ان فكرة الوحدة التى صدع بها فخامة الرئيس الجليل بالقيرواوان وحققها الرئيس فرحات عباس فى ندوته الصحفية بالقاهرة اخيرا لم تكن الا اقرار لحقيقة تاريخية ثابتة منذ ما يقرب من ثلاثمائة سنة قبل المسيح ، ففي عهد القرطاجنيين حاول ملوك نوميديا ان يجمعوا شمل كامل المغرب الكبير ، فيم بين دولة قرطاجنة ( مملكة تونس ) ودولة موريطانيا ( مملكة مراكش ) ونجحوا فى ذلك الى حد بعيد ، فتوحد المغرب الكبير تحت اشراف القرطاجنيين لاول مرة فى التاريخ حوالى سنة 300 ق . م . - ولقد اصطدم هذا المغرب الموحد لاول مرة فى التاريخ كذلك بالاستعمار اللاتينى ، وقاسى من ويلاته ما كان وما لا يزال يقاسى المغرب العربي من استعمار فرنسا اللاتينية ( بنت الكنيسة البكر) وحتى فى عهد هذا الاستعمار الرومانى البغيض كان المغرب الكبير موحدا في النكبة والبلوى ، وفي تدبير المقاومة ضد الغاصب المعتدى ، ما جعل ابناء هذه البلاد المتلاحمة يسترجعون نفوذهم شيئا فشيئا عندما هاجم الوندال هذه البلاد تحت امرة زعيمهم ( جون صاريق ) وطوقها من المغرب الى المشرق فالتفت حوله جموع البربر ( الامازيغ ) تعينه على تقويض النظام الرومانى ، فانهارت تلك النظم الرومانية الظالمة واستقر الونداليون بكامل المغرب الكبير وببلاد الاندلس التي سميت ( وندلوسيا ) نسبة لهذا الشعب الجرماني الذي هاجم بلاد اسبانيا واستقر بها . فنشأت الوحدة الوطنية من جديد وتجسمت شخصية هذا المغرب الكبير بعد سبعمائة عام من احتلال الصليب الحقود على يا روما الماكرة ، ما جعل ابناءه يصمدون في وجه بيزنطة ويحتفظون بنفوذهم الذاتى ووحدتهم المتماسكة مهما يكن للبزنطيين من حكم غير مباشر للبلاد . وقد جاء الانقاذ من الشرق على يد محمد ( صلعم ) واصحابه فكانت سنة 667 سنة انقلات لبلاد المغرب العربي ، حولت مجرى حياته الى الابد ورمت به فى اتجاه جديد فتوحد المغرب العربي عن طريق الفتح الاسلامي الثالث يوم ان انتهى المطاف بالامير عقبة بن نافع رضي الله عنه الى ان هجم على البحر بجواده ( يرجو فوق ذلك مظهرا ) وحتى اقنع القائد حسان بن النعمان الكاهنة الجبارة وافهم الامازيغ الاحرار ان رباط الوحدة المنشودة بين جميع المسلمين المتساكنين في هذه البلاد هو قوله تعالى - " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعضكم لعلكم تذكرون " - فكانت هذه الاية شعارا لهذه الوحدة التى ظلت تقوى وتضعف عبر التاريخ ولكنهاما انقطعت ابدا .
فبعد ان تصدعت هذه الوحدة نوعا ما فى أواخر ايام بني امية كان الرستميون يعملون على رتقها حتى كادوا ان يجمعوا بين طرفيها ، فهيؤوا للفاطميين فرصة النجاح لاعادة بنيان هذه الوحدة تحت ظل الدولة الفاطمية الشيعية التى ضربت عروقها بالمغرب الاقصى وتفرعت اغصانها بكامل اجزاء المغرب العربي وكانت ( المهدية ) على الساحل التونسى عاصمتها السياسة الكبرى .
ولما شاخت الدولة الفاطمية وتهدم كيانها تحت تأثيرات شتى اهمها نزوح الاعراب الهلاليين الذين نخروا عظامها بالفننة والفساد لم يكن يرمي عبد المؤمن بن على الندرومى - من جراء حملته لاكتساح الفاطميين ، غير تمتين هذه الوحدة وتطهير دواليبها من التعفن والفساد ، وتخليص الدين دين الحق , مما الصق به من خرافات واساطير ، وقد عمل التوحيد عمله واجبر الاعراب الهلاليين المتمردين على الامتثال لنظام الدولة القائمة فكانت الهجرة الاندلسية لبلاد المغرب العربى بحكم الطمأننية السائدة والامن المستتب عاملا لازدهار هذا العهد الموحدى الذى نراه أنصع وجه للوحدة المغربية المثالية . واذا كانت هذه الوحدة قد تضعضعت نوعا ما فى عهد بني زيان فان العلاقات الاخوية كانت مستمرة بين بنى حفص بتونس وبين بني مرين بمراكش وبني زيان بالجزائر رغم الحروب التى كانت تشب احيانا بين الممالك الثلاثة ابتغاء توحيد المغرب العربى تحت راية واحدة : ( راية الغالب ) وما كانت هذه الوحدة لتنقطع أيام الغزو العثمانى وقد عمل على تركيزها البطلان الخالدان ( بابا عروج التركى ، وشقيقه خير الدين )
ولما منيت الجزائر بالاحتلال الفرنسى القذر لم يشأ حتى هذا الاستعمار أن يترك بقية اجزاء المغرب العربى دون ان يوحدها في المصاب فكان احتلال تونس واحتلال مراكش وأصبحنا ( في الهوى سواء ) . وما انفك زعماء هذا المغرب العربى يفكرون ويعملون فى سبيل تكوين جبهة موحدة للدفاع عن كرامة هذه البلاد ، وأبرز ظاهرة لهذه الفكرة هو تأسيس حركة سياسية بفرنسا حوالى سنة 1926 تحت اسم ( نجمة افريقيا الشمالية ) فالى جانب من كان يديرها من الجزائريين كان جماعة من أحرار تونس وأحرار مراكش يعملون فى حقلها الى حد بعيد وفي طليعتهم فخامة الرئيس الذى كان اذ ذاك طالبا فى الحقوق والاستاذ ابو الحسن الوزانى الذى كان طالبا فى الحقوق السياسية .
وفي أواخر سنة 1936 انتد بنى هذا الحزب ( بصفتى أمينا عاما له بالجزائر) فنزلت تونس على رأس وقد يتركب من ستة مناضلين للبحث مع رجال الديوان السياسى للحزب الحر الدستورى التونسي عن الوسائل العملية لتحقيق وحدة المغرب العربي المنكوب بتوحيد الكفاح ، وقد تم الاتفاق على ذلك وأعلن عنه رسميا فى الخطاب الذى ألقاه فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة في
( منزل بوزلفة ) والكلمات التى القيتها فى ذلك الحفل باسم الجزائر ، وهذه وثيقة تاريخية قد يجهلها الكثير من الناس .
وكانت كل مؤتمرات طلبة شمال افريقيا المسلمين سواء المنعقدة بتونس أو بالجزائر أو بالمغرب تعمل فى سبيل تركيز هذه الفكرة بل لم تكن هذه المؤتمرات الطالبية الا عنوانا لتحقيق هذا الهدف السامى ، واعضاء هذه المؤتمرات هم الذين اصبحوا اليوم يتحكمون فى مصير المغرب العربي الكبير السادة : الباهى الادغم ، فرحات عباس ، المرحوم على البلهوان ، المنجى سليم ، الصادق المقدم ، احمد فرنسيس ، المرحوم الحبيب ثامر ، عبد الوهاب بكير ، الطيب سليم ، أحمد بن ميلاد ، سليمان بن سليمان ، المرحوم عبد الرحمان يس ، علال الفاسى ، عبد الخالق الطريس ، ابراهيم الكتانى ، وغير هؤلاء من رجال الفكر والسياسة وكان نشيدنا الرسمى ( حيوا افريقيا . . . . )
وقد آمنت بهذه الفكرة ايمانى بالله منذ أن أحببت وطنى وتغنيت بأمجاده ولا تكاد تخلو قصيدة من قصائدى الوطنية فى فترات كفاحى السياسى عن ابراز هذه الفكرة وتجسيمها . وللتاريخ استعرض امام قراء الفكر الكرام نماذج من ذلك :
سنة 1935 فى افتتاح المؤتمر الثالث لطلبة شمال افريقيا المسلمين بتلمسان :
ان الجزائر فى الشمال وتونسا والمغرب الاقصى خلقن سواء
تبت يد لم ترع حرمة عهدها فغدت تحاول بينها الاقصاء
سنة 1936 : من قصيدة نشرت بجريدة الشباب لمحمود بيرم تحت عنوان ( بردة الوطنية الجزائرية : )
تونس والجزائر اليوم والمغ رب شعب لن يستطيع انفصالا
وحدة أحكم الاله سداها من يرد قطعها أراد محالا
نبتت من أب كريم وأم وسمت فى الحياة عما وخالا
نصبوا بينها حدودا من الال واح جهلا وخدعة وضلالا
فاجعلوا ان أردتم الكون سدا وضعوا البحر بيننا والجبالا
نحن روح وشاجه الضاد والدي ن فلن يستطيع قط انحلالا
نحن شعب على الزمان عزيز عربي كالنيرات اشتعالا
كلما رمتم افتراقا قربنا وعقدنا محبة واتصالا
فى سنة 1937 من قصيدة نشرت بجريدة الشعب بالجزائر لسان حال حزب الشعب الجزائرى :
قسموها خديعة لثلاث كذبوا لن تزال شعبا وحيدا
وأقاموا على الهضاب عصيا لقبوها - ياللنفاق - حدودا
والجراحات بيننا والامانى والامات لا تزال شهودا
فى سنة 1955 : فى عيد استقلال المغرب الشقيق :
كفر الالي قالوا الشمال ثلاثة وسعوا الى اذلاله بالنار
نصبوا العصى على الحدود سفاهة ودعوا الى تقسيمه لضرار
والمغرب العربى شعب واحد ملء العروق دم العروبة جارى
ما بالهم يتصدقون كأننا نرضى من الاسلاب بالاشطار ؟
لا نقبل الصدقات ، كلا اننا طلاب حق لاسما سرعار
لاشئ الا وحدة عربية جبارة فى المغرب الجبار ! !
سنة 1954 : من اعماق بربروس : نشيد بربروس : المقطع الاخير :
يا جيش اضرها بنار الوغى على العدو الغاصب الاجنبى
وصبها نارا على من طغى تبعث بها مجد بنى يعرب
وان بلغت القصد والمبتغى فحقق الوحدة فى المغرب
بين تونس والجزائر . ومراكش لاحدود . . عشت عشت عشت يابربروس . . . سنة 1937 من قصيدة " الياذة الثورة الجزائرية "
فى المغرب العربى عرف نابض يذكيه فى حرب الخلاص ضرام
عز العروبة فى حمى استقلالنا أيطير مقصوص الجناح حمام ؟ !
سنة 1960 فى ذكرى 20 مارس عيد الاستقلال نشرت بمجلة الاذاعة
انما المغرب الكبير بلاد عربي لا يقبل الانقساما
نار يبنى استقلاله بالدم الغا لى وتأبى شعوبه ان تضاما
يوم هبت افريقيا تكبح الظل م وقامت تزيح عنها الظلاما
يوم اضحى استغلال شعب لشعب يا فرنسا . . . جريمة وحراما
سنة 1960 : ذكرى عيد الجمهورية الثالث 25 جوان نشرت بمجلة الاذاعة
وفى المغرب الجبار شعب مكافح تسانده الدنيا وتسمو به الحرب
على خافقيه تونس ومراكش تحاول تحليقا فيثقلها الخطب
جناحان فى صقر تصدع قلبه وكيف يطير الصقر ليس له قلب
وفي الاغاني الشعبية : سنة 1931 :
انت اشتهيت الفرقه تونس والمغرب والجزائر شقه
شمال افريقيا شجره وانا ورقه يعطيها قطعه اليد اللى نقطعنى
ومن اعماق بربروس سنة 1958 : الحان الرشاش :
تونس الخضراء أو مراكش انتما آلاثنين
والجزائر لما اتفرفر طائر بحناحين . . .
هكذا كنت اغنى ولازالت اغنى ولن ازال اغنى على وحدة مغربنا الكبير ، تلك الوحدة التى ركز قوائمها التاريخ ودعمتها روابط القلب والفكر واللسان وباركتها الدماء وستتحقق هذه الوحدة المباركة على يد الواعين من ابناء هذا المغرب والمخلصين من قادته الابرار ، تلك الوحدة التى لا استقرار بدونها ولا مناعة ولا اطئمنان .

