حينما أهدانى الأستاذ أحمد السباعي قصته (فكرة) قلت له : أتريدني أكتب عنها كتابة صحفية ، أو علمية أو أدبية؟ وقد جنحتُ أخيرًا إلى الكتابتين العلمية والأدبية دون الصحفية التى هى لمجرد سد الفراغ.
والذى يستعرض " فكرة " السباعي ، يبدو له أنها قبس من آرائه في الحياة والمجتمع وقطعة من نفسه كما يقول - وخير الآثار الأدبية ، ما عبر صاحبه أجمل تعبير . . وقد دارت " فكرة " في أفلاك من الآلام والزفرات ، وإن كان ختامها مسكًا فوّاحًا يدل على ذوق سليم .
وقد حاول الأستاذ بكل ما أوتي من جهد أن يطبع " فكرته " - شُخوصًا وأبطالاً وأسماء وأمكنة - بطابع بلاده في دورها الانتقالى الحاضر.
وإذا نظرنا إلى " فكرة السباعي " بمنظار المقارنة ، فإننا لنجدها - مع الفارق الجوي والفني أشبه " بزينب هيكل " كلتاهما قوية التعبير إقليمية السمات تُعالج قضايا الإصلاح . . وكلتاهما باكورة مؤلفها في عالم القصة . . هذا إلى أن حجمهما في الطبع متقارب أيضًا . . وما علينا إذا كنا أكثر تسامحًا مع الرواد والمغامرين - ومنهم الأستاذ السباعي - فى هفو اتهم ، تلقاء ما يقدمونه من عصير مجهودهم للفنّ والأدب والوطن بدون انتظار جزاء ...
وأسلوب " فكرة " جزل فخم يدل على نضج واستيعاب لحياة من تحدثت عنهم القصة وما تحدثت عنه.. ولكنه مع ذلك ليس بالمغْري جدًّا ... ولا يتسنى الإغراء الفني إلا بعد مرور تطورات وتطورات .
وفكرة " قصة أريد لها أن تجمع بين الفن والعلم والإصلاح وقد صنع هيكلها الفقري من مادة الحب شأن أغلب القصص ، وقد شحن هذا الهيكل بطاقة من الآراء والنظريات حول التقاليد والأمراض الاجتماعية ، وفلسفة العقائد ونظام الطبقات ، والتاريخ والتربية ، والسعادة . . وإذا أردنا أن نجرد هيكل " فكرة" في بضعة أسطر فمن الممكن أن نقول : (إنها قصة تدور حول بطلة وبطل عاشا تحت سماء الحجاز ، والبطلة بنت فقدت في المهد وشبت في قرية وتعلمت وارتحلت إلى الخارج وعادت بأفكار جديدة أرادت أن تنشرها في أقوامها ؛ وصادفت عقبات وقد انسجمت مع الشاب وظهر أخيرًا أنها من مكة وأن الشاب أخوها الأكبر)
لا نكران فى أن بـــ "فكرة " كقصة مواطن مُشرقة ، صوّرت فيها مناظر جميلة تصويرًا جميلاً وإن تكررت الصور و؟؟؟؟؟الضوى والمعالم وجليت فيها حياة المجتمع الذي تنفس فيه أبطالها بشكل متفرق . . فمن يطالع أوصاف المناظر الطبيعية في الصفحات ( ٢٥ و ٤٤ و ٤٧ و ٥٤ و ١١٤ ) يعجب ببعض هذه الألواح الفنية الخالدة التي رسمتها ريشة كاتبنا المجيد.
ولانكران أيضًا أن فيها مآخذ فنية نستطيع أن نجمل بعضها فيما يلى : فمنها هذه التوطئة التي قُدّمت بها القصة وإني لا أرى مناسبة واضحة إليها ، وتكرار وصف المناظر الطبيعية بكثرة واضحة :
ثم هذه " الصرة المملوءة باللحم المقدّد والشرائح والعيش وفناجين القهوة والبن المطحون " التي تحملها البطلة على رأسها في آخر الليل بين الكهوف والوديان فإذا أحست بقرب الشاب منها أرختها عن رأسها وجلست تقضمها على مشهد منه.. لا أرى في هذا فنًّا . . وقد تكرر الحديث عن هذه الصرة الهائلة في صفحات ( ١٣ و ٢٥ و ٢٧ و ٣٤ ) . . إن هذا المنظر إذا تمثله إنسان بكامل صورته يشعر بأن
هذه البطلة إنما هي سعلاة مخوفة ... كما شعر به صديقها البطل سالم نفسه ( ص ١٨ و ٢٦ ) . . وسالم هذا مثقف واسع الثقافة ... ولكن القصة لم ترو لنا منشأ ثقافته . . وهو أيضًا " شاعر ص ٩١ " . . فجاءة وأخيًرا وعلى غير سابق إخطار أحطنا علمًا بشاعريتك يا سالم!... وجو القصة كله جو خطابي حماسي ومدرسي تقريري ... البطلة من أعاظم محاضري العالم . والبطل كذلك ... ولكن ما بال هذه "البدوية العجوز التي تقطن كوخًا والمرزوءة بسالم ؟ إنها هي الأخرى بطلة من أبطال المحاضرات والعلم العميق بألوان التفكير ! ... " ص ٦٢ و ٦٣ "
وفيها كذلك مآخذ لُغوية ... منها مثلاً (لا تكفّ تُدِرّ ) ص ١٤ . . والصواب ( لا تكفّ عن الإدرار) . . والعبارة كما وردت بلدية كما هو واضح . (في نواديهم) ص ٢٣ الصواب : (أنديتهم) . . فالنوادي لغةً : شوارد الإبل : جمع نادية كالبادية والبوادي . (حتى فوق المتبدئين) . ص ١٩ . . الصواب ) حتى من فوق المبتدئين (بعضًا من كتب الأدب) ص ٢١ يكفي : (بعض كتب الأدب) (من ألف كتاب مستهتر ص ٢٢ . . لا أظن مستهترًا هنا صحيحة . (بوصفها الشريكة) ص ٣١ يجمل أن يُعبر :(بوصف كونها الشريكة) (فحشر نفسه بينها) أي بين الغنم . . ص ٥٨ .. حشر لغة (جمع) واستعمالها بهذا الشكل تسرّب من العامية البلدية . (انقضّ لها واقفًا) ص ٥٩ . . ليس هذا محل التعبير بالانقضاض (وقت أن يشاء) ص ٦٤ . . يكفى : (وقت يشاء) . . " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " (لقاء جعل) ص ٩١ . . الصواب (تلقاء) فلا معنى للقاء لغة إلا ) (الملاقاة) . (أناسعيد) ص(١٣٧) الصواب سعيدة لأن المتحدثة عن نفسها هي (فكرة نفسها) (في رأس منكسة) ص ١٥٠ صوابه : (منكّس) فالرأس مذكر . .
وفيها أيضًا تطبيعات لم أر من المهم التنويه بها ؛ وهي لا تخفى على فطنة القارئ اللبيب .
