اعتادت * خديجة فى ايام رمضان ، بعدما ينصرف زوجها إلى عمله واولادها الى كتابهم ان تضطجع على فروة ضان قرب عتبة البيت وتستسلم لغفوة تجد فيها راحة لبدنها المتعب لانها قليلة النوم ليلا في شهر الصيام
الا انها هذا العام كلما تقدم رمضان كثرت هواجسها وهجرها النعاس وقد كانت في السنين الماضية تسر لمقدم العيد وتعد له عدته
عرفت خديجة بين مثيلاتها بحسن التدبير والاقتصاد فهى تجمع على ممر السنة كميات قليلة من الزيت والفاكهة والسكر وغيرها وتدخرها وتراها تنقص من الزيت مقدار فنجان كل يوم ومن السكر ثلاث كعيبات عند الزوال ومثلها عند المساء وترى زوجها ، وهو محب فى شرب الشاى بعد الفطور وبعد العشاء ، كثيرا ما يؤنبها :
تعلاش ها التقسيط
اهاه ! في سيدى رمضان وفي العيد تلقاه كيف العسل
وتخرج خديجة ذخرها فتسرف العائلة فى شرب الشاى والقهوة وتسرف خديجة فى صنع " المقروض " الوانا وألوانا ، ويقضى كلهم عيدا كأسعد ما يعرف اهل الغابة اى مجموع الاجنة في ضواحي المدينة
وان اختارت خديجة فى امرها هذا العام فلان السنة مجدبة وربح زوجها فلم تدخر الا الشئ اليسير ويشق عليها ان يقال عنها انها لم تصنع المقروض فتكتب لها فضيحة بين اهل الغابة
لا حيرة معاك ياربى ! يا مدبر دبر ! الشفاعة يا رسول الله صغيراتى يعيدوا مكبوبين ها العام !
وقد تهتدى خديجة الى الراى الصواب وتحدثها نفسها ان الشئ اليسير الذى ادخرته من سميذ وزيت وسكر فيه كفاية وتتردد على اذنها كلمة زوجها
كل عام وقسمه
ولكن سرعان ما تثور ثائرتها فتقفز على قدميها وهي تتساءل كيف لا يفهم زوجها ان لها من الاطباق ثلاثة طبقا كبيرا وطبقين صغيرين وان السميذ الذى ادخرته لا يكفى " لتعمير " طبق صغير واحد ، وكيف لا يفهم ان النوع الابيض من المقروض " نوع محتقر
- باهى والله ! آش قال لك وآش قلت لك ، خديجة تريكية بعثت للكوشة قدام الناس اربع كعبات مقروض بيض متلغين يطنطنوا فى طبق قد الكف ، عاد بلاش خير .
وتفضل خديجة ان تعدل عن صنع " المقروض " على ان تظهر بهذا المظهر المزري بين الجيران ويضيق صدرها شدة فتخرج من البرج ويبقى تجيل بصرها فى " الجنان " حتى يقف عند " طابية الهندى وهى خط الافق لرقعة الارض التى تعيش فيها .
وان يقف بصرها عند " طابية الهندى " فخيالها يجتاز هذا السور المنيع الذى يفصل عنها الدنيا ويصل بها الى زوجها فتراه يعمل مجهدا نفسه منهكا قواه متصببا عرقا فتراف به وتحنو عليه وتغرورق عيناها دموعا وتقول
- مسكين ولد الناس يجاهد علينا جهاد .
ولكن حنان الام على اولادها يغلب رافة الزوجة بزوجها فتنهمر دموع خديجة وترتعد فرائصها عندما يمر بخاطرها ان اولادها سيقضون عيدهم محرومين مما تبتهج له الصغار .
- عاد ! وفرحة اولادى يا سيدى ربى ! يدبر راسه الليلة كيف يجى نتفاهم معاه .
جبلت خديجة على ان تقوم بشؤون زوجها اتم القيام مهما كانت تضمر فى نفسها من الرضى او من الغضب وعاد زوجها عشية ذلك اليوم منهوك القوى مما يقاسيه من شدة العمل وعناء الصوم فاعدت له فراشا فى ركنه المعهود وقدمت له ماء ليغسل اطرافه وشرعت تهيىء
مائدتها ، وكانت خديجة لسنة فكهة تملا الجو حولها كلاما وضحكا مما جعلها عزيزة عند زوجها محبوبة عند صديقاتها وجارتها وكان زوجها كلما راح مساء الى المنزل بادرته بقولها : " الله يعينك " ولاقته بكلمات الترحاب والسؤال عن حاله وبقيت حصة قائمة بين يديه تعينه على ابدال ثيابه وعلى غسل اطرافه واذا انصرفت الى عملها فى مطبحها فلا تغيب الا قدر قضاء حاجتها وسرعان ما تعود بجانبه تتم حديثها وتقص ما سمعته عن جارتها وتشرح ما بدا لها من راى فى تدبير شؤون منزلها وزوجها مرتاح الى حركتها ونغمات صوتها الى ان تنقضى السهرة وتستسلم الاسرة الى النوم .
واما فى ذلك اليوم فلم تخل خديجة بواجب ربة المنزل الا انها كانت مقتصدة فى كلامها ففهم زوجها ان فى نفسها شيئا تتهيأ للافصاح به وظنه امر تافها لا يصعب علاجه فقال لها كما اعتاد ان يقول فى مثل هذه الاحوال
- اى طرشق تراه ! خلينا نتفرهدوا - محصنة مضمنة ! اعلاش تطرشق فى ياسيدى - امالا آش بيك ؟ ما بى شئ
احس زوجها " صادق " ان الامر ذو خطورة فلم يلح عليها وانقطعت خديجة عن الكلام الى وقت السهرة .
- ياخي تقول لى طرشق ! ما عندى علاش نطرشق ، الاولاد اولادك وما عندى فاش مطلوبة .
- ءاش بيهم اولادى ؟ عاش صار ؟
- ما صار وما كان ! انا ما ننجمش نخزر لاولادى يعيدوا مكبوبين اقعد انت واياهم وانا ماشية نعيد فى دار بوى .
- علاش مكبوبين ؟ الى عندنا فيه البركة - ما بركاش
نهضت خديجة فى عنف وارتمت على فراشها وانتثر الاولاد فى
زوايا البيت بعضهم بلا وساد وبعضهم بلا فراش وبات صادق في حيرة يفكر فى حل يخرجه من هذا المازق الشديد .
خرج صادق من غده مبكرا وبقيت خديجة فى منزلها متكاسلة متمارضة حتى سالها صغير اولادها
- يامي وقتاش ماشية لدار حناتى - اسكت يطرشق عينك
ولا تسل عن امر صادق فى ذلك اليوم . قضى نهاره محتارا كئيبا لا لانه يخشى كلام الناس ولا لانه يصعب عليه ارضاء صبيته بالشئ اليسير واشغالهم فى العيد بالقليل من الحلوى والفاكهة ولكنه يشق عليه ان تغضب خديجة ويخرس لسانها الحلو وتفتر ابتسامتها مصدر سروره وزينة الحياة عنده ، خديجة زوجته الصالحة الامينة الحاذقة ، فقصد كثيرا من اصدقائه يستعيرهم بعض النقود وطلب من مستاجره تسبقة ولكن بلا جدوى فتملكه الياس وضاق صدره حتى خطر بباله ان يمر عند رواحه بتاجر شيخ كان جارا له فلما شكا له حاله فرج كربته وقضى له حاجته .
عاد صادق الى المنزل بعد وقته المعتاد فوجد اطفاله ينتظرونه عند مدخل " الجنان " وبان له رأس خديجة يطل من كوة فى المطبخة ففهم انهم احتاروا لتاخره عن موعده فحمل الاولاد ما كان عنده من قراطيس وتركهم يسبقونه الى البرج وتباطا فى خطوه وراءهم حتى يصلوا قبله الى امهم وتفهم هى ان الله فتح عليهم ببعض الشئ ، واما الاطفال فاسرعوا الى البرج متعثرين وهم يفضون القراطيس من طرف ليعلموا ما بها ، فدخلوا على امهم يتصايحون
- يا امي درع ! - يامي سكر ! - يامي - كبوه ! كبوه ! يكب ايامكم ! وانت يا منطر سيب من يدك !
وما وصل صادق الى فناء البرج حتى راى خديجة تجرى نحو المطبخة بعد ان اودعت القراطيس في مقصورتها فصاحت له من بعيد " الله يعينك " واشتغلت بقدرها تحركها وتضرم النار من تحتها وما هى الا ساعة حتى كانت الاسرة حول المائدة تستسيغ الطعام وتتبادل الحديث .
- انا قلت نعمل شوية مقروض اسمر وشوية غريبة ، وجيب لنا كعيبات عضام نعمل شوية ملبس ، صار لنا عامين ما ذقناهش
- يزي عاد ! الى صار فيه البركة ،
- يزى انت ! ديمه وانت تسكر فيها ، ربي ينوب . وانت يا طفل غدوة تمشى للكوشة ترحى لنا الدرع وتحور السميد . ان شاء الله الليلة الجاية نتوكل على الله .
انتصبت خديجة وسط البيت بعدما وضعت بجانبها كل ما تحتاج اليه وجثت على ركبتيها امام قصعة الخشب التى ورثتها عن ابيها ثم صبت الزيت وجعلت تدير يدها فى القصعة وهي تصب السكر حفنة حفنه حتى يذوب باكمله ثم صبت قطرات من العطر وبعدها دقيق الدرع وكونت عجنة ذكية الرائحة فدنا منها الصبية وارتموا على القصعة فصاحت في وجههم
- ابعدوا على ! عاش ها القوم - يامي يحييك نخبز معاك ! يامي يحيك - يديكم سحاق كيف حماش العافية ! قلت لكم ابعدوا
وبعد ذلك جذبت القصعة الى جانب ووضعت المائدة مكانها وشرعت تاخذ العجين لقمة لقمة بين يديها مجموعتين ثم تضعه على المائدة وتمر عليه باصابعها وتربت عليه من فوق ومن جانب ومن ءاخر حتى يصير فى شكل مكعب مستطيل قليل الاعتلاء ثم تاخذ القالب وتضرب به المكعب من جهة ضربتين ومن جهة ضربتين ثم تضعه فوقه وتضغط عليه بجمعها تم تاخذ السكين وتقص ما زاد من العجين على طرفى القالب وعند ذلك تمتد اليها ايدى الاطفال لتاخذ ما تسقطه السكين
- يامي نذوق ! يامي نذوق
- يذوقكم العلقم ! مليح خوذ انت ! خوذ انت ، اى براو ارقدوا ! هنييوا على نقص المقروضات !
- يا امي نرصف معاك في الطبق ؟ - لا ! اذهبوا ارقدوا ! احشموا ! - انا ماشى ندى المقروض مع بوى . - وانا زادة - والفرخ الصغير ما هو يمشى يرقد .
والفرخ الصغير هو عبد الوهاب او كما يسميه اهله " وهاب " لا يبلغ من العمر الا اربع سنين يلبس سراويل قصيرة تشد الى كتفيه برابطات وتبرز فى مقدمها بطنه الكبيرة " تبزمت " لما حشيت به من كسكسى ولحم لما كان رضيعا .
انزوى " وهاب " فى ركن من البيت لما نهرته امه وبقى واقفا مسندا ظهره الى الحائط وهو ينوح :
- ايييي. ايييي نحب ندى المقنوض مع بوى اييي - اسكت وهو يغرد علينا ! اللطف ما اركه ها الدحش .
بقيت خديجة الى منتصف الليل وهى تصنع " المقروض " وتصارع اولادها وهم يرتمون على المائدة يلتقطون فتات العجين حتى اتمت شغلها وحملت الاطباق زوجها واولادها ورافقتهم الى باب البرج . توصيهم برد البال والحرص على " الكواش " حتى لا يغفل على اطباقها فيحترق " مقروضها " ثم رجعت ترتب البيت وتغسل المائدة والقصعة والسكين والقالب ، وبعد ساعة اتتها الاطباق تنشر روائحها الذكية فاخذ زوجها يداعبها :
- بتشى على غلبك - - مانيش ماشية نحطه فى قصريتى ! ما هو شوية آش ما جاء فرحة الاولاد قدام الجيران
