الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

فصل من رواية " العار و الجراد و القردة "

Share

1

- لا بد ان تصلى يا ابنى .. فالصلاة واجب أمرنا به الله فى القرآن وأكد عليه الرسول وطبقه الصحابة بلا نقاش - لا بد أن تتعلم الطاعة وان نقر بضعفنا امام الله وان نشكره .

- ولكنى لا استطيع ذلك كل يوم خمس مرات ! - أعرف أن ذلك صعب ، ولكن يكفى ان تكون لك ارادة قوية فى الاول ثم تصير الامور بطبيعتها .. تصير عادة .. اتفهم ؟

واعرض عن أبيه .. أراد أن ينقل الحديث لموضوع آخر . ولكن أباه عاد يقول :

- أنا لا استطيع ان انام هادئا الا وقد قمت بهذا الواجب ان الصلاة طمأنينة ونظافة .

- الا ترى فيها رضوخا وسكينة ؟ ورضاء بالدون والفقر ؟؟ - أعوذ بالله . انت بدأت تهذى كالعادة .

- أنا لا أهذى . ولكن أرى صلاتك هذه تدفعك إلى الجمود . فانت قائم ، راكع ، ولكنك قابع فى مكانك . وفى حرمانك ، بائس ، انت وبائس ابوك وبائس جدك ..

- تلك ارادة الله .. اتكفر بمشيئة الله ؟

- أمشيئة الله ان تبقى أبله ويستغلك المستعمر اولا ثم يستغلك المستأثرون ثانيا .

واحمر وجه الاب ، واتسعت عيناه غضبا ونهض يرتعش صافقا باب المنزل وهو يردد :

- انا فضلنا بعضكم على بعض فى الرزق ... انا فضلنا بعضكم على بعض فى الرزق ... لا حول ولا قوة الا به .

وتسرع أمه تلومه وتهدئ من روعه :

- ما كان لك أن تحادثه فى هذا الموضوع المشؤوم ، دائما نفس البداية ، ودائما نفس النهاية ، انك لن تغير أفكاره . أما قلت لك هذا من قبل !..

- ولكنه يريد أن أكون مثله ، وانا لا ارضى لنفسى بذلك ولا ارضى له بالمسكنة ..

وتبدأ مناقشة جديدة ... وتنتهى أمه الى القول :

- انك على حق يا ابنى .. أبوك لا يتبع الا افكاره .. كم فى حياتى من مرة " اردت أن أحمله على اتباع بعض افكارى ولكنى لا اعرف نفسى نجحت مرة وحيدة .. انا افهم مشاكلك واعرف انك على حق ، وانى اشاطرك افكارك ..

وينتهى الى الصمت والاطراق ..

لا يعرف كيف يغير ما بأبيه ... ولا يعلم هل يصدق كلام أمه ، فهى مواضبة على الصلاة ، وهى من ناحية اخرى لا تتحدث مع جاراتها الا عن نعيم فلان وعن أبهة فلان ولا تمل من التفاخر على من كن أقل منها مكانة ومالا ..

فهى اذن ولا شك تجاريه لا أكثر ولا أقل وترق له وتعطف عليه ولا يتعدى كلامها ذلك ..

أما قالت له ذات يوم وقد رأت اطراقه وصمته رغم ملاطفاتها ومجاملاتها :

- اتريد ان تغير العالم ، لقد خلقه الله هكذا .. أأنت جننت ؟ !

وبكى جمال العزوزى يومها لانه اكتشف أن حاجزا كبيرا يفصله حتى عن أمه التى اظهرت له من التفهم حدا كبيرا .

لقد حمله كمال على ان يثق بالعمل الجماعى ثقة عمياء .. كان يعجب بصراحته وشجاعته ، فأحبه ولازمه ..

سأله يوما :

- ماذا تريد من الحياة ؟

وما وجد الجواب ... كان يظن يومها ان الحياة انس ولذة ... كان يحلم أنه يملك سيارة ويجلس فيها امرأة فاتنة تظهر أناقتها وجمالها ، تنشر طيبها فتجلب الانظار وتدير رؤوس المارة .. يراها القريب والبعيد ، ويحسده الناس عليها ، فيتعالى عن حسدهم وينظر اليهم من عليائه .. كانت أمه تردد فى أذنيه وهو لا يزال صبيا او كالصبى فى السنوات الاخيرة من مدرسته الابتدائية :

سيكبر ابنى ، سيملك البدلات الانيقة والسيارات الفخمة ، سيكون له أبناء وزوجة جميلة وفيلا قمقومة ، ستتهامس الجارات حسدا وهو يظهر فى آخر الزقاق : الاستاذ أتى .. أو المدير .. من يدرى .. أو .. الفسيان ؟!

نعم ، كان يجد لذة فى النظر الى نفسه فى المرآة ، يطيل النظر ، معجبا بنظرته القوية او تعابير وجهه البليغة يقضى الساعات يحلق ذقنه ، يتعطر .. ويمشط شعره . يظهر التفنن ويؤكد لمن يتساءل عن ابطائه في القيام بهذه الشؤون العادية ، انه يفعل ما يفعل حتى يحافظ على مظهره الانيق ، وذلك لئلا تضحك منه الناس ، وخوف ان ينقصوا من قيمته ، لان مفاهيم العباد تقام اغلب الاحيان على المظهر .. وهو يتأنق ما يتأنق حتى لا يجرح احاسيسهم وحتى لا يغيروا نظرتهم ويهدموا أحكامهم ...

ولكنه كان فى أعماقه يعجب ببراعته فى ايجاد البراهين والاجوبة السريعة و كان يجد لذة فى اخفاء سره " الكبير " وهو اعجابه بنفسه واللذة التى يشعر بها وهو يتخيل نفسه " شخصية " ممتازة ، يشار اليها بالاصابع .. نعم ذلك عالمه ومثاله .. ولم يكن يفكر ابدا فى محيطه وبؤسه ..

كان يرى ان كل ذلك طبيعي وكان يرى ان تعاليه أمر طبيعى كذلك وأن تقديره واجلاله واحترامه واجب على هؤلاء الناس . فهو المتعلم وهم

الجهلاء ! وهو الانيق اللطيف وهم الغلاظ الجفاة .. ولكنه مع هذا بدأ يفهم ان التواضع الحقيقى واجب ... وان للمتعلم واجبات كما أن حقوق ..

- شئ تافه والله !

ذلك ما قاله له كمال مقهقها .. فاحمر وجهه .. لقد فهم ان صديقه يسخر منه

- وانك تستطيع الحصول على ذلك بكل سهولة ؛ انظر حولك .. اين فلان واين فلان ؟ واين كان فلان وفلان .. لكننا نحن نريد أكثر من ذلك ، ومثالنا فى الدنيا ، حياة الزعماء وتضحيات الشهداء ...

وحضر جمال العزوزى الاجتماعات ، وانشد نشيد " حماة الحمى " والدماء نصرخ فى عروقه وتصادم مع اصدقاء له من معارضى أفكاره ..

لقد أحب العمل من أجل المجموعة ونادى من حوله الى النسج على منواله . ودافع عن أفكاره واستمات فى ذلك واتخذ عدة مواقف من الاحداث القومية والعالمية .. لقد ذاب فى كل هذا ذوبانا حتى اوشك ان يهمل شؤونه ودروسه ..

تصادم مع أبيه لان هذا الاخير لا يحب هذا النوع من التطوع ولا يحب التحرر والتمدن والتعصر ...

وحاول ان يفهم الجميع ويقنعهم ان الخير كل الخير والرصانة والحكمة السياسية تكمن فى مساندة كل عمل تقدمى وكل من يعمل لصالح الجميع وكل عمل اصلاحى حتى يعم الخير وحتى يزول البؤس وحتى يصير المواطن انسانا لا شبه انسان .

لقد عبد العمل الجماعي عبادة ... وتعلق به تعلقا متينا . وامتزج الفرد بالهيكل فتولد جيل يؤمن - بكل ما للشباب من طاقة - بعدالة الرسالة وقداستها . لقد تعلم ان يعيش لغيره !!

3

لقد أحبها حقا ، سنوات طويلة وهو يعيش للباسها الاصفر ، ويرى فى أحلامه عينيها .

لقد ضاع بعاطفته فى اتساع عينيها .

لم تكن ولا شك مثل زهرة !!

فهذه لا تعيش الا للبذخ والجنس .. لقد اخذت من وقته الكثير وملأت من زوايا رأسه باحاديثها جانبا غير صغير . لقد كانت تأخذ وتأخذ وتتحدث وتتحدث . وما كان ليجد فيها ما ينشد : انما هو التعود .. وشئ من الضرورة وقليل من الرأفة ..

كانت تريد الزواج .. وكان يماطلها ..

ومضى وقت طويل بين الاماني والمماطلة .. ثم تعودا ذلك النمط من الحياة ورضى كل بنصيبه من الآخر .. ولم يبق من ذلك فى رأسها الا خيال وذكرى تستعذب احيانا استعراضها بتأن ، فتناديه .. زوجى .. وتأخذ يده أحيانا فى الشارع وتلتصق به .. وتقدمه لبعض الاصدقاء المقربين على انه لها ... او على انها له ... وتؤنبه وتؤاخذه كما تفعل الزوجات ..

ويكتفى هو بإلابتسام لها ...

- سأحمل منك عدة مرات ، سيكون لنا عشرة أطفال .. أو أكثر ! نسميهم : أسماء ، هند ، زينب ، عماد ، صفا .. سأنام بجانبك كل مساء ، اداعب شعر رأسك قبل أن أنام .. وألاطف بظهرك وألاطف جسدك حتى تحبنى أكثر . قل ؟

- أتحبنى ، أجبنى ..

ويغمغم :

- انت تعرفين !

وتحاول أن تبتسم ، وتزهق بالبكاء .. وتلتصق به أكثر وتجتهد فى تقبيله ، وتفتح فاها كبيرا كبيرا وكأنها تريد أن تبتلعه مرة واحدة حتى يكون لها الى الابد ..

فيقول لها بكل برودة :

- انك لا تعرفين حتى كيف يكون التقبيل ...

ويدفعها عنه ، وتدفع نفسها عنه وتحمل حقيبتها ...

- سيحبنى آخر .. وعندها .. وعندها فقط .. ستفهم وستندم وتصفق الباب بقوة .. وتذهب .

فيراها من جديد .. وبقدها المتمايل وزينتها البارزة ، وتكلف غنجها وكثرة دلالها وكثرة طلباتها ...

فيتنفس مستريحا ...

ولكنه يراها تقبل شابا أنيقا وتضحك سعيدة ، وتسخر منه فيتذكر " أحلامها " وحديثها ومداعباتها .. فاذا هى الضرورة ، والعادة وقليل من الرأفة ... فيناديها من الغد بالهاتف ، ويطلب منها موعدا جديدا ..

وتأتيه وكلها أناقة وطيب ..

ولكنه يصرخ فى وجهها .. ويمزق ثوبها ...

- لا ، لا ! لا أريد أن أراك فى الاصفر ، بهذا الثوب الاصفر .. ويرمى به فى سلة المهملات ..

وتستلطفه وترتمى تقبله ،

واذا بها دائما لا تحسن التقبيل ..!

اشترك في نشرتنا البريدية