لقد مكن الفتح الاسلامى للاندلس من دخول المذاهب الفقهية لها ، فانجر عن ذلك ظهور حركات فكرية متنوعة المعالم ؛ ولعل أول هذه المذاهب في الانتشار والذيوع لدى الفقهاء وعامة الناس المذهب المالكي ، ويبدو أن بدايات رواجه كانت أيام خلافة الحكم المستنصر ( 149 هـ / 796 م - 205 هـ / 821 م ) عن طريق جمع من الفقهاء المالكيين منهم عبد الملك بن حبيب ويحيى بن يحيى الليثي وأبو عبد الرحمن زياد بن عبد الرحمان اللخمي الملقب بشبطون (1) . ويشير بعض المؤرخين الى أن أول من أدخل « الموطأ ، الى الاندلس هو الغازى بن قيس ، وقد تتلمذ على مالك بن أنس ، وذلك أيام عبد الرحمان الداخل ( 138 هـ / 755 م /171 هـ / 788 م).
ومنذ ذلك العهد تمكن المذهب المالكى من النفاذ الى الطبقات الشعبية وظهر فقهاء يدرسون قواعد المذهب وينافحون من أجله.
وبجانب المذهب المالكي دخل المذهب الشافعى الى الاندلس في حدود القرن الثالث للهجرة عن طريق قاسم بن محمد بن سيار ( ت 276 هـ / 891 م ) ، ولم يكن له رواج كرواج المالكية ؛ ثم برز » المذهب الظاهري ، عن طريق مالكيين في البدء أمثال عبد الله بن محمد بن قاسم بن هلال ( ت 272 هـ / 885-886 م) وثبت المذهب خاصة منذر بن سعيد بن عبد الله البلوطي ( م 886 / ت 272 هـ - 355 هـ / 966 م ) (2) ؛ و يذكر المؤرخون مكانة المذهب
آخر الا ما ندر وشذ ، فالمذهب المالكي ، على غرار غلبته على افريقية وكثير من جهات المغرب ، هو الغالب على بلاد الاندلس وعلى اجتهاد الفقهاء فيها ؛ وتسترعى انتباهنا اشارات عديدة وردت في كتب محققة أو دراسات موسعة عن الحضارة الاندلسية تؤكد عدم أخذ فقهاء الاندلس وبخاصة المالكين منهم بالجدل وعلم الكلام والاصول ، فقد أورد المستشرق الاسباني ( آنخل جنثالث بالننيا ( رأى أستاذه ( آسین بلاثيوس) الذى يقول فيه :((... درج أولئك الفقهاء من وقت مبكر على الاقتصار على عمل سهل : وهو البحث في هذه الكتب عن الاحكام المقررة ، بدلا من الرجوع الى الكتاب والسنة - وهما المنبع الرئيسي لأصول الفقه لاستخراج الاحكام فيما يعرض لهم من الأقضية
و (الاجتهاد) في ايجاد حاول جدلية بمجهودهم الشخصى ...))(3) ويضيف بمزيد التوضيح :((وانصرفوا كذلك عن النظر في ذلك العلم المنطقى الذى يسمى ( علم أصول الفقه) وهو الفن الجدلى العادى الذي يمكنهم من أن يستخرجوا من الاصول أحكاما مناسبة لما يعرض لهم من شتى المسائل والمنازل ...)) (4) ؛ ونجد كذلك بعض الدارسين العرب يعممون هذه الظاهرة على مالكية المغرب والاندلس (5) ؛ ولكن الرجوع الى بعض مصادر تراجم الفقهاء قد يكشف عن جوانب تخالف هذا الاعتقاد وتثبت كلف بعض فقهاء الاندلس وخاصة المالكية بعلم أصول الفقه والتناظر باعتماد علم الكلام والجدل وتبرزهم في ذلك.
ومن هؤلاء الفقهاء أحمد بن يحيى بن عيسى الالبيرى الاصولى [ ت 429 هـ ] روى عنه أبو المطرف الشعبى وذكر عنه :(( أنه كان متكلما ، دقيق النظر ، عارفا بالاعتقادات على مذاهب أهل السنة)) ، وكان أيضا أديبا شاعرا (6) ؛ ومن فقهاء قرطبة الحسين بن حي بن عبد الملك بن حي بن عبد الرحمان بن جي
التحيبي (( وكان حافظا للمسائل على مذهب مالك ، ذاكرا لأصولها )) (7) ؛ ومن الاصوليين أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري المقرىء الطلمنكي ( 350 هـ / 429 هـ ) وهو من أهل السنة وإمام فيها ، ملم بأصول الديانات (8)، ونجد كذلك عبد الرحمان بن مسلمة بن عبد الملك بن الوليد القرشي المالقى ( 369 هـ / 446 هـ ) وكان (( مقدما في الفهم ، بصيرا لعلوم كثيرة من علوم القرآن والأصول ، والحديث والفقه ...)) (9) ، وقد يضع بعض هؤلاء الفقهاء مصنفات فقهية في علم الاصول كعبد الملك بن أحمد بن محمد القرشي ( 358 هـ / 436 هـ ) الذى ((ذكره أبو عمر بن مهدى ... وذكر أنه قرأ عليه كتابا ألفه في مناسك الحج وكتابا في أصول العلم تسعة أجزاء........)) (10).
ومن الفقهاء الملمين بالادب أحمد بن عبد الله بن أحمد بن عيسى الكناني الببيرس (11) ؛ فبجانب تبرزه في النحو واللغة والآداب والاشعار ، قد كان له نفاذ في القراءات ومشاركة في الحديث والفقه والاصول ؛ ومنهم كذلك عبد الله بن أحمد بن عبيد الله القرشي التيمي ( 365 هـ / 444 هـ ) وقد اشتهر بدفاعه على المذهب المالكي بالحجج والبراهين (12) ، أما عبد الحق بن أحمد بن عبد الرحمان الخزرجي ، وهو من قرطبة ، فقد كان أيضا محبا للمناظرات ،(( ناظر عند الفقيهين أبي جعفر بن رزق ، وأبي الحسن بن حمدين....... وكان فقيها ، حافظا للمسائل ، عارفا بالشروط ...)) (13) . أما حسين بن عيسى بن حسين الكلبي ، قاضي مالقة ، فقد ( قال) [ عنه ] الشعبي :(( كان فقيها فى المسائل ، حافظا لها ، عالما بأصولها ونظائرها ، ما رأيت مثله في علمه بها)) (14) ؛ ومن هؤلاء الفقهاء عبد الوهاب بن عبد الله بن عبد العزيز الصدفي [ ت 521 هـ ] ، وقد لقى أبا بكر المرادي القيرواني وأخذ عنه ، وكان يحفظ الفقه والمسائل والفرائض والاصول (15) ، وعنى
أبو حفص عمر بن صالح القيرواني (( بالاصول والفروع ، وأخذ الناس عنه......)) (16) . أما أبو أحمد عبد الرحمان بن أحمد بن خلف [ ت 405 هـ / 448 هـ ؟ ] فقد(( ذكره الحميدي ، وقال : كان إماما مختارا يتكلم في الفقه والاعتقادات بالحجة القوية ...))(17) ، وكان أيضا بجانب ذلك قوي النظر ، ذكي الذهن ؛ ومن الغرباء الذين مروا بالاندلس أو استقروا بها ابراهيم بن جعفر بن أحمد اللواتي ، ابن العباسي ، [ ت 513 هـ ] ، وأصله من سبتة وكان (( مقدما في علم الشروط والاحكام ، مشاركا في علم الاصول)) بجانب تمكنه في الادب (18) ؛ وكذلك أبو طاهر اسماعيل بن حمزة بن زكريا الازدى
عرف به القاضي عياض ، صاحب ( ترتيب المدارك) لابن بشكوال فأكد على ميله لعلم أصول الديانات (وعنايته به) (19) ؛ وكان عبد الغالب بن يوسف السالمي المتوفى بمراكش سنة 516 هـ عارفا بالاصول والاعتقادات (20)؛ أما عبد الله بن اسماعيل الذي سكن بالمغرب مدة وولي قضاء أغمات ويسند له تصنيفان في شرح ( المدونة) ومختصر ابن أبي زيد فقد كان ملما بالحديث والفقه ويميل إلى ( النظر) فى المسائل (21) . ومن فقهاء الاندلس الاصوليين أبو الحسن علي الجذامي [ 441 هـ / 532 هـ ] وقد عنى بتفاسير القرآن فجمع كتبا في ذلك (22) ، وقد أدخل بعض الفقهاء مصنفات في ( أصول الفقه)
كعلي بن عثمان الربعي الصقلى الذى قدم قرطبة تاجرا وذكر له أبو علي الغساني كتاب (( اللمع في أصول الفقه)) وهو لأبي عبد الله الحسن ابن حاتم الازدى (23) . أما محمد بن موهب بن محمد التجيبى القبری [ ت 406 هـ ؟ ] ، وهو من قرطبة ، فقد (( قال عنه الحميدي : كان فقيها عالما ، وطالع علوما في المعاني والكلام ، ورجع الى الاندلس في أيام العامرية فأظهر شيئا من ذلك
ككلام في نبوة النساء ونحو هذه المسائل التى لا يعرفها العوام ، فشنع لذلك عليه ، فاتفق له بذلك أسباب اختلاف وفرقة ....))(24).
وقد رحل بعض الفقهاء الاندلسيين الى الشرق وأظهروا كلفهم بعلم الكلام والجدل كأبي القاسم عيسى بن ابراهيم بن عبد ربه بن جهور القيسي [ ت 527 هـ ] ، وهو من طلبيرة بالاندلس ، فقد حل ببغداد وناظر فيها فقهاء وأظهر مشاركة في الفقه والحديث وأصول الديانات (25) . أما محمد بن ابراهيم بن موسى الانصاری [ ت 455 هـ ] فقد كان (( فقيها عالما ، وإماما متكلما ، حافظا للحديث والفقه ، قائما بهما ، متقنا لهما ...))(( وكانت له عناية بأصول الديانات واظهار الكرامات)) (26) . وحذق القاسم بن الفتح بن محمد بن يوسف [ ت 451 هـ ] ، وهو من مدينة الفرج بالاندلس ،
الكلام في أنواع العلم وكان (( يتفقه الحديث ، ويتكلم على معانيه ...))(27). أما ابن السراج محمد بن أيان بن عثمان بن سعيد اللخمي [ ت 440 هـ ] فقد كان عارفا بالمقالات في الاعتقادات وغلب عليه علم الكلام والجدل (28) ؛ ومن أبرز المتكلمين يحيى بن عبد الله بن كيس 1 ت 436 هـ ] ، وهو من قرطبة ، اذ (( كان متكلما حاذقا مستبحرا في ذلك ، ما نعلم بالاندلس في وقته أبصر منه بالكلام والجدل ونحو ذلك ...)) (29) . ونجد كذلك أبا البسام موسى بن عبد الله بن الحسين [ ت 486 هـ ] الذي برز في الادب والعلم وكان عنده » معرفة بأصول الدين على مذاهب أهل السنة......))(30). وقد كان نافع بن العباس بن جبير الجوهرى التنيسي بارعا في علم الاعتقادات ، متكلما عليها ، وألف في ذلك كتابا عنوانه ( الاستبصار) في خمسة أجزاء (31) ؛ ومن فقهاء الاندلس الاصوليين محمد بن أحمد بن رشد المالكي الذي تقدم في الفقه ويعرف الفتوى على مذهب مالك وأصحابه زيادة
على نفاذه في علم الفرائض والاصول (32) . أما هشام بن أحمد بن هشام الهلالي [ 444 هـ / 530 ] فقد كان ( من حفاظ الحديث المعتنين ( بالتنقير عن معانيه واستنباط الفقه منه من( التقدم في معرفة أصول الدين) (33) وكان محمد بن عبد الرحمان ابن بن شبرين ، وهو من مرجيق من غرب الاندلس، عالما بالاصول والفروع (34) مثل محمد بن عبد العزيز بن أبي الخير الانصاري (35) ؛ وبرع هشام بن أحمد بن هشام الكناني في أصول الاعتقادات وأصول الفقه وألم بكثير من فتاوى فقهاء الامصار (36).
ومن المغاربة الذين مروا أو أقاموا بالاندلس مدة وكانوا من المتكلمين محمد بن سعدون بن علي بن بلال القروى المتوفى بأغمات سنة 485 هـ (37) اذ كان من أهل العلم بالاصول والفروع ، وكذلك أبو محمد عبد الله بن حمو ، وأصله من المسيلة [ ت 473 هـ ] فقد كانت له دراية أيضا بالاصول هذا المنحى ويثبت توفر الجدل وعلم الكلام لديهم وهو ما يخالف ما ذهب اليه
وقد تتعدد أسماء الفقهاء الاندلسيين المتكلمين والملمين بأصول الفقه ؛ ولا شك أن توسيع المسألة على مصادر ومراجع تراجم الفقهاء بالاندلس سيدعم هذا المنحى ويثبت توفر الجدل وعلم الكلام لديهم وهو ما يخالف ما ذهب اليه بعضهم من نفي تام للظاهرة ؛ وقد تكون من أسباب لجوء المالكية خاصة للجدل ونظرهم في أصول وفروع المسائل الدينية رغبتهم في الذود عن المالكية وتحصينها من الشبهات وافراز دعائم وجهتها ، لذلك فان هؤلاء الفقهاء لم يخرجوا عن دائرة مذاهبهم الفقهية وخاصة المالكية ، بل بقوا مخلصين لها ، مقترنين بذكرها.

