" إذا اشتبهت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى " . .
. . واذا كان بين يدى الحياة تتجاوز اللغة عالم المدلولات الى عالم الأحاسيس . ويتطور الكلام الذي هو - فى الأصل - تعبير عن أنانية الذات . . الى أن يصبح - كما سنبينه في هذه الرسالة - أدبا هو فى الواقع سجل الحياة . لاقترانه فى نفس صاحبه بالزمان والمكان . فذلك لأنا فى الأدب لا نسوق الكلام لتصوير العالم الخارجي الذي يكتنفنا فحسب . بل نصور هذا العالم - كما هو الشأن فى كل تصوير شمسى مثلا - من زاوية لنا خاصة وكما يعكسه إحساسنا ملونا .
ففي كل قطعة أدبية - اذن - صورة للعالم الخارجي . . مضافا إليها طابع نفس الأديب . ذلك الطابع لنفس حية تتقلب تقلبها بين الاحياء . هي التى تبث في القطعة الحياة . ولاغرو فهذه الصورة - اذا أردنا التعبير بمصطلحات فن التصوير - انما هى مختطفة من زاوية الناظر اليها . . أولا . ومبهورة بمنظاره . . أخيرا . مع هذا الفارق وهو أن زاوية النظر فى كل صورة شمسية يقابلها فى الأدب مقام الفرد بين بني جنسه . . وعدسة المصور يقابلها فى المجتمع
طبيعة الانسان بالذات التى تقدر له مجاله فيه .
وقد كان حديثنا حتى الآن عن مفردات الكلم . فاذا جاوزنا هذه المفردات - كمادة اللغة - الى الكلام نفسه وجدنا أن أصحاب المعانى يقسمون " الجملة " الى خبر وانشاء . نظرا إلى ما قد تحتمل - أولا تحتمل - من صدق أو كذب . ويأتى بعدهم البيانيون فيقيمون نظريتهم في البلاغة على أساسها الثابت من " التشبيه " . وما دمنا قد انتقلنا إلى تأليف
الكلام فقد آن أن ننظر كيف أن وجه الإسناد فى القول يتجاوز الموضوع الى ذات المتكلم نفسه - وذلك على أوضح صوره - من خلال التشبيه الذي - يعتبرونه - هو الأصل فى كل كلام " بليغ " . . أى الذى تبلغ به ذات أسمى مقاصدها من التعبير . وانه اذا اختفت معالم الذاتية في كلام انسان فذلك لأنه لا ذاتية للمتكلم نفسه هناك تستحق الظهور .
ولكن قبل الافاضة فى الموضوع لا بد لنا من معرفة الظاهرة نفسها فى الكلام . فلا بد أن يفهم الدارس ماهو التشبيه . . وكيف يتحول إلى الاستعارة . . قبل أن يعرف منى يصبح بهما الكلام بليغا ونعني به معبرا عن ذات صاحبه . فلنبدأ اذن فى شرح الظاهرة نفسها بالتعريف أولا . ثم نعقب بعد ذلك بدرس عملها فى كلام البلغاء . .
(١) التشبيه :
التشبيه هو من قولهم " أشبه الشئ يشبهه " أى ماثله . . أو قارب أن يكونه . فالأمر فى التشبيه بادىء الأمر يقوم على مشابهة ذاتين فى بعض الصفات . كالشجاعة مثلا بين الرجل والاسد . والضعف بين الوليد وأمه . فهذا هو المقصود من قولهم " زيد كالأسد " أى شجاع . و " أشبه فلان أمه " أى صار عاجزا ضعيفا كالمراة . .
ولكننا نعلم أن المشابهة بين شيئين لا تجعل الشئ أياه . لاختلاف الذاتين خلقة وتكوينا رغم اشتراكهما في خصائص . ومن هنا يقرب التشبيه أو يبعد حسب نوع الخصائص التي
نتلمسها عند اقامة التشبيه . كما فى قول المجنون :
كان القلب - ليلة قيل يغدي
بليلى العامرية . أو يراح -
قطاة . . غرها شرك . فباتت
تجاذبه . وقد علق الجناح
أو قول النابغة
فانك كالليل . . الذي هو مدركي
وإن خلت أن المنتأي عنك واسع
فالأول يرى فى قلبه الخافق - ليلة الوداع - صورة القطاة التى وقعت فى الشرك . والثاني يرى - خلفه - فى صولة المليك الذى يحاول هو الهرب منه معنى الليل الرهيب .
ومن هذين المثلين نرى أيضا أن التشبيه لا يقتصر على الذوات . بل يتجاوزها أحيانا إلى أحوالها . . التى لعامل الزمن دخل فيها . وانظر مثلا قول امرئ القيس :
سموت اليها بعد ما نام أهلها
سمو حباب الماء . حالا على حال
أو قول الشاعرة الغرناطية :
نزلنا دوحه فحنا علينا
حنو المرضعات على الفطيم
لتجتلى هذه الحقيقة بوضوح . . . كما أن التشبيه يتجاوز المحسوسات أحيانا إلى ما هو بطبيعته غير محسوس كقول ابن المعتز في الخمر :
وقد خفيت من لطفها . فكأنـها
بقايا يقين . . كاد يذهبه الشك
حيث توخى الشاعر تشبيه مادة ملموسة بمعنى عقلي بحت . وسواء شبهنا ذاتا بأختها . . أو فعلا بآخر . . . أو حالا بحال . فإنما نعتمد فى التشبيه على إحساسنا الذي يستحضر بين يدى المشبه - بالتداعي
الحر - صورة المشبه به . ومن هنا جاز أن نقول مشبهين هو . كالأسد . كالثور الهائج . . كالحمل الوديع . كالئعلب . . كالعقرب . . أو كما قال ابن الجهم عند أول قدومه على المتوكل من البادية :
أنت . كالكلب . في حفاظك لل
ــــــــــــــــود . وكالتيس في قراع الخطوب
إلى آخر ما يقال . فالمهم فى كل هذه الأحوال ليس هو التشبيه فى ذاته . وانما احساسنا الذى يدفعنا الى التشبيه . وهذا ما عنيناه بقولنا : " وجه الإسناد " . . . الذى يتجاوز الموضوع - فى الكلام - الى ذات المتكلم نفسه . . فالتشبيه من هذه الناحية يحدد الأفق النفسى الذى نعيش فيه . وتأمل كيف أنشد هذا الشاعر - ابن الجهم - فى الورد بعد أن تحضر :
عشية حيانى بورد . . كأنه
خدود أضيفت بعضهن الى بعض
بينما يصاب ابن الرومى الحضرى بالزكام من شم الورد فينشد :
كأنه . . سرم بغل . حين أخرجه
عند البراز . وباقي الروث في وسطه
والموصوف إنما هو الورد عند كلا الشاعرين .
فما هو وجه الإسناد في الأحوال التى يقع فيها التشبيه ؟ نحن عندما نشبه قد نرى وجه الشبه فى الصفات الحية بين المشبه والمشبه به . كقول ابن المعتز وهو يجتلى البدر :
انظر اليه كزورق من فضة
قد أثقلته حمولة من عنبر
فهنا التشبيه يقتصر على دقة الملاحظة . . ليس إلا . وماذا نستشف من صورة قائله - اذن - وراء هذا البيت ؟ كل ما نستشفه هو . . أمير في جلسة عابثة يسامر غلاما له . . فى ليلة صافية . . وقد غمر اريكتهما البدر بنوره . . وعيناه مفتوحتان للجمال حوله .
وما أشبه الأثر هنا بالصورة الشمسية التى تـختطفها لنا آلة التصوير بآية ما يعتلج حولنا من نور وظلام .
وأحيانا أخرى نرى وجه الشبه - بين المشبه والمشبه به - لا فى صفاتهما الحسية . بل فيما يتجاوز الحواس . فكأننا هنا نستلهم وجه الشبه بين ذاتين آية ما ينعكس فى أنفسنا من اثرهما عن طريق احساسنا خالصا . . لا حواسنا . أو بعبارة أدق نحن نقارن هنا بين احساسين لا محسوسين . كقول ايليا أبوماضى فى الكمنجة المحطمة :
مجهورة . . كسفينة منبوذة
فى الشط . غاب وراءه ماضيها
ثم قوله فى القصيدة نفسها :
كمدينة دك القضاء صروحها
دكا . وكفن بالسكوت ذويها
فالشاعر هنا يعول لا على الجمع بين شيئين بينهما تشابه مادى . وانما على الجمع بين شيئين يشتركان لديه فى التأثير النفسي . ومدار هذا النوع من التشبيه هو على دقة الاحساس . . لا دقة الملاحظة كما كان الحال مع الشاعر قبله . إذ نجده يشبه الكمنجة المحطمة بالسفينة مرة وبالمدينة أخرى . وهو فى الموقفين
لا ينظر الى الشكل الظاهرى بين المشبه والمشبه به . . فليس ثمة وجه شبه . وإنـما الى ما يثيره حالهما من احساس بين جوانحه . فان المدينة التى دك القضاء صروحها فأصبحت أطلالا . . كرومة مثلا . . تثير فى الشاعر احساسا واجما كـــئــيبا هو عين هذا الاحساس الذي يأنسه الآن بين يدى الكمنجة المحطمة . وهو ما آنسه قبل ذلك أمام سفينة مهجورة .
فماذا نستشف من صورة هذا الشاعر وراء بيتيه ؟ إذا أمكننا أن نتبين لهذا الشاعر صورة وراء بيتيه فهى صورة إنسان قد أذهله الماضى عن حاضره . . يحب فى الأشياء جمالها الباطن قبل الظاهر . . ويشعر فى عالمه بالوحدة . . لاعتقاده بأن الاشياء - كظلها - تزول . . فيتألم مغمورا بهذا الاحساس . .
وما أشبهه فى الأثر باللوحات الزيتية التى يوفق صاحبها في اختيار الأصباغ وتأليفها . رامزا بذلك الى روح الأشياء . .
هاتان حالتان أساسيتان في التشبيه .
على أن هناك حالة ثالثة يحسن بنا - في هذا البحث - ألا ننساها . هى تلك التى يقام الشبه فيها بين الأشياء أحيانا للمعادلة الجبرية فقط . كقول بعضهم فى زميلين :
كشقي مقص تجمعتما
على غير شئ سوى التفرقه
فهنا قوام التشبيه - بخلاف الحالين السابقين - هو في دقة التفكير . أليس هذا هو ما نستشف من صورة قائله وراء البيت . صورة إنسان يصف
رجلين اتفقا على الوشاية بين الناس . ولكنه لا يكاد يحس - فى حدود منطقه - أو يشعر أنه يتحدث عن بشر . إنه يتلمس وجه الشبه بين المشبه والمشبه به لا على أساس اشتراكهما في شكلهما الخارجي . ولا في احساسه الباطنى حيالهما . . وإنـما على ضوء الغرض الذي يهدف إليه عمل الاثنين . . وهو هنا التفرقة إنه ينظر الى الغاية والوسيلة نظر الرياضى الى معادلاته . فيكاد يتجرد كالرياضى من شعوره . . ليحكم حكمه القاطع . . ومن هنا هذا الجمود في الصورة . . والجفاف فى الاحساس .
إن مثل هذا الرجل - فى الواقع - يبعد كل البعد عن سير أعماق النفوس . لأنه لا يرى فى الحياة إلا آلة تتحرك بعد أن جردها من كل جمال أو احساس . وهذا هو التنطع بعينه .
وما أشبهه فى التصوير بفن المكعبات الذي يعدم الأشياء أرواحها .
فهذه - اذن - هي الوجوه التى نتلمس لها التشبيه . ولا تتجاوز دلالتها - كما رأينا - احدى ثلاث دقة الملاحظة . . أو دقة الاحساس أو دقة التفكير . ولا رابع لها فى كل ما يتصل بالحياة . . إلا أن يكون تقليدا بحتا . ولا شأن لنا هنا بالتقليد .
وأيضا فقد رأينا كيف أن وجه الإسناد في كل من هذه الاحوال الثلاثة لا يتعلق بالموضوع قدر علاقته بذات المتكلم نفسه .

