ترجع صلتى بفؤاد بك حمزة الى أول سنة أقيم فيها عيد للجلوس الملكى وكنت ايامها انظم الشعر ، وكان شعري صبيانيا ، فقد كان شعر النادى المبتدئ الذي لا يحسن ما يقول . فان احسنه بعض الشئ فقد لا يفهمه كل الفهم ؛ فان الاحسان اكتسابا أو فطرة غير الاحسان صناعة أو توخيا.
واقيم العيد بعد مقدماته فى (وادى فاطمة) ثم انتقل الى جدة ؛ وكان فى الصحفيين المصريين الاستاذ المازنى يرحمه الله آنذاك ، وكنت قد نشرت فى أم القرى مقطوعات خير ما يقال فيها انها تقرأ للتسلية فقط ولكن فؤاد حمزة كان يقرؤها ويعجب لصبى فى الخامسة عشرة أو نحوها ينحو هذا النحو فى النظم . فطفق يتحدث الى والدى ، ويثى على ذكائى ، ويتنبأ لى بمستقبل باهر فى الشعر ؛ ويظهر أن الايام خيبت ظنه يرحمه الله ..
أفيم عيد الجلوس الملكى بجدة ، والتقينا مصادفة فقد منى الى الاستاذ المازنى مرتبا على كتفى وهو يقول : انظر يا أستاذ هذا هو شاعرنا الصغير ..
أما انا فقد اعتبرت صفة (الصغير) هذه من كلمات الاضداد التى تساوى بين النقيض ونقيضه فى صفة واحدة. فهى اذا معناها الكبير ، ولتفعل اللغة العربية ما شاءت ، وتجسيم فى الغرور الصبياني ماشاء أن يملأه إهابي ، كما يفعل هذا الغرور اليوم فى كثير من الكتاب والشعراء الذين يلتمسون اسماءهم فى الصحف تحت ما يكتبون كما تلتمس النجمة البيضاء فى الليلة السوداء..
وجعل - يرحمه الله - يسأل عنى دائما حيثما قابل من يعرفني أو من له اتصال قرابة بى ، فهو يسأل الوالد ويسأل غيره ، وملخص اسئلته عن صحتى وعملى ولماذا لا أقابله أو أتصل به ، وهكذا .. وقبل أربع سنوات أو تزيد قليلا سأل الولد عني بجدة ، فوجدت من
ذلك سبيلا للكتابة اليه تجديدا للشوق والمحبة واعتذارا عن عدم المقابلة، فجاءنى منه خطاب بقلمه وتوقيعه ، وموجزه :
"انه ان لم يسأل عن وعن أمثالى من الادباء فعمن يسأل ؟ وانه ياسى للحالة العامة التى يعانيها الشباب من أمثالي ... وانه يود لو أمكنته الوسائل أن يعمل للأخذ بايدى الشباب ، وجعلهم يتسلمون المكان اللائق بهم وبثقافتهم.." يرحمه الله الف مرة لقد كان نجدا شهما .. وكان جم التواضع بالغ المروءة وكان مثقفا عالي الكعب فى ثقافته ، وكانت نفسه كالمرآة مصقولة مجلوة حلوة وللفقيد يد طولى فى الادب والتاليف . فعلاوة على مقالاته القيمة فى مجلة (المقتطف) وفي مجلة (المنهل) فان له ثلاثة كتب قيمة هي (قلب جزيرة العرب) و (البلاد السعودية) و (فى بلاد عسير).
ولقد كان يخدم الحكومة بصدق واخلاص .. ولكنه كان يخدم الحقيقة باصدق وأخلص ، وكان مرا فى الباطل ، حلوا فى الحق ، وكان رجلا حقا بكل ما يقال عن رجل حق .
ان فؤادالم يكن فقيد الحكومة ولا فقيد أهله ولا بلده فقط ، ولكنه كان فقيد الادب والعلم ، وكان فقيد الاخلاق المثلى والنفس العليا قبل كل شئ . أمطر الله على جدثه شآبيب الرحمة والرضوان وغفر الله له ما شاء أن يغفر بعباده المؤمنين .

