الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

فلسطين، - أو -، خبر الحية و الفيران

Share

نبت زاهد في منابت الشرق الادنى ، نبت فى رياضه الساحلية على البحر الابيض المتوسط ، استدار جذعه وعظم ، وتفرعت افنانه وازهرت ، وشدت عروقه وتمكنت من هذه التربة الزكية . . لقبته زوجته " زاهدا " لما رأت عليه من روحانية الانبياء وسكينة الاتقياء . .. كان زاهد يقيم فى البيت ، بيت الصوامع الذاهلة التى تمد اعناقها الشاحبة الى سماء شرقية صافية ، وكان ،فى ظل صمته الميت ، يفر من عجيج الحياة خارج البيت ومن عمق التفكير داخله او فى دخيلة نفسه ، ثاويا الى حياته الخاوية ، الفارغة ، مستسلما الى ما حسبه اطمئنا ودعة حتى ركب فيه هذا الطبع ركوب العادة . . . وكان ، من حين لآخر ، ينتابه شعور حاد يجعله يدرك انه صار مثابة للتعطل الشامل ، فيميل الى جسده يتحسه كالمريض الجرب يتلذذ بتلمس دمله المتقرح حزينا . . ويروعه منظر اصابعه النحيفة الشعراء ونتوء عروق جسمه فى زرقة بشعة فتأخذه سورة ارادة الحياة وينهض مناديا " منى " زوجته ، ولكن سرعان ما يخذله هزاله فينزل إلى قعوده ، معيدا النداء بصوت ابح ، متلجلج كفحيح اغبر . . . حتى إذا ما اقبلت عليه صاحبته تقف على رأسه فتجده يفغم و يسترق النفس والصوت فتملأ له كأس مائه وتمكث بجانبه زمنا تتترقب يقظته . . .

٠٠ اكتشف ، ذات يوم ، أن الركن الغربى من البيت قد عمرته الفيران بل انها كانت مختبيئة فيه منذ أمد طويل اذ ان جدران البيت انتفخت واخذت ننزف ترابا اسود رقيقا كما ان رائحة هذه الحيوانات القذرة ملأت البيت . . غير انه ارتاح قليلا لما رأى بيضة حية فى الركن الشرقى من البيت تبرز نقفا ، لقد اهتدى بتفكيره الضعيف الى ان الحية ستقطع مسالك الحياة عن الفيران حتى تبيدها جميعا .

. . عاد الى هجوعه . . وآمنت الحية الفيران ثم ناصرتها لما كانت تحمله اليها من لحم زاهد ، واشرعت نابها على جبينه لتغمد فيه صوته وحركته وتناسلت الفيران وتزايد عددها الى ان صار الببيت مثابة لها منعة . . . وتكاثف الغبار بالبيت وسدت شباك العنكبوت منافذ النور وساد الديجور ...

وكانت " منى " تأتى لتحتضن زوجها راجية ، حائرة من سباته العميق ، فتاخذه فى حديث ، وتطلبه لطعام او كلام او وصال فلا يهزه طلب ولا يستجيب لنداء ، فتجلس الى راسه مترقبة ، ساكنة ، حتى طال انتظارها واعتل عودها وسقط عليها الظل والصمت فانقضت عليها الحية وغرزت فيها نابها ، فركبتها الفيران . . تململ زاهد ، يوما ، من هزيم رعد قاصف ، فسمع الرياح تركض خارج البيت فى جلبة واصطخاب . . . واحس كالاختناق يأخذه فى عنف ويضغط على صدره ، فمد ما بين جفنيه يطلب وضوح الرؤيا فاذا هو ليل او كالليل يلفه لفا شديدا فحرك يديه ورجليه يتحسس كيانه ثم تأود بجسمه محاولا القعود ، وتتالت حركاته فى فوضى حتى لامس الباب ففتحه مقعيا، فاذا برد غليظ ينزل غزيرا ، يرجم ربوع حقوله فى لهب حارق فتتداعى المعالم وتغور التربة وتجرف السيول الهادرة كل شئ ، فصاح أو أراد الصياح : " اهو الزلزال يسود ام هى النقمة تعود ! منى منى ! اين انت ؟ لقد ذهب النبت وانمحى التراب واحرق الصخر وهدم البيت واصفرت السماء .." . ومد يده الى الماء فاذا هو محتقن أسود ، فادرك ان الارض ، ارضه ، قد صعقت وقامت البلية ، واحس كالاغماءة تنزل عليه فقاومها ، غير انه وقف فى حالة وجودية بين الغيبة واليقظة ، لا هو الى الفعل ولا هو الى الموت ولا هو قادر على اليقظة او على الموت ، عماء يظلم وجوده وهزال يعمد حركته وضباب يطمس فكره . . واخذته حيرة حرون تصعدت فيه تصعد نار الهشيم فلوى راسه الى داخل البيت فى فرار حس يطلب " منى " ٠٠ ان شعوره بها الى جانبه كان حادا ، وان صوتها يجوزه فى هذه اللحظة : " زاهد حبيبي ، ان نومك عميق عميق ، مديد مديد ، اننا فى بيتنا ، اننا فى الحياة ، فى الشمس الساطعة ، اطلب الحركة . سيولد وليدنا مشلولا ، عليلا . . . . القر الاعظم يركبني ، واصابع اكول احس بدبيبها يتلوى فى نفاذا ، ويتسرب الى جنينى ، خذنى الى الشمس ، الى نارنا . . " امسك زاهد بالباب وعالج الوقوف حتى استقام عوده ثم خطا الى داخل البيت فاذا الظلمة تحط فيه حطها العميق فاتجه نحو النافذة الشرقية ففتحها فاذا الاشياء امامه معالم هياكل فارغة ، لا يستوضح منها كيانا وانما هى صور ضبابية حائمة لا كنه لها ولا قرار فصاح : " يا لهول الثواء اثوائى " وفى فراغ حركاته رأى " منى "

مطروحة على ارض وآثار دك عنيف على جسدها . .. كانت فى ثوب عرسها الابيض ، الذى اصفر وتعفر ، تلفها نفايات عطنة ، وفضلات كريهة الرائحة .. استطال وجهها من جهد التحول واستدارت عيناها واتسعت حدقتاهما . .. اقترب منها زاهد وهوى عليها فاتجهت حدقتا المرأة نحوه ووقفتا عليه ، فاخذ يتحسسها فاذا يداه تغيضان فى اشلاء جسم منهوك ، مدعوك ، ممشوش ... لم يفكر في الياس او الامل ولم تاخذه هذه المرة اريحية بخور الشرق او روحانية قديسيه وصوفيته ، وانما عكف على اصلاح صاحبته ، فاخذ لها شعرها الطويل ينفض ما تراكم عليه من التراب فجاءه صوت عميق مجل صادر من غربى البيت ، " فليكن الدماغ اولا ، فالقلب ، فالجسد . ان الشعر لا يتعفن سريعا وهو يصبر على الجفاء والجفاف والترك ، وهو فى المرأة لكمال الزينة أولا و ٠٠ " فرفع راسه فى اتجاه الصوت يميز نبرته ويستقصى مصدره فاذا هو عربى اصيل ، بورقيبي حكيم ، فجذب صاحبته نحو الباب، يغادر البيت والارض والكيان ، فاذا هدير السيول يصخب امامه ، يسد عليه الافق والارجاء المحيطة به ، واذا المياه ترغو مزبدة ، فانحنى على السيل واخذ يغرف الماء بكفيه ويصبه على صاحبته ، يطهر جسدها ، غير ان عينا نارية الحدقة احرقت يده ، فوجه اليها عينه فاذا هي الحية الرقطاء متقبضة فى راس الينبوع تحرقه بنارها وتنفث فيه سمومها ، فانقض عليها يريدها فاذا ببطنها يتفجر عن حيات عديدات تتحدى الماء وتغزو الارض والفضاء . . .

وسمع صوت " منى " : " الى بحرنا ، الى بحرنا حبيبي . . " قال والحيات تطوقه ، واعينها عليه ترجمه : " اى " منى " الى بحرنا ، انه يصلب ثنايا الجراح ويبيد وخمها . . . "

٠٠ كان يجر صاحبته ، وكان دخان اسود كثيف ، يطارده و يقطع عليه التنفس ، ويسود البيت . . . ولما أخذته رمال اليباب حط حمله ، ثم جلس واخذ رأس " منى " واقعده وسوى الحلق ثم ادخل يديه فى صدرها فاذا هو عظام ناتئة عليها دماء متجمدة ، متفتتة من عمل النهش ، فالتاع . وفى سورة ربكة مجنونة شد الرأس يقلقل الجثة فتناهى اليه صوت صاحبته غائضا في اعماقها " أو استيقظت ! أو رايت ! " فرمي عينه الى بطنها فاذا هو قد انبت مخلوقا ذا تركيب عجيب ... واحس ان الوهج من حوله يعلو لهيبه ، وراى اكداس الحمم تترامى تلاحقه وترجم البناء والفضاء ففر وحيدا ، مكروبا، وتاهت به الطريق ، فاذا هو فى الشرق ، فى احضان الانحلال والهمود والقرار الميت .

اشترك في نشرتنا البريدية