تمهيد :
من المؤسف حقا ان يغمط التاريخ والمؤرخون هذا القائد المغوار حقه فلم يذكروا من مولده او نشأته شيئا يذكر اللهم إلا نذرا يسيرا ضمن فتوحاته الواسعة التى تركت اثرا خالدا في قلوب اولئك المغلوبين الذين ذرفوا الدمع مدرار لما أحسوا بفراقه لهم الى الأبد .
فالبلا ذري وابن الأثير وان كانا قد أسهبا فى فتح السند إلا أنهما لم يلقيا أي ضوء على المكان الذي درج منه هذا الشاب الباسل وابن خلدون لم يكلف نفسه أكثر من أن ينقل من البلا ذرى ما كتبه عن فتوح السند بنصه وقصة . وقاموس الاعلام للزركلى لم يترجمه بحرف لكن هناك بصيصا من النور يشع من بين دفني تاريخ المؤرخ الفارسي الشهير ( فرشته ) فيجلى جانبا من أعمال ذلك الشيخ الهائل الذي تجاه بعض المؤرخين بتانا كالمسعودي وهناك فارس صنديد وقف يدافع عن ذلك البطل الجندى المجهول بقلمه الذي يغمر صريره أفاق الهند ردا على اولئك الهندوك المتعصبين الذين يرمون هذا الشاب الباسل بتهم زائفة كاذبة وهو المؤرخ الهندي العظيم " اكبر شاه خان النجيب آبادى " في مؤلفه " آبينه حقيقة نما " وعلى هذه الكتب التى ذكرناها أكبر معولنا فى هذا البحث المتواضع .
نسب محمد بن القاسم
يقول ابن الأثير فى حوادث سنة تسع وثمانين حين يذكر قتل داهر ملك السند : أن محمد بن القاسم والحجاج يجتمعان في الحكم وهو الجد الأول للحجاج والثاني لابن القاسم فيكون نسبه بذلك هكذا . محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبى عقيل بن عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف .
ويقول الأستاذ محمد شفيع أستاذ التاريخ في " جامعة " ببلدة بشاور من أعمال الهند في كتابه " تاريخ الهند " نقلا عن History of India ( ١ ) ، أنه محمد بن القاسم صهر الحجاج
مولده
إن المروءة والسماحة والندي لمحمد بن القاسم بن محمد
ساس الرجال لسبع عشرة حجة يا قرب ذلك سؤددا من مولد (٢)
بهذين البيتين رثى حمزة بن بيض الحنفى باسلنا المنكود ضحية الضغائن الشخصية ورثاه شاعر آخر بهذا البيت :
ساس الرجال لسبع عشرة حجة ولداته عن ذاك في أشغال
إذن فقد كان صاجنا على رأس ذلك الجيش الجرار الذي جرده الحجاج على داهر وهو بعد فى السابع عشر من ربيع عمره ومهما كانت ريبتنا فى صدق كلام هذا البيت بيد أنه ليس من الحق فى شئ أن نغض عنه النظر لمجرد كوننا لا نستطيع أن نتخيل فتى فى السابع عشرة يقود جيشا عظيما بفكر ثاقب وجنان ثابت وقد سبق ان هزم اسكندر المقدوني دارا ملك فارس وهو لم يتعد
العشرين من عمره القصير فقد يكون في الشاب من اصالة الرأي ونفاذ البصيرة . ما يتعذر وجودهما في غيره وابن تلك الشجاعة الخارقة التى حملت طرفة الشاعر ان يحمل تلك الرسالة التى افتضح امرها والتى كانت تحمل له موتا زؤا ما الى عامل البحرين وجان دارك تلك الفتاة من ذوات الحذور طردت الانجليز من فرنسا وتوجت شارل السابع وهى طفلة كبيرة عمرها ثمان عشرة سنه اذن فايس من الغريب أن يكون عمر صاحبنا سبعة عشر عاما حين تجريد الحملة وعلى ذلك يقرب مولد محمد بن القاسم من سنة اثنتين وستين بعد الهجرة لان الحملة مذكورة فى حوادث سنة تسع وثمانين في تاريخ الكامل لأبن الاثير .
فتح السند :
(١) أسباب الحملة : من أعظم الدواعي لتجريد هذه الحملة ان أهدى الى الحجاج " ملك جزيرة الياقوت (١) نسوة ولدن في بلاده مسلمات ومات آباؤهن وكانوا تجارا فاراد التقرب بهن اليه فعرض للسفينة التى كن فيها قوم من ميد الديبل فى بوارج فاخذوا السفينة بما فيها فنادت امرأة منهن وكانت من بني يربوع : يا حجاج وبلغ الحجاج ذلك فقال : ( يا لبيك ) فارسل الى داهر يسأله تخلية النسوة فقال : انما اخذهن لصوص لا اقدر عليهم (٢) " ولك ان تفهم من هذا استخفاف داهر برجاء الحجاج ففي الوقت الذي نسلم فيه خطاب الحجاج كانت النسوة فى سجن عاصمته ( الور(٣) )ويفهم من كلام فرشته ان داهرا اراد تحدى الحجاج حين كتب هذه العبارة فى رده الى الحجاج . " هذا العمل الذي آتاه قوم ذو بأس وشكيمة تستحيل عقوبتهم مهما بذلت من جهود "
خفهم ناس منه أنه يعنى القرصان لكن هيهات أن ينخدع الحجاج بذلك فسعى الى عبد الملك ليأذن له بفتح السند ، وأورد اكبر شاه خان النجيب آبادى تحقيقا علميا ردا على من قال ان داهرا كان صادقا في ان القرصان هم الذين نهبوا النساء المسلمات فقال : " لم يعرف من القرصان شئ قبل تجوال البرتغاليين في المحيط الهندي ولم يسمع شئ عن لصوص البحر فى بحر العرب في القرن الأول ولم يكن القرصان يستطيعون التجوال في البحار في ذلك الوقت ونهب ثمان سفن الا اذا كانوا على اتفاق تام مع احد المالك الكبرى (١) " .
وهناك سبب آخر لم يقطن اليه أحد من المؤرخين الا ( اكبر شاه خان النجيب آبادي ) ربما يعد سببا له أهميته فى ذلك الوقت فقد ( ولى الحجاج على السند ( مكران ) سعيد بن أسلم بن زرعة فخرج عليه معاوية بن الحارث الكلابى العلافى وأخوه ( محمد ) فغلباه على البلاد وقتلاه فأرسل الحجاج مجاعة بن سعيد التميمي مكانه فغلب على الثغر وفتح فتوحات بمكران ومات بعد سنة من ولايته (٢) فقيل فيه :
ما مشاهدك التى شاهدتها إلا يزينك ذكرهن مجاعا (٣)
" ثم استعمل الحجاج بعد مجاعة محمد بن هارون بن زراع النمري فطارد العلاقيين خمس سنوات واخيرا قبض على معاوية بن الحارث العلاق فشذ رأسه وأرسله الى الحجاج لكن أخاه محمدا افلت من يده والتجامع خمسمائة مقاتل سنة خمس وثمانين الى داهر وكان ينظر الى فتن المسلمين الداخلية بعين الارتياح لأنها كانت تحقق مطامعه الواسعة في المستقبل العاجل نستقبله داهر استقبالا حافلا بكل تعظيم واجلال واستخدمه عنده فلما علم الحجاج بذلك كتب الى عبد الملك يستأذنه في فتح السند لكن الخليفة توفي قبل ان يوافق على اقتراح
الحجاج ( ١ ) " انتهى ملخصا .
يفهم مما سبق أن الحجاج اضطر اضطرارا الى فتح السند ووضع حد لتلك المؤامرات التى كان يدبرها داهر في الخفاء ويخطئ من يظن أن السند إنما فتحت لمآرب أخري والحال أنها بلاد جدية لا يرجى خير جزيل من وراء استعمار اراضها . ( يتسلى )

