واحدا فى صمت غاضب مهدد ثم رفع عصاه ووضعها على شعلة القنديل فانطفأت وجذب خشبة الباب وراءه فى صمت وخرج الى العسه
تحسس كل مكانه ونمنا . قالت حليمة : تركنا فى الظلام كالدجاج عندئذ عرفت أن حليمة غيرت مكانها ونامت بجانب امى
وبقيت أحدق في السقف . . ومن ثقب صغير هناك . . ذاك الذي اعتاد ان ينزل علي قطرات الماء . . رأيت نجمة لامعة كأنها عين تطل على . . ثم لم تلبت أن ححبتها سحب سوداء وبدون أن أشعر بدأت اتمتم
قد مللنا الشتاء وبكاء المطر
واكتئاب السماء واحتجاب القمر
قالت مبروكة - " ما يخص المشنوق كان ما كلة الحلوى " وعقبت عيشة : - وماذا يهمه أن يفرشخ رأسها لان المحمصة كانت مالحه ؟ ! وعلق سعيد - انه يعيش هناك . . مع زوجة المعلم . . لم اعبأ بهم . . . وواصلت اتمتم - فاهدئى يا رياح وابتسم يا شجر ووصلني صوت حليمة غاضبا :
- ها قد بدأت تغنى ألا تتركنا ننام هذه الليلة الكلبة ؟ ! فسكت ! وسكت الجميع وما أظنهم اغفوا ليلتها . . اما انا فقد بقيت صاحيا طوال الليل رغم قلة البراغيث تلك الليلة !
