الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

(( فرتونة ))

Share

- وفقدت يا أحمد الثقة بالبشر أعرف قصتك مع أمك . . . تركتك لجدتك . . . أنت لا تعرف والدك . . . تزوجت أمك ورحلت بعيدا . . . وتركتك . . . ورحلت بعدها جدتك . . . أنت ترى شكلها ضبابيا فى مخيلتك . . . يدها المعروقة تمسح جبينك الصغير . . . تمسح دموعك الصغيرة . . . رحلت سريعا تلك الجدة المسنة . . . وطفولتك . . . كيف قضيتها بعد ذلك ؟ . . لا تذكر شيئا . . مطلقا . . حاول أن تتذكر . . . لا تريد . . ليس فيها من لذة أو سعادة . . . كنت تقيم جدارا على كل يوم يمر بك بآلامه وعذابه . . بجفافه وفراغه . . بقسوته وسرابه . . أقمت سدا على ماضيك فأنت لا تذكر شيئا منه . . أنت لا تريد أن تذكر . .

أنت الآن تحذرنى يا أحمد . . وتخافنى كما تخاف الناس جميعا . سأحاول أن أكون صديقك . . أنت تخاف الناس كلهم . . ولكنى يا أحمد . . منذ سكنت حيك كنت دائما أحييك . . أنت وكلبتك السمينة . . أهى كلبتك . . وأنا الآن لا أراها معك ؟ ماتت . . وكيف ؟ ومتى ؟

- نعم ماتت . . بعد عشرة طويلة . . بعد سنوات عشر . . ماتت  وتركتنى . . كانت فى أحسن حال . . لا أدرى ما أصابها . . قبل أيام من موتها أخذتها الى جمعية الرفق بالحيوان . . فحصها البيطرى وحقنها . . قال هى فى صحة جيدة . .

- ربما أكلت شيئا متعفنا من الشارع ؟   - أبدا . . كانت الكمامة دائما على فمها . . ليست هى مثل بقية الكلاب . . أنا بنفسى أحضر لها طعامها . . أطبخه لها نظيفا . . ولكنها ماتت . .

أحمد شديد السمرة . . يبدو اقصر من قامته لعرج ألم به . . يسير معتمدا على عكازه من جهة وعلى كلبته من الجهة الاخرى . .

كلبته تسيره فى الطريق . . مسكنه كوخ صغير جدا تحت جسر يمر على السكة الحديدية . . كوخ  (( متواضع ))  مغلف بصفيح البراميل القديمة . .

لا يغضب أحمد مطلقا مهما فعلت به . . ولكن دمه يفور والشرر يتطاير من عينيه والزبد يلف شفتيه اذا مس أحدهم الكلبة بسوء . . .

- يخلف الله يا أحمد . . خذ كلبة أخرى وستنسى الاولى . .

- ابدا . . لن أعوضها . . لن توجد مثيلتها . . لن أعوضها بأخرى . . . سأحفظ ذكراها . . أعرف . . سأبقى وحيدا ولكن لا يهم . . لن أعوضها . . كانت هى ولما ذهبت انتهى كل شئ . . . كتب على أن أبقى وحيدا . . . كنت اجوع وأشبعها . . كم تجولنا معا . . وأقسم لك . . ماتت عذراء . . هي عذراء بين الكلبات لم يمسسها كلب في حياتها . . وكم خاصمنى أصحاب الكلاب يريدون تزويجها لكننى رفضت . . اعترضنى أحدهم مرة بهراوة ليخيفنى . . ليقهرنى . . ويأخذها عنوة لكلبه . . تقبلت ضربة الهراوة التي كسرت فخذى وتعلقت بكلبتى وتعلقت بى وىي الأخير انتصرنا . . . أقسم بالله ماتت عذراء . . . اتهمونى بأننى أريدها لنفسى - لعنهم الله - ذاك صاحب الدكان المواجه لكوخى . . . لا حياء له . . يقول لى أمام الجميع . . أنت ترقد معها ٠٠

- لا يهم يا أحمد . . . يرحم الله كلبتك . .

- إيه . . . كنت دائما أرعاها . . . عند احتضارها لم أفارقها لحظة ، كنت بجانبها الى أن فارقتها الروح . . لا . . لا أبدا . . لن أجد مثلها . . ذهبت هى وسأبقى وحدى . .

يخيل الى أن دموع أحمد تطل من عينيه . . وأن شفتيه تلتويان وصوته يتهدج . .

- كفنتها . . . نعم وغسلتها . . ثلاثة أمتار من القماش الأبيض . . . قبرتها قرب مستشفى الحيوانات وراء معمل التبغ . . . قبل أسبوع من موتها اخذتها للتلقيح السنوى . . كنت خائفا عليها . . خائفا من أن تتركنى كما تركنى غيرها . . . ترقب . -

دخل أحمد كوخه . . وخرج منه بسرعة وبيده بطاقة صفراء في اطار من الزجاج يبدو أنه كان يعلقه فوق فراشه . . على البطاقة اسم الكلبة وسنها وفصيلتها . . كان اسمها ((  فرتونة )) . .

ليس لأحمد اليوم من شغل الا أن يوقف معارفه ويقص عليهم كيف ماتت  (( فرتونة ))  . .

أحمد اليوم وحيد . . . مع عكازته . . ينتقل فى الشوارع التى كانت  (( فرتونة ))  تتجول فيها معه . . وكم داعبها آنذاك وكم توقف عن المسير لتتشمم  (( فرتونة ))  أسفل شجرة . . . أو لتبول على طرف جدار . .

وكم يقف أحمد وحيدا بجانب الأشجار . . وبجانب الجدران وأكداس الأحجار . . كان يتشمم رائحة ((  فرتونة ))  فى الهواء . . كان يراها بجانبه وهي تقوده كيف شاءت وهو لا يرفض لها رغبة . . وفي يده اليسرى كان يمسك دائما بما خلفته له  (( فرتونة  )) . مقود جلدى به ناقوس صغير . .

اشترك في نشرتنا البريدية