- يا الله ! جل ما هنا من صنع غيرنا كثير من الطعام نجلبه من الخارج ولدينا اراض خصبة شاسعة . . كتير من الملابس التى نلبسها تأتينا من شتى اقطار العالم ، وفي الامكان بقليل من العناية بالزراعة والصناعة صنعها فى بلادنا كثير من الادوات الضرورية والكمالية انما هى بضائع مصدرة الينا كالسيل الجارف . . ماذا نعمل إذن ؟ بل لما ذا لا نعمل إذن ؟ ليس حسنا ان ترجح كفة استيرادنا " هكذا " على كفة " تصديرنا " . . ليت شعري متى تتعادل الكفتان أو تتقاربان من التعادل على الأقل ؟ ! ليس هذا بالعمل المتعذر على الهمم الطامحة . إن منطق الحياة السديد يقضي بهذا . . فى بلادنا ثروات مكدسة وثروات كامنة ، تلك تحتاج الى رؤية النور والى الحركة ، وهذه بحاجة الى المصانع والمزارع . فمتى تسير اقتصادياتنا على نهج جماعي حافل بمجموعات قوية نشطة من الشركات الوطنية ؟ متى يسود هذا اللون الزاهر جو اقتصادياتنا ليدفع عنا كابوس الحاجة الرتيبة الى مثل هذا التوريد ؟
ذلك ما فاه به " صادق " في ثورة عاصفة من الألم الممض ، واذا بسهيل يقول له محاولا تهدئة أعصابه :
- لك كثير من الحق فيما تدلى به.. إن ألمك هذا مصدر من مصادر الأمل فينا . . انه كالشرارة التى تنبعث من جوف ملتهب لتبعث الضياء والجمال والنماء في الآفاق إن الاحساس بالنقص أول درجات الكمال . إن وعيك لنقصنا لدليل على تفتح القلوب ووعي الأفكار للحياة الناهضة المرتقبة . لقد اقبل الناس إذن على البحث في حاضرهم لتوجيه مستقبلهم الى ما فيه صلاحهم
وذلك أولى طلائع الخير . إن الشركات الوطنية التى تهفو إلى تعميم تشييده قد بذرت بذور طيبة لتعميمها ، بهذه الشركات المحدودة الآن ، الممدودة الظلال والأعمال فى المستقبل القريب ان شاء الله . انها نواة نهضة اجتماعية واقتصادية وبرهان حيوية مستجدة واستجابة عقول . ومن رأيي أن السبيل الى السمو العالي بمستقبلنا الاقتصادي الذي تهفو اليه انما هو بالسمو العالي بالثقافة والتعليم ؛ وهذا لا يمنع قيام مبادئ نهضة اقتصادية من الآن على ضوء تحويل حركة المحور الاقتصادى لدينا من الفردية الى الجماعية فى نطاق الشركات فبالمعرفة يتسني لنهضتنا الاقتصادية أن تنظم وان تعمق وان تسمق . وقد فهم كثير من الناس مزية التعليم ، فهم مقبلون عليه اقبال الظمآن على الماء السلسبيل وأمة غفت زهاء ألف عام ليس ربع قرن فى مدى صحوتها بالأمد الطويل وكل من مشى على الطريق القويم بلغ أمله فى يوم من الأيام .
كانت نظريات" سهيل " التى القى بها فى الميدان بردا وسلاما على قلب " صادق " فانطفأت جذوة لوعته ، ولاحت ابتسامة عريضة على أفق جبينه أردفها بقوله :
- ليتراءى لى أن ما تقوله فيه شىء من الواقع ، وشكرالك فقد أزحت عنى كثيرا من الهم والغم ، غير أني أرى من الحسن أن اضيف إلى نظريانك المنسقة قطعة من حديث لتكون لها تكملة ومسك ختام ، فانه إذا كانت الأمة على ما تقول فعليها أن تستوعب بحق ان النهوض بمستقبلها فى شتى نواحي الحياة مشدود بعجلة نهوضها بإقتصادياتها ، فالعصر عصر المادة والاقتصاد فليكن إذن من اوائل اهدافنا محررنا من الغزو الاقتصادى الخارجي بضم الأموال إلى الأموال ، والافكار إلى الافكار ، والسواعد إلى السواعد ، ولنبن مقبل حياتنا على " نظام " موطد ، قاعدته الأولى الاتجاه الصادق إلى انشاء الشركات الوطنية فانها اضمن نجاحا ، وانضر عودا ، واعم نفعا ، واوفر ربحا وتأثيلا ، إننا ان رسمنا هذا السطر الوضاء في أول صفحة من كتاب حياتنا الاقتصادية فمعنى ذلك اننا صعدنا أول درجة من سلم النهوض ، وستكون الدرجة التالية من هذا السلم بعدئذ ان يصبح هؤلاء الموردون مصدرين وان يمسى اولئك المصدرون موردين

