نأت بك بعد الرحيل الديار (*) وفارق أشجاره الاخضرار
وبعدك صار الصباح المندى كئيبا عليه من الحزن غار
أسى موجع أن اراك بعيدا وقد شط في البعد منك المزار
وأنت الذي كنت في البيت غصنا وريقا عليه تغنى الهزار
أجبني ، فقد طال صمت الليالي ومن بعدها طول الانتظار
أرابك دهر النهايات وهو الظلام الذي ما اليه نهار ؟
وفضلت أن تترك الدار قفرا وما الدار - والله - بعدك دار
أبا القلم الراعف المستهام الــــــــــــــــــــــــــــــــــــذي هزه للبعاد السفار
حديثك ما زال في القلب نورا وفي العين للجاحد الغر نار
وفيض عطائك مازال فينا كما ضاء وسط الظلام المنار
رأيتك كالنبع يروى الظماء وكالظل يأوي اليه الصغار
وكالنخل في الرمل يزهو شموخا وكالطود غطى ذراه العرار
سألتك عن سامر بات قفرا وعن صحبة خانها الاصطبار
وعن واحة الحب .. آواك فيء بها وسقتك المياه الجرار
أيا فجرها ومنار دجاها ومن للحمى هزه الادكار
رأيتك في الدرب تقفو الاحبة والموت كأس عليهم تدار
سرت قبل أضعانهم بالتنائي ونادى مناديهم ثم ساروا
فما رفعوا للوداع شعارا ولا سلموا بيد أو أشاروا
فيا لهف نفسي عليهم ! اذا ما اعتذرت ولم يجدني الاعتذار
ووا حر قلبي بليل التشكي ! اذا ما غزا جانحي الأوار
طويت بساط اللقا بعد وهن وما كان لي في الامور خيار
وأغضيت عن هاجس يتلظى وضاع بحلقي الحديث المثار
يميني تضمد جرح الليالي وتمسح دمع عيوني اليسار
أيا راحلا أين منك الرحيل !؟ ويا سائرا أين منك المسار ؟!
ويا واردا أين منك الدلاء !؟ ويا راميا أين منك الجمار !؟
رأيتك من وهج الحرف تشكو وقد قل من لم يصبه العثار
بسطت لتونس ودا سخيا وغيرك ودهم مستعار
وأعطيت لم تتطلب جزاء سواء لديك الحصى والنضار
غنيت بزهدك وهو كبير وفي الزهد للعارفين دثار
فلم تستجب لنداء القصور ولا زان صدرك يوما شعار
وكنت كما أنت عشت بسيطا ومت بسيطا وذاك اعتبار
لان الظنون تصير يقينا اذا الموت جاء وصح القرار

