ترك عادل الرفاق فى ساعة متأخرة . فقد طالت جلستهم بالمقهى وحاول عادل ان يتخلص منهم او ان يقترح تأجيل المناقشة الى يوم آخر فلم يلبوا طلبه ولم يقبلوا مقترحه . لقد قرروا في تلك الليلة ان يبرزوا مشروعهم الى الوجود دفعة واحدة لا كسورا واقساطا . هم شباب والشباب في نظرهم اندفاع وحماس لا تلجلج وترجح ثم ان مشكلة المال لا تمثل فى اعينهم مشكلة حرية بالاعتبار ولا تعدو ان تكون وسيلة . والوسيلة موجودة ابدا إذا تبينت الطرق الموصلة الى الاهداف واذا كانت تلك الاهداف سامية عالية . ولم يخرج الجماعة من سهرتهم الطويلة فى تلك الليلة دون طائل . فقد ضبطوا المواعيد ووزعوا الاعمال وكلف كل منهم بمهمة معينة . فأنيطت بعهدة الهادى مهمة الاتصال بالمنتجين واقتناء البحوث والدراسات وكلف عبد العزيز بالاشراف على توزيع كالمجلة كما اسندت اليه مهام اعداد الصور والرسوم . وقرر الجماعة ايضا ان يصدر اول عدد من مجلة " الرسالة " بعد شهرين وان تجرى فى الاثناء أتصالات وتعقد اجتماعات لتذليل الصعاب والعقبات التى ربما تعترض اسرة المجلة فتحول دون صدور العدد الاول فى الاجل المضروب
كانوا يجتمعون هكذا من حين الى آخر فى منزل احد الاخوان وخاصة عند الهادى بضاحية " سكرة " الجميلة . . وكان بعد المنزل عن العاصمة ينفر بعض الاصدقاء فيجتمعون بالمقهى - وكانوا يسمونه - " النادى " ومن هناك يأخذهم الهادى فى سيارته الجميلة ويقطع بهم المسافة . وكثيرا ما يقطعها مرتين ليمكن الجميع من الالتحاق بمنزله الذى يسكنه مع والده الشيخ وخادمة سوداء وكثير من العملة الفلاحين الذين كانوا يقيمون بالضيعة فى منزل مجاور بين مئات اشجار البرتقال التى يسهر على سقيها وتسميدها وجنيها الش نفسه وكان مولعا بالفلاحة يملك الزياتين الكثيرة المتناثرة فى عدة مناطق كما يملك ضيعات ببنى خلاد والحمامات وبعض المزارع فى يسائط مجاز الباب يغمر ها الحصيد . وقد اقتني منزل " سكرة " حديثا وفتحه فى وجه اصدقاء وحيده الهادى فأصبح ناديهم ومكتب تحرير مجلة " الرسالة " منذ ذلك اليوم
غادر عادل وعبد العزيز بقية الرفاق المجتمعين فى المقهى بعد منتصف الليل . واوصلهما الهادى الى تربة الباى حيث كان يقطن عبد العزيز فى شقة بالطابق الثالث من عمارة مسنة بدأ الزمان يفعل فيها فعله . وكان الرسام
شديد التعلق بعضه كما كان يسميه لا يبدله بغيره من البيوت الحديثة التي بدأت تنتثر فى ضواحى العاصمة منذ بضعة اشهر فى نطاق النهضة العمرانية وسياسة توفير اسباب الرفاهية للسكان في جميع مناطق الجمهورية . . وكان عادل قد نسى معطفه " بالعش " منذ يومين فانتهز الفرصة لقضاء الوقت مع عبد العزيز عله يتوصل الى اقناعه بضرورة الالتزام بالنسبة للشباب المثقف في البلاد المتخلفة . وكان عبد العزيز عدو الالتزام يرى فيه عرقلة من نوع جديد فى طريق تحرر الفكر والفن والادب وكل ضروب الثقافة في مفهومها الواسع . . وحاول عادل اقناعه بتحليل الوضع جريا على عادته فى التبسيط والتدقيق :
- نحن يا أخى بين امرين اما ان تخرج من التخلف بصورة آلية سطحية فنقتبس عن الغير . . عن الشعوب المتقدمة جملة من الفنون والصناعات والمرافق المادية لنستطيع بواسطتها ان نتغلب على الاوضاع التى نسميها عادة بالية وفسدة وقديمة ورجعية ونطور تلك الاوضاع شيئا فشيئا فنصنع البلاد ونشغل العاطلين ونشيد آلاف البنايات ليزدهر العمران . . ولكن جهودنا تبقى سطحية اذا اقتصرنا على محاربة التخلف الاجتماعى والاقتصادى واهملنا مقاومة اصل ذلك التخلف فتجاوزنا فروع العلة الى جذورها وحاولنا استئصالها . . علة التخلف يا أخى فى الفكر . . وعلينا نحن ان نعيد للفكر وظيفته الاساسية وان نزرع فيه القدرة على الابتكار . . على التقدم . . على الخلق . . ولا يكون هذا الا اذا اعتبرنا ان لكل مثقف رسالة وان رسالته ليست فى انطوائه على فنه وفكره وادبه بل فى اتصاله بالجمهور وفي التفاعل معه والمساهمة فى خلق حضارة جديدة يمكنها ان تساهم بدورها في تنمية التراث الانسانى . وهذا بالضبط ما نفهمه من الالتزام . . ولا يحدد هذا المفهوم من حرية المثقف . . من حريتك كرسام كبير . . ولا يفرض عليك من القيود غير التى تفرضها انت على نفسك لانها فى صميم الرسالة التى تؤمن بها وتعمل على تحمل اعبائها
واستمع عبد العزيز الى صديقه والانتباه باد على وجهه ولكن ما ان اتم عادل كلامه حتى بادره فى استخفاف . . .
لفظة الالتزام هذه ثوب جديد تكسون به كائنا قديما جدا . . هو الفكر . . وفي هذه اللفظة من الغش ما يجعلني اكرهها واعتبرها سقطا من اللسان . . الالتزام عندى خاصية جوهرية لكل شئ . . وفي كل زمان ومكان . . وهذه الخاصية لا تفارق الادب والفن والعمل بمعناه الواسع وفي مداه الذى لا حصر له . . ما دام الادب وما دام الفن وكل عمل انسانى ووقفة على المشاكل الابدية . . مشاكل الوجود التى لا تزول الا بزوال الانسان وزوال الوجود . . وعلى هذا الفهم فالالتزام ثوب مزيف يغطى ثوبا انيقا وعريقا . . فلا فائدة منه ولا طائل وراءه . . فهو الزبد الذى يذهب جفاء
اما الجوهر فالفن الاصيل والادب الاصيل والعمل الذى يخلق لنفسه ويتجدد بنفسه . . انما يهمنى من عمل الانسان اتصالة المباشر بالمشاكل الانسانية دون حافز او رادع . . دون كل هذه الالقاب التى تلصقها به النظريات والمذاهب والتيارات الفكرية المختلفة . . المهم هو صدق اللهجة فيما نقوم به من اعمال . . فيما نقول وفيما نفعل . .
ولاحظ عادل ان صديقه عبد العزيز يريد ان يقفل باب المناقشة وانه كان يبدى من الامتعاض وعدم الاكتراث ما يشير الى عدم ارتياحه لمنهج الرسالة كما يريدها الجماعة رغم ان ذلك لا يمنعه قطعا من العمل معهم على ابرازها وتوفير اسباب النجاح لها كان يتشبت بارائه ومبادئه فى الخلق الفنى ولم ادى به ذلك الى مجابهة الجماعة لكنة الى جانب تعنتة الطبيعى كان خادم القوم لا يتهرب من مسؤولية اذا اتفق الجميع على اناطتها بعهدته وقد رضخ لحكم الاغلبية فى تلك الليلة فتعكر مزاجه ولم يجد بدامن ان يتملص من الحديث مع عادل فقال يودعه :
لو كنت مثلك ايها المنقذ من الضلال لتسللت الليلة الى مضاجع كل الراكدين والرجعيين وبصورة اعم كل من تحدثه نفسه بعرقلة تيار التقدم والنهضة ولألقيت بهم فى قعر معقل من هذه المعاقل التى آلت على نفسها ان تصمد فى وجه الزمن . . حجرة عثرة فى سبيل التقدم والازدهار . . ولقلت لهولاء جميعا : لكم الآن ان تتعبدوا ما طابت لكم العبادة وان تصوموا الدهر إذا شئتم . . تزمتوا وتعمموا والهجوا بالدعاء والذكر . . لكن دعوا الناس يعملون ويكدحون فى سبيل الحياة . . دعوا الناس يستكملون وجودهم بالحركة ايها المقعدون . . لو كنت مثلك ملتزما متحيزا داعية للحق لطبقت المبادىء الى آخر ما يقتضيه العقل ولدعوت الناس الى اعتناق مذهبى بالسيف والسوط والهراوة والحجر . . الشيوعيون يفرضون مبادئهم عن طريق الزجر والقهر والقوة . . هم ايضا ملتزمون متحيزون فيما يعتبرونه حقا . .
وود عادل ان يجيب عن تخوفات عبد العزيز بما يطمئنه ويهدىء من روعه . . ود ان يتبسط فى الموضوع وان يحدد لصديقه مفهوم الالتزام عن طريق الاقناع والعمل الجماعى والتحول التدريجى وقبول المراحل التى يمر بها التطور حتما اذا لم تجنح الى الثورة والى العنف والى استعمال القوة . . ولكن ضيق الوقت جعله يعدل عن ذلك ويودع صديقه على امل التحدث اليه في نفس الموضوع متى سنحت الفرصة بذلك . كانت المناقشات التى اجرتها الجماعة فى منزل الهادى وفي المقهى تثقل رأسه فيشعر بحاجة الى الراحة . . الى سلوى . . لم يرها منذ اسبوع . . وهو الليلة فى حاجة اليها . . الى الشعر . . الى الموسيقى . . الى القمر
واخذ عادل يخترق شوارع المدينة العتيقة وكان يعتزم ان يستأجر " تأكسى " يقلة الى المنزه من ساحة الاستقلال . وكانت الليلة مقمرة لكن بعض السحب
الكثيفة كانت تغطى القمر من حين الى حين فيعم الظلام شوارع المدينة الضيقة فاذا هي كالقبور المفتوحة . . كالتوابيت بلا اغطية تنظر الى السماء المضطربة البعيدة في جمود وحيرة . غريب امر الشوارع في الليالي المظلمة . انها تبعث الانسان على التفكير بالرغم منه . كان عادل فى حاجة الى دخينة يقطع بها شوطا من الطريق لكنه لم يعثر فى جيبه على علبة التبغ وتذكر انه نسيها عند عبد العزيز فزاد ذلك في تبرمه وضيق نفسه . كانت الوحشة تنفذ الى صدره فيخيل اليه ان حركاته نفسها لا تخضع لسلطان عقله . . فهى آلية تشعره بانها ليست منه اذ كان الليل يضفى عليها ما يضفى المسرح على حركات الممثلين . وشعر عادل فعلا وهو يخترق تلك الشوارع المعوجة ذات الجدران الهرمة التى تفتقر الى الملاط والطلاء انه على مسرح وان المناظر تحيط به من كل جانب وان الصدى يرجع وقع اقدامه الى اذنيه فاذا هو رخيم ثقيل وكلما مر عادل ببركة من النور التصق به ظله ورافقه كمضحك الملوك ينهض تارة ويبرك اخرى ثم ينبطح على الارض ويتمرغ تحت قدمية في اشكال عديدة غريبة هى اشبه ما تكون بالالعاب البهلوانية . وكاد عادل يبتسم لمرأى ذلك الشبح الذى يطلع عليه من حين الى حين كما لو كان يريد ان يؤنسه وينسبه هكذا وحشة المكان . ولم يلبث ان استرجع هدوءه فغمرت نفسه سعادة فجائية شاملة . ثم تذكر سلوى فعاودته الوحشة وكادت تضيق عليه الخناق في تلك الانهج والازقة لولا ساحة النصر التى طلعت عليه كغدير من النور الوهاج كباقة من الهواء والطمأنينة والسلام . كانت عربات " التاكسى " واقفة على حاشية من الطريق العريضة يغمرها سكون الليل . ولكن عادلا لم يتجه اليها . . كان فى حاجة الى النور . . . الى الهواء . . الى الحركة فمشى فى الطريق الواسعة وقادته قدماه الى شارع بورقيبة ومنه التحق بشارع محمد الخامس فاذا النخيل الجاثمة على جانبي الطريق تؤدى له التحية كمات الجنود في وقفة رسمية . ونفذت الى نفس عادل طمأنينة شذية تتضوع منها رائحة المروج بعد نزول الغيث . فقد غسلت حافلات البلدية ذلك الشارع الواسع منذ حين فبقيت على سطحه غدائر من الماء تلمع تحت اشعة القمر الفضية لا يدرى عادل كم ساعة مشى منذ ان ودعه صديقه عبد العزيز ولم تخامره فكرة الالتحاق ببيته سريعا وهو يمشى على مهل فى ذلك الشارع الذى يكاد لا ينتهى . كان يفكر فى امور مختلفة ورجلاه تقودانه الى حيث يقصد بدافع التعود . وخطر له خاطر وقد تراءى له وجهه على صفحة غدير تركه السيل على حاشية الطريق فقال فى نفسه : " غريب امر بعض الناس . . كيف لا يببس عندهم ذلك الملاط الذى يلصقه الشباب بالوجوه . فهو يببس على الجدران وكثيرا ما يقع على الارض قشرا تذريه الريح ويذيبه الماء . ولكنه يصمد عند بعض الناس . . فهو ملاط المغرورين يسخر من الزمن ولا يعبه بتقدم السن " . وقاده ذلك الخاطر الى تذكر بعض الصور التى سجلت طفولته على اوراق بدأت تصفر زواياها من اثر الاصابع وكثرة التقليب . وبرزت امام
عينية صورة وقعت بين يديه فى الايام الاخيرة عفوا عندما كان ينظم بعض الملفات . . صورة امرأة جميلة ويجانبها طفل لم يناهز السادسة من عمره فقال في نفسه : " مسكينة أمي . . كيف كانت تنظر الى ذلك الطفل الذى كنت بعينين حالمتين وعلى شفتيها ابتسامة سعيدة . . لكم علقت عليه من آمال . . ذلك الطفل الذى ينظر الى الآن من خلال السنين بعينين لا بريق فيهما ولا ذكاء . . كم علقت عليه من آمال عبرت عنها كلها فى تلك الابتسامة " . وطفق عادل يفكر في امر ذلك الطفل الذى علقت صورته بخياله منذ ايام والذي نظر اليه نظرة مجردة خالية من العاطفة والشعور ، وقد فصلته عنه مسافات العمر من امد بعيد . واستعاد فى ذاكرته ما قاله صديقه عبد العزيز بخصوص الوجود الموروث او الذاتية السلبية . فقال فى نفسه : ( لقد نطق عبد العزيز بالصواب حينما ) ادعى ان المجتمع يقيد الانسان باصفاد من حديد ثم يقول له : هلم الى السباق فانت حر انت عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمان بن صالح التهامي . . دينك الاسلام ولغتك العربية ومذهبك مذهب مالك وحربك حرية " مطلقة " لكننا ننتظر منك ان تفعل كذا وان تقول كذا وان تحفظ هذا وتنسى ذاك وان تصبح طبيبا لا حلاقا كأبيك وان تتزوج بابنة عمك لانها جميلة ولانها ابنة عمك وان تحترم عائلتك وتعتبر عاداتها وتقاليدها . . الى غير ذلك من الاوامر التى يتلقاها الطفل عن والديه وعن البيئة التى يشب فيها ويترعرع الى ان يستكمل رجولته . . وعندها يفلت بنفسه ويستقل بوجوده فاذا هو غير الذى كان ينتظر منه ان يكون واذا هو يعتبر ان الذاتية خلق جديد وانها اساس حياة الانسان . . واذا نظرية الحياة الابدية تؤثر على حركاته وسكناته وتشكل مركز قوة فى افكاره . . واذا هو يسلط اضواء العقل على العاطفة على الدين على المجتمع فيدعو الى التجديد . . الى الخلق . . . الى استكمال الذات . . واذا هو يؤمن بان الله تعالى ذات والانسان ذات وحياة البشر تتجلى فى هذه الذاتية . . وتقوده افكار التطور الايدى حتى الى بعد الموت فيوافق فلسفة هذا ويعارض مذهب ذاك ويفتح مواهبة الفطرية جميعها على الشخصية الانسانية الكاملة فأذا هو متمم لخليقة الله نفسه عامل في اصلاح الدنيا وكلما ازداد معرفة ونورا وقوة قرب من الله الذي هو الذات المطلقة الكاملة والشخصية الشاملة " .
فكر عادل فى كل هذا وساءل النفس عن سر التطور وسر الوجود فاهتز كيانه نشوة وغمرته سعادة شاملة اذ تبين له الطريق من خلال ما يعتبره رسالته في الحياة رغم ما يطغي عليها من تشعب وغموض . وقال فى نفسه وه يعبر ساحة بستور الممتدة الاطراف والحديقة الغناء التى تحتل من تلك الساحة مكانا رحبا : " يكفى ان تكون الحياة كهذه الساحة وان طافت حولها أطياف الظلام في هذه الطرقات المتفرعة . . فهي الحياة رحبة ارجاؤها عديدة ميادين النشاط فيها للعمل الخلاق الحرى بالعظمة والخلود . وان اعظم جائشة من جائشات النفس واجملها تلك التى تستشعرها النفس عند الوقوف فى روعة امام الخفاء
الكونى وان الذى لا تجيش نفسه ولا تتحرك عاطفته لهذا لهو حى كميت لان هذا الخفاء الذى لا تستطيع النفس ان تشق حجبه وهذا الظلام الذى لا يبدده فجر . . هو الحكمة ما تكون وهو الجمال اجمل ما يكون . . وهذا الادراك للحكمة وهذا الاحساس بالجمال فى روعته التى لا حدود لها . . هو فى الحقيقة جوهر الوجود وحافزه الى التطور وتجدد الخلق "
وشعر عادل بالجلال ينفذ الى صدره - جلال الليل الذى لا حدود له - وبالسكينة والسلام وهو يلج طريق المنزه فى تلك الساعة المتقدمة القريبة من الصباح . الليل وحده يعرف كيف يسدل السكينة على الانسان وعلى الكون بفضل اختصار المسافات وتقريب الابعاد . فكما للعين وظيفتها فى تنسيق المنظر ولم شتاتها فى اطار حسي واحد ،للفكر ايضا وظيفته فى التوفيق بين الاشياء الذهنية القاصية منها والدانية فاذا هي تدخل فى اطار يشعر الانسان داخله انه رب نفسه مالك زمامها . وتترعرع هذه السكينة فى الذهن وتكبر مع الايام وتمتد اطرافها فيتولد عنها شعور راسخ بحياة على اتم الوفاق مع نفسها . . وما السعادة الا مظهر حسى من هذا الشعور الباطنى الذي يستمد قوته من الجلال والسكينة والسلام . . من الليل عندما يخيم على الكون فيتيح للانسان فرصة التلاقى مع نفسه وتوثيق عرى الوصل بينه وبينها . فيخرج الانسان من وقفته المتأملة المستطلعة على خفايا الوجود معزز الجانب محصنا منيعا .
وتوقف عادل عن المشى وقد اعترضه غدير صغير قطع عليه الطريق . وفى لحظة نقلة الخيال من واقعه وهبط به فى جو طبيعي آخر . خيل اليه انه انه يخترق قرية نائمة فى ليلة من ليالى الشتاء . فاذا الاشجار من حوله كسوارى المساجد واذا أغصنها كالعصى الملحوة في جمود غريب . وتملكه شعور مترجح متردد بين الكمال اللانهائى والبساطة البدائية . وهو شعور كثيرا ما تملكه ايام الصبا فى مسيراته عبر البادية او عبر البحر المترامى الاطراف . وطالما حن عادل الى ذلك الشعور منذ امد بعيد . فقال في نفسه : " هكذا يزول كل اشكال وتتيسر الامور من تلقاء نفسها . فيهدأ ثائر المشاعر وكأنها ركنت الى النوم فى دعة وسكون وتودع الافكار واحدتها الاخرى وينفصل بعضها عن بعض كالسحب بعد نزول المطر وفجأة تعود الروح الى ما كانت عليه سماء جميلة نقية زرقاء صافية الاديم . فلو نهق الحمار اذاك على قارعة الطريق تحت تلك السماء العذراء من جديد فان نهيقه يصبح نافذا مؤثرا كما لو لم يصل الى اذنيك صوت مثله . وهب ان غمامة عابرة تخيم فجأة على المنطقة وينزل مطرها على الحشائش فيغطيها بهالة سوداء فأن الشمس لا تلبث ان تشع على تلك الحشائش فاذا هي لماعة من اثر الغيث . . تقول فى نفسك لم يقع اكثر من هذا . . انما هو رذاذ نزل على الارض لا اكثر ولا اقل . . ولكنك تشعر انك عشت حدثا عظيما ما ابعده في القيمة والجلال عن الحدث البسيط الذي جعل الحشائش تلمع تحت اشعة الشمس بعد نزول المطر . . فكأنك عبرت النهر
الخضم من ضفة الى ضفته المقابلة . . تقديرك الاشياء فى هذه المنطقة غير تقديرك اياها فى المدينة . . العصافير تغرد هنا من اعالي الشجر فيملأ تغريدها جو القرية النائمة فى كل ليلة بعد الغروب بقليل . . في نغمة واحدة . . لكن تغريدها حدث جديد في كل مرة . . فى كل يوم . . . كما لو لم يخلق الله السماوات والارض فى سبعة ايام . . " وطفق عادل يتساءل عن سر ما يقع في البادية من احداث هى بالنسبة للمدينة تافهة مستحقرة . فلم يا ترى هذا الجلال وما مأتاه ؟ ويعصر عادل ذهنه فيقف على الجواب الشافى " الارياف وحدها ما زالت التعرف الآلهة . . آلهة تنزل الى الارض وتتصل بالبشر وتقضى معهم سهراتهم وتتشاطرهم فرحتهم بالاعياد . . الانسان هنا كائن حى له مكانته وحظوته . .ا لان حياته ما زالت حياة بمفهومها الكامل حياة تعتبرها الطبيعة وتقرأ لها الف حساب اما المدينة فانها تزخر بالاحداث . . والانسان امام كل هذه الاحداث فى حيرة لانه يفقد تدريجيا القدرة على ربط تلك الاحداث بنفسه لتنوعها وتلاحقها وتشعبها . . فالفرق بين حياة البدوى وحياة الحضرى هو الفرق بين النظرية والتطبيق بين القول والعمل . لكن هذا الفرق فى تضاؤل مستمر وتطور الانسان من حياة البادية الى حياة المدينة يضفى على قوة الانسان اضعاف طاقاتها البدائية . فهى وان ذابت في الجزئيات عشر مرات يتعزز جانبها مائة مرة فى المجموعة فى الشمول فى الكل . . فاذا هى اقوى مما كانت عليه اضعاف المرات . فلا سبيل اذن لترك المدينة والالتحاق بالارياف ما دام للفكر هذه الوظيفة التى توفق بين الاشياء الذهنية وتدخلها فى اطار بشعر الانسان داخله انه رب نفسه وصاحب البيت لا ينازعه فيه منازع " .
وخففت هذه الخواطر عن عادل اذ ايقن ان الانسان وان ذاب فى الجزئيات فانه يجد نفسه فى الكل اقوى وامنع مما كان عليه . كان يخشى على نفسه من مشاكل يومه من تشعب مسؤولياته ولو كان يجد في ذلك متعة . . ولكنه الآن ينظر الى تلك المشاكل والمسؤوليات نظرة جديدة اذ ايقن ان احكام الحياة التى يهفو اليها قلب الانسان عند ما تضيق به الحال وتتكاثر عليه المسؤوليات ليست سوى شقيقة احكام السرد التقليدى للاحداث احكام الرواية والقصة والخرافة . العامة يقولون " يرجع حديث " فتنقشع الهموم التى كانت تكبلهم ويجدون العزاء والسلوى فى هاتين الكلمتين البسيطتين ولا يخلو قولهم هذا من رأس مآل فلسفى تقليدى يمكن للعالم ان يحلله وان يضبط دقائقه وجزئياته فهم يجمعون شتات الاحداث فى صف واحد مستقيم ويسردون هكذا الحدث تلو الآخر متبعين " حبل القصة " فى تسلسل لا يعدو ان يكون تسلسل الحياة نفسها . . وما " حبل القصة " هذا الا " حبل الحياة " الذي يتسمك باهدابه الانسان فيزول عنه الضيم والقلق والضيق عندما يتذكر ماضيه ويربطه بحاضره ومستقبله فيقول " عندما " و " بعد " و " ثم " و " لكن " . وما اسعد من يستطيع ان يستعمل هذه الكلمات على بساطهتا . . فهى مفاتيح
الفرح مفاتيح ابواب الجنة فى هذه الحياة الدنيا . ويدخل كل هذا فى وظيفة الفكر . . فى تلك الهندسة الذهنية التى تساعد على اختصار المسافات لتدخل الانسان فى اطاره فيشعر انه رب نفسه وصاحب البيت لا ينازعه فيه منازع وما السرد والرواية الا طريقة يستعملها الفكر ليخرج الانسان من حاضره ويبدل الجو فى عينيه وهى طريقة معروفة تلجأ اليها المرضعات لتهدئة الصغار وجلب النوم الى اجفانهم . . وهي طريقة اهتدى اليها القصاصون ليستهووا القراء ويستدرجوهم حتى يستوعبوا افكارهم . . وهى طريقة يستعملها الانسان فى حديثه مع نفسه .
الناس قصاصون فى علاقتهم الرئيسية بانفسهم . وتبدو قصة الانسان فى كل عمل يقوم به . . وهى فى اقصوصة الصحف السيارة وهى فى الروايات المطولة التى تستغرق الكتب وهى فى الف ليلة وليلة وهى فى خرافات أمك سيسى ورأس الغول والاله الحلوة وسيدى عبيد . . هي فى كل ما نشاء . . لا تختلف واحدتها عن الاخرى الا في ظاهرة الصورة وشكل الاخراج وطريقة السرد والتقديم اما الجوهر فواحد . . كل شئ قصة ما دامت الحياة والموت من امر القصة . قصص مختلفة الانواع تردد على الدهر حكاية الوجود الانسانى وتصور مشاكله على مختلف الوجوه . فالناس لا يحبون الشعر او هم يحبونه بمقدار وفى ساعات معينة . لكنهم يهوون تسلسل الاحداث لان ذلك التسلسل يشعرهم بان الحياة تجرى مجراها الطبيعى . . وهذا الشعوز بمثابة الملاذ لهم من الخواء والفراغ . . . من الموت . .
وايقن عادل ان لا حياة فى الواقع بدون تلك القدرة على السرد الطبيعى البدائى الذى لا بد ان تلوذ به حياتنا الخاصة مهما اتصلت حياتنا العامة بالاحداث وتفرعت معها وتلاشت فى غياهبها فالسرد حبل النجاة ولا بد من الحفاظ عليه .
وقال عادل فى نفسه وهو ينعرج عن الطريق الكبيرة ويلج الشارع المؤدى الى بيته : " ايكون عبد العزيز قد فقد هذا الشعور وهذه الطاقة الذهنية على اختصار المسافات . . على الاتصال المباشر بالناس . . انا اعتبر ان للمثقف رسالة في الحياة فاربط الثقافة بالظروف الاجتماعية التى يعيش فيها المثقف واعتقد ان الحكم على ثقافة الانسان لا يصدر عنه شخصيا بل تصدره البيئة التى فيها اما له أو عليه . . وبديهى ان يتأثر هذا الحكم بما مر بهذه البيئة من ظروف الاجتماعية وسياسية وتاريخية ودليلى على ذلك ان الانسان يكتسب اصلب ثقافته فى مدارس تخضع برامجها لنظام بعينه وضعته البيئة لتحقيق اغزاض مقصودة بذاتها . . فانا بذلك اعتبر من الثقافة ميدانها الخارجي أما عبد العزيز فهو فنان قبل كل شئ وهو يقتصر على الميدان الباطني للثقافة ويعتبر انه حر فى عمله لا يخضع لاحد سوى ما يجيش فى صدره من شعور وفي رأسه من افكار يجسمها ويبرزها بفنه . . الا يكون الفرق بيننا هو
الفرق بين المهندس والرسام ؟ وانه لفرق كبير . انا اعكف على البحث واتقيد به واخضع لحقائق موجودة ثابتة تتحكم فيما اعالج من ظواهر طبيعية . . وهو يعمل لابراز انتاج يخلقه بيديه من العدم . . انا ابحث عن نتائج تصف حقائق اجهلها كل الجهل ولا استطيع لها تغييرا او تبديلا قد يروق لى او قد يسهل على مهمتى . . وهو يكيف الحقائق كما يشاء فيحرفها ويعدلها ويسلط عليها نور الفن فتبرز فى مظهر جديد . . انا اتعرض بحكم طبيعة عملى لصعوبات نفسية لا يتعرض لها عبد العزيز لانه فنان . . الفرق بيننا واضح . . لانه الفرق بين حب الذات ونكران الذات . . فما اسعده فى خدمة ذاته وما اسعدني في خدمة الغير . . " .
وتذكر عادل قولا مأثورا لشاعر او كاتب غاب عنه اسمه فى حينه لكنه اهتدى البه لكثرة استشهاد عبد العزيز باقواله ولجوئه الى عبره وامثاله نعم . . تذكر عادل قولا مأثورا للشاعر الالماني غوتة " ليس الانسان معلما ولكنة عامل فأعل " فعلت وجهه ابتسامة وقال وكأنه يخاطب عبد العزيز: هذه ايضا سبقك اليها غيرك . . لكن غوته عاش فى بيئة وتعيش انت فى بيئة . . فما ضرك لو وفقت بين كنه الثقافة الباطنى وكنهها الخارجي فعلمت وعلمت ، وقبلت التفاعل وقمت باعباء الرسالة ؟ " وهز عادل كتفيه فى احترام يليق بعظمة الشاعر الالماني العبقرى ولكنه لم يتمالك من ان يتمتم بالرغم منه : " لو عاش غوته فى عصرنا وفى بيئة متخلفة كبيئتنا لغير رأيه " .
نفسه على مقربة من البيت وهو يستشعر كل هذه الخواطر وفجأة جلب انتباهة امر غريب . . كان النور ينبعث من قاعة الاستقبال من خلال النافذة المفتوحة على الحديقة . . وظن في بادىء الامر ان سلوى تنتظره بالبيت لكنه ما لبث ان اسقط هذا الاحتمال . . فسلوى لا تملك مفتاحا للبيت من جهة ثم انها لا تأتي هكذا تحت جنح الظلام ولا تجلس فى انتظاره في مثل هذه الساعة وقد قرب الفجر . . وفكر عادل فى الخادمة . . لكنا تذكر انه سمح لها في اليوم السابق بأن تؤدى زيارتها الشهرية الى اهلها بزرمدين وكان يعلم ان تلك الزيارة ستستغرق اسبوعا كاملا . . فاستغرب الامر اولا ثم استحال استغرابة الى اضطراب شديد عندما تبين له من خلال النور شبح واقف يكاد يطل من النافذة . فايقن ان بالبيت سارقا وانه مفاجئة في تلك الساعة . وتلمس جيوبه بحركة لا شعورية كانما يفتش عن سلاح او عن اى شىء يمكن ان يقوم مقام السلاح عند الاقتضاء . كان الذعر يتملكة شيئا فشيئا ولكنه مع ذلك كان يشعر بقوة خارقة تدفعه الى باب الحديقة وتشغله عن التفكير فى كيفية الدفاع عن نفسه اذا كان السارق مسلحا . وانزلق في معبر الحديقة المؤدى الى باب البيت . لم يكن فى ذلك الحين ينتظر شيئا معينا وهو يحدق فى ذلك الظل المشرف من النافذة كالصنم الاسود ولكنه لاحظ بعد ان قطع بعض المسافة فى المعبر ان الظل كان يتحرك
من حين الى آخر كانما كان الريح يعبث بشعره او بربطة عنقه كان الموقف حرجا وكان عليه ان يبحث عن شرطى او عن مساعدة شخص ما او على الاقل ان يتمعن فى الامر وان يحلل الموقف قبل ان يزج بنفسه هكذا فى مأزق ولكنه لم يفكر فى كل هذا بل آثر ان يكون وحيدا امام هذه التجربة فاتجه صوب الباب والمفتاح بيده تعبث به اصابعه فى اضطراب . فتح الباب وقصد الغرفة ودفع بابها فى حذر والقى من الفج نظرة على الغرفة الساكنة . . ول يلبث ان وقف على جلية الامر . . لم يكن السارق الا معطفه يعبث به الريح من خلال النافذة المفتوحة على مصراعيها اما سر النور الذى كان يسود الغرفة فالخادمة ادرى به وقال عادل لنفسه : " ما اخالها الا تنام فى هذه الساعة بعد ان قضت سهرة ممتعة بين اهلها وذوبها . سامح الله الخادمة ورعا نومها ونزع عادل اثوابه والنوم يملأ اجفانه ولم يمض وقت طويل حتى انطفا النوه وساد السكون وغرق عادل فى نوم ثقيل
