أقبلت عام 1400 جحافل تيمورلنك وجيوشه وقبائله تحاصر مدينة دمشق بعد ان طوفت قبل وصولها على حلب وحمص وحماه وخلفت وراءها مواكب كئيبة من القتل والتدمير والنار وأقامت اهرامات من جماجم القتلى لتلقى الرعب في قلوب السكان . وكانت قبل ذلك ايضا قد عاثت خرابا ببغداد وأحرقت مكتبتها الكبرى تلك الخسارة التى عانى التراث العربى الاسلامى من اثرها جرحا بالغا عميقا . وعندما وصلت جيوش تيمورلنك لدمشق وحاصرتها كانت الشام حينذاك خاضعة لسلطان المماليك في مصر فأرسل هذا الاخير وفدا لمفاوضة تيمورلنك برئاسة كبير قضاته ابن خلدون . خرج ابن خلدون مرارا من اسوار دمشق المحاصرة واجتمع الى تيمورلنك محاولا اقناعه بفك الحصار عن دمشق وعدم تخريبها كما فعل بالمدن العربية والإسلامية الاخرى . وفشل ابن خلدون بمهمته ودخلت الجحافل المغولية هذه المدينة الخالدة فدمرتها وأحرقتها وقتلت الناس فيها وسبت علماءها وقادتها وكبار صناعييها . وكانت دمشق مزدهرة فى ذلك القرن . ولعل سبى العلماء من قبل الفاتحين ليس بالشئ الجديد فى تاريخ الانسانية بين الغالبين والمغلوبين.
وقد تبدو الصلة بعيدة بين ابن خلدون فى اواخر القرن الرابع عشر واقبال في اوائل القرن العشرين ولكنها اقرب وأوثق مما نظن بكثير حين نأخذ حياة الشعوب العربية والاسلامية كوحدة متلاحقة خلال التاريخ . فقد كان للمجابهة بين ابن خلدون وتيمورلنك معان عميقة ودلائل كثيرة اقتصر على اثنتين منها
اولا - جابه الفكر العربى لاول مرة فى تاريخه كارثة الاحتلال الاجنبى والتفسخ الداخلى . تلك المجابهة التى كانت أول شرارة فى اشعال الازمة التاريخية في روح العربية ومن الجدير بالذكر انه قد كتبت فى ذلك العصر مقدمة ابن خلدون التى هي أول فلسفة علمية فى التاريخ والاجتماع وفي تفسير نشوء الممالك وهبوطها وقيام الشعوب وانحلالها . وكانت الشعلة الوحيدة التى سطعت وسط بحور من الظلمات . والمهم فى الامر انها كانت مستلهمة من نكبة التفسح والانحلال التى المت بالشعوب العربية الاسلامية والتي عاشها ابن خلدون بفكره وحياته وبلغت النكبة نهايتها فى مجابهته لتيمورلنك . ولا نريد ان نتوقف طويلا هنا . بل ان النتيجة الاولى التى نسجلها هي ان النهضة العربية الحديثة بمعنى انكفاء الروح العربية على ذاتها بمرارة وحزن واخضاع الكيان العربى للنقد الذاتى من قبل مفكر عربي ابتدأت
فعلا بابن خلدون وبمقدمته ونتيجة للغزو المغولى لبلاد العرب والمسلمين . ولم تبتدئ كما اعتاد مؤرخو النهضة العربية الحديثة القول بغزو نابليون لمصر في اوائل القرن التاسع عشر وما تبع ذلك من احياء للتراث العربي ونشر للثقافة والتعليم . فواقع الامر ان ما نجده من تفكير تاريخي في ازمة الامة العربية لا يزال تعليقا على مقدمة ابن خلدون ومتابعة للمشكلة التى بدأ هو باثارتها .
ثانيا- خلافا لما يظن ايضا من ان الفكر العربي والروح الاسلامية هجعت طوال قرون الاحتلال العثمانى والاستعمار الاجنبي وقد كانت كلها دون ريب قرون سيطرة وظلام فقد ظلت هنالك جمرات لم تنطفئ جذوتها واندفاعات تظهر بين حين وحين لم يخف سناها بدليل ما تم من انتشار الاسلام فى غرب افريقيا وشرقها وفى اسيا الصغرى وما قام من حركات اصلاحية كثيرة داخل الاسلام وظهور مفكرين مصلحين قبل القرن التاسع عشر كالوهابية في الجزيرة والسنوسية والمهدية فى افريقيا وانتشار الحركات الصوفية . حتى إذا وصلنا إلى القرن التاسع عشر شهدنا طائفة من كبار المفكرين والمجددين في دنيا العروبة والاسلام كجمال الدين الافغانى ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبى وعبد الحميد الزهراوى
أما لماذا جرت العادة ان يتوقف المؤرخون على غزوة نابليون لمصر ويعتبرونها بدء النهضة الحديثة فمثل ذلك تم فى تاريخ النهضة الغربية فى اوروبا اذ اعتاد المؤرخون أن يأخذوا القرن الخامس عشر على انه القرن الذى بدأت فيه الثورات الكبرى من سياسية واقتصادية وعلمية وفنية ومن حركات الاصلاح الديني التى أدت بمجموعها وبتفاعلها بعضها مع بعض فى القرون اللاحقة الى قيام المجتمع الاوروبى الحديث
لكن حقيقة الامر وواقعه ان كل حركة من هذه الحركات سواء فى حقل الدين أو فى حقل المعرفة أو الاصلاح انما سبقتها كلها محاولات عديدة بين القرن الثاني عشر والخامس عشر لم تكن بذات القوة التى تبلورت فيها الحركات الاصلاحية الكبرى فى القرن الخامس عشر . ويشبه ذلك الطبقة من المفكرين والمجددين فى العالمين العربى والاسلامى فقد تبلورت فى نفوسهم جميع الحركات السابقة التى تخمرت فى روح العربية خلال ما نسميه اليوم بقرون الجهل والظلام . وكان القرن التاسع عشر هو القرن الذى اتيح فيه لهذه الروح المكبوتة السجينة أن تنطلق من عقالها كما ينطلق النهر المتجمد لتجابه الكون فى عفوية واصالة قويتين
الافكار الكبيرة تدخل العالم بلطف كما تدخل الفضاء اسراب الحمام ، ولعلنا حينئذ لو اصغينا بانتباه وحس مرهف لسمعنا وسط ضجيج الممالك وانهيارها وقيام الامبراطوريات وسقوطها ونشوء الدول وأفولها خفق الاجنحة الخافت وارتعاشات الامل والحياة وهى اعمق ما يبقى فى معركة الانسانية الكبرى
فلسفة اقبال:
لا يزال أفضل مصدر لفلسفة اقبال كتابه (اعادة بناء الفكر الدينى فى الاسلام RECONSTRUETION OF RELIGIOIES THOUGHTIN ISLAM وهو مجموعة محاضرات ألقاها فى انكلترا وان أول ما يذكرنا به عنوان هذا الكتاب الامام الغزالى ( احياء علوم الدين ) الذي كتبه فى ظروف مماثلة للظروف التى وضع بها اقبال كتابه. ولعل عرض موضوعات الكتاب يعطي فكرة عنه فهو يتضمن الفصول التالية :
1 ) المعرفة والاختبار الدينى . 2 ) الوحى الدينى والفكر الفلسفى 3 ) فكرة الله ومعنى الصلاة 4 ) النفس الانسانية حريتها وخلودها 5 ) روح الثقافة الاسلامية 6 ) مبادىء التجديد والتطور فى الاسلام 7 ) الدين حقيقته وضرورته
واهمية هذا الكتاب انه بين كتابات المحدثين والمجددين من الجيل الذى ذكرت يعتبر أهمها وادقها واكثرها معالجة علمية . وقد اعتبر بين عام 1903 و 1938 المرجع الاول الذى الفه مفكر مسلم لتفسير الثقافة والحضارة الاسلامية حتى ليقول المستشرق الكبير (جب) أن معظم المؤلفات العربية والاسلامية الحديثة التى عالجت المواضيع ذاتها تتصف بأنها أقرب الى ان تكون دفاعية أو سياسية أو الى ادب الدعاية . والاستثناء الوحيد عنها كلها هو كتاب اقبال الذى ذكرت . فبالاضافة الى معرفته الدقيقة بالثقافة العربية والتراث الاسلامي كانت له معرفة دقيقة بالفلسفة الغربية والعلم الغربي مما يظهر اثره واضحا في الكتاب . وقد عكس فى فصوله جميع التيارات التى كانت تجتاح ابناء جيله من التطلع العاطفى نحو الماضى الى محاربة الاستعمار الى الاتجاهات الاشتراكية الغامضة فى نفوس معاصريه
وقد يكون من المفيد قبل ان نعمد الى شرح فلسفة اقبال ان نحدد قدر المستطاع النقاط التى تعتبر انطلاق تفكيره واسس مذهبه :
1 - وضعت الازمة التاريخية ابن خلدون ومن تبعه من المفكرين العرب والمسلمين في قلب المعركة الحضارية وبعض اوجهها الاساسية كيف يجد العربي والمسلم الحديث نفسه ويحدد كيانه وسط حضارة غربية هى حضارة العالم الحديث الذى يعيش فيه بما في هذه الحضارة من تناقضات جارحة وهو فى الوقت ذاته وريث حضارة انسانية كبرى ، وثقافة انسانية ساهمت فى بناء هذه الحضارة الغربية بالذات
التى يجابهها اليوم ويتفاعل معها بعنف . ويستتبع ذلك مقارنة امجاد الماضى بمأسى الحاضر والتطلع الى المستقبل بقلق وأمل.
2- اعادة تفسير التراث الاسلامي والثقافة العربية لابنائها الذين يجهلونها وللغرب الذي يغمطها حقوقها على السواء.
3- تعميق تفكير المجددين والمصلحين وتحذيرهم بشدة من السطحية وامجاد الشخصية والتقليد الاعمى امام التيارات الغربية وخاصة من حيث المبادئ التى يجب أن يقوم عليها التجديد أو تحديد مركز الحضارة العربية وشرح رسالة الاسلام الانسانية
4 - الصلة القوية في كل ما تقدم بين حياة اقبال وفكره وفلسفته. فلقد ساهم اقبال فى مشاكل امته الكبرى من سياسية واجتماعية مساهمة فعالة اذ كان عضوا فى المجلس التشريعي في البنجاب لمدة ثلاث سنين واشترك في مؤتمر المائدة المستديرة في لندن وكان رئيسا لحزب العصبة الاسلامية لجميع الهند . ولعب دورا فعالا في مؤتمر الله آباد حيث دافع عن فكرة تأسيس دولة اسلامية في الباكستان . ثم انقطع الى الحياة التأهلية والفكرية . هكذا عاش اقبال حياة علمية يغذيها الفكر ويوجهها وعاش حياة فكرية ذات صلة وثيقة بالواقع ومشاكل العمل والحياة وكان بين لونى حياته تفاعل مستمر
مذهبه : الحقيقة والوجود والمعرفة :
اثار اقبال كمفكر جميع الاسئلة الاساسية الملحة التى اثارها الفكر الفلسفي خلال العصور والتى ما زال كثيرها وخاصة منها مشاكل ما بعد الطبيعة وعلاقتها بخلق الانسان وسيرته وسلوكه . وقبل التعرض لجوهر اجوبته وحلولة لا بد من القول ان المتتبع لفكره وفلسفته يجد أن اقبال تطور من الاخذ بالمثالية الافلاطونية الى التصوف العميق كما نحدها خاصة عند جلال الدين الرومى الى مذهب عقلي حسى كثير الشبه بمذهب برغسن . ان الرجوع الى تاريخ الفلسفة يظهر وجود قوانين ثابتة للفكر قد لا تقل فى ثباتها عن قوانين الطبيعة . وفى طليعة هذه القوانين ما نلاحظه من ان النفس البشرية فى مجابهتها لمشاكل الكون الاخيرة وفي افصاحها عن معالجتها لهذه المشاكل قد تأرجحت ابدا ودائما بين قطبين هما العقل من جهة والقلب من جهة اخره فكانها تشبه بذلك رقاص الساعة الذى يترأجح بانتظام بين نقطتين ثابت ولو نحن اخذنا دورا معينا من ادوار الفلسفة لوجدنا انه منشأ تيار يتطرف فى تشديده على العقل الا وعقبه تيار آخر يشدد على اهمية القلب والعكس بالعكس . هكذا مثلا يقابل النزعة العلمية عند ديمقريطس النزعة الصوفية عند فيثاغورس . وتعقب فلسفة ارسطو بما فيها من تشديد على العقل ونزعة علمية مادية فلسفة افلاطون بما فيها من تشديد على الروح ونزعة صوفية
روحية . والفكر المسيحى تتنازعه صوفية اوغسطين وفلسفة توما الاقويني العقلية . وأما الفكر الاسلامى فمدارس المعتزلة العقلية رافقها وقابلها نشوء الصوفية الاسلامية وحين بلغت المذاهب العقلية الاسلامية ذروتها فى الفارابي وابن سينا جاء الامام الغزالى يحرر النفس الاسلامية من التيار العقلي ويبعث الدين حيا من القلب . ثم جاء ابن رشد كرد فعل للغزالى يؤكد الثقة بالعقل من جديد واحترامه ومقدرته على التوصل الى الحقيقة
ويمكن القول ان فلسفة اقبال تقوم على الجمع والتأليف بين هذين التيارين العقلي والصوفى دون المبالغة فى ترجيح احدهما على الآخر ، مما جعله في " اعادة بناء للفكر الدينى فى الاسلام " يقدر تقديرا صادقا صواب وخطأ كل من التيارين العقلي والصوفى ومركزهما فى حياة الفرد
يسأل اقبال : ما هى صفة الكون الذى تعيش فيه وما هو بناؤه العام ؟ هل هنالك عنصر دائم فى تركيب هذا الكون ؟ ما هى علاقتنا به ؟ ما هو المركب الذى نشغله فيه وما هو نوع السلوك الذى يتناسب مع هذا المركز ؟ تلك هى بعض الاسئلة الاساسية المشتركة بين الفلسفة والدين والشعر فى اسمى مراتبه . لك نوع المعرفة التى تأتى عن طريق الوحى الشعرى انما هي شخصية في اساسها فردية فى تراكيبها . وهي رمزية مبهمة وغير محدودة . اما الدين في اشكاله الرفيعة فهو يسمو فوق الشعر . وهو يتنقل من الفرد الى المجتمع . والدين اذ يجابه الحقيقة المطلقة النهائية يتخطى حدود الفرد ويعده أقل ما يعده به برؤيا الحقيقة مباشرة . واذا كان الامر كذلك فهل من الممكن تطبيق الطريقة العقلية الفلسفية على الدين . ان روح الفلسفة هي روح البحث الحر . وهى تحيط كل سلطة ترتفع فوق العقل بالشكوك العقلية ووظيفتها ان تتناولها بالتأمل وان تصل الى جذورها ومخابئها . وهى فى سعيها هذا قد تصل الى الاعتراف الصريح بعجز " العقل الخالص " عن التوصل بذاته الى الحقيقة المطلقة وهذا قد وقع بالفعل مرارا فى تاريخ الفلسفة . اما جوهر الدين من جهة اخرى فهو الايمان . والايمان كالطائر الملحق الذى لا يعرف حدودا لآفاقه يغوص على اعماق القلب البشرى ، دون مساعدة العقل ، وينتزع منه ثروته الدفينة غير المرئية . ولكن مع ذلك لا يمكن ان ننكر أبدا ان الايمان هو شىء اكثر من مجرد الشعور ، اذ فيه مضمون فكرى . وان وجود الفئتين العقليين والصوفيين - المتعاديتين على ما يبدو ظاهريا فى تاريخ الدين يثبت أن الفكرة انما هي عنصر اساسي في الدين . وعلاوة على ذلك فألد من ناحيته العقائدية المذهبية كما حدده الاستاذ " هوايتهد " هو " نظام من الحقائق العامة تنتهى الى تحويل الخلق الانساني عندما يؤمن المرء بها مخلصا ويتفهمها بصورة حية " . ولما كان تغيير حياة المرء الداخلية والخارجية هو الهدف الاساسى للدين فمن البديهى اذن ان تلك الحقائق العامة التى يتضمنها لا يمكن ان تظل فى عالم الغموض . وانما يجب توضيح واقامة الدليل العقلي عليها . فالدين اذن بحكم مهمته يحتاج إلى اسس عقلية لمبادئه النهائية اكثر مما يحتاج اليها العلم . فالعلم اهمل حتى الآن ان يشيد
بناءه على اسس فلسفية " ميتافيزيكية " واكتفى باقامته على الاسس المادية الطبيعية . لذلك يلاحظ الاستاذ هوايتهد أن عصور التدين الكبرى في التاريخ كانت ايضا عصورا عقلية كبيرة . ولكن اقامة الايمان على اسس عقلية لا يعنى بأى شكل من الاشكال وضع الفلسفة على مرتبة أعلى من الدين . واذا وقفت الفلسفة الى جانب الدين متحررة مستقلة فهذا لا يعني ايضا ان الفلسفة تزعم لنفسها مكانة فوق الدين فالدين ليس تخصصا وليس مجرد فكر محض أو عمل محض ولكنه تعبير شامل عن الانسان بكليته . وهكذا ففي التقدير النهائى للدين فى الحياة الانسانية يجب على الفلسفة أن تقر له بموضع النقطة المركزية فى محيط الدائرة . وليس هنالك من سبب للافتراض أن الفكر والحدس ينقض احدهما الآخر . فهما ينبثقان من منبع واحد ويكملان الواحدة الاخرى . فالفكر يحيط بالحقيقة مجزأة . والحدس يحيط بها بوحدتها الكاملة والفكر مشخص صوب الظواهر الزمنية من الحقيقة . والحدس يتطلع الى شكلها الازلى الخالد وكلاهما يبحثان عن رؤيا الحقيقة الواحدة التى تنكشف لكل من الفكر والحدس تبعا لوظيفته فى الحياة . وواقع الامر ان الحدس كما يقول برغسون بحق انما هو شكل من اشكال الفكر . ويقول اقبال ان البحث عن الاسس العقلية للاسلام قد بدأه وشرعه النبى العربى الكريم حين تطلب المعرفة وطلب الى المؤمنين السعى وراء العلم في وحين يتساءل اقبال عن اسباب جمود الحياة الفكرية فى الاسلام بعد عصور ازدهارها يجد بينها الاسباب الرئيسية التالية
أولا - تطرف بعض العقليين المسلمين من اتباع المعتزلة بعد نشوئها . مما حدا بأهل السنة الى اساءة الظن بالحركة العقلية بكاملها ومحاربتها محاربة شديدة خشية على تصدع وحدة البيئة الاسلامية ومحافظة على تلك الوحدة مما ادى بالنتيجة الى التقيد الشديد بالتقليد
ثانيا نشوء الصوفية وتطورها الى حياة تأملية خالصة نرى المثل الاعلى فى التقشف والزهد والابتعاد عن واقع الحياة . فالصوفية باصرارها على التفريق بين الظاهر والباطن خلقت نوعا من الازدراء بكل ما هو ظاهر وتشبثت بالباطن فحسب .
ثالثا حرق مكتبة بغداد العظيمة فى القرن الرابع عشر وما سببه ذلك من خسارة جسيمة للتراث العربى
الحرية :
ذهب اقبال الى ان الانسانية تجابه اليوم حاجات اساسية ثلاث : تفسير روحى للكون ، تحرير روحى للفرد ، مبادىء اساسية ذات شمول كلى لتوجيه تطور المجتمع البشرى . ومن هنا الاهمية التى اعطاها اقبال للحرية الذاتية
وفعلها الخلاق فى الحياة الانسانية . فذهب الى ان سقوط آدم ووقوعه في الخطيئة يرمز الى ارتفاع الانسان من بدائية الشهوات والغرائز الى امتلاك الذات الحرة القابلة للشك والتمرد والوقوع في الخطأ وامكان الرجوع عنه على اساس من الفكر والعقل . وحرية الخيار هذه هي التى تجعل الانسان انسانا ومن هنا معنى الآية الكريمة (ان ليس للانسان الا ما سعى) ويظهر هذا التصور فى حياة الانسان ثقة الله بالانسان . فعلى الانسان ان يبرر بافعاله القائمة على ارادته واختياره الثقة الالهية العظيمة به . والنفس الانسانية ليست فكرة مجردة او شيئا او مفهوما ولكنها فعل حى يظهر اثرها فى توجيهها . وقوتها او ضعفها ينعكسان فى اثرها الموجه . اما الكون الذى نعيش فيه فهو ليس مجرد واقع اعطى لنا لنفهمه . ولكنه عالم خارجى جوبهنا به لنحوله ، وهذا الكون الذى نعيش فيه ليس تنفيذا زمنيا لخطة موجودة منذ الازل ولكنه خلق حر مستمر لا ينقطع وهو يتسع وينمو باطراد في مطلع كل شمس ومغربها . ومن هنا يذهب اقبال الى ان فكرة القدر التقليدية بعيدة عن روح الاسلام الصحيح . وفتوحات العرب وامجادهم ومآثرهم في العلم تعكس ارادتهم فى السيطرة على الطبيعة . ثم ان استسلام الفرد للقدر ادت الى خموله ولم تخدم سوى فئة معينة محدودة من الطبقة الحاكمة ارادت السيطرة على الجماهير واغفلت عن قصد وتعمد ما ينشأ في الكون والحياة من اهداف جديدة وقيم تدرجية وآفاق يكشف عنها الوجود كلما نمت عملية الحياة وتوسعت . ومن هنا ايضا التفسير الحى الديناميكى للكون الذى جاء به اقبال والتوفيق بين القدرة الالهية المطلقة والحكمة الالهية الابدية . فالذات الالهية أبدية الابداع والخلق والقدرة الكلية فى ذات الله مرتبطة بهذه الحكمة الابدية . قال اقبال : في الكون قطبان هما الله فى السماء والانسان على الارض وقدر الذات الانسانية هو ما تفصح عنه الطبيعة فى اصغر خلية من خلاياها . والنفس البشرية تبلغ اعلى حد من التطور بواسطة العقل ، وهذا ما يفسر سر سيطرة الانسان على الطبيعة الجامدة عندما يقاس بها . ان قيمة الحياة تتناسب مع قوة الذات . والدافع الملح من اجل المحافظة على البقاء والافصاح عنه بافضل شكل هو الذي يحول نقطة من الماء لا قيمة لها الى لؤلوة ثمينة . وهكذا فان المثل الديني والاخلاقى الاعلى انما هو فى تقوية الذات الانسانية وتمتين الفردية المبدعة الخلاقة فيها . فالانسان السائر على طريق الكمال هو الذى يسعى جهد المستطاع ان يتمثل فى ذاته الصفات الالهية لان ارادة الخلق والكمال هى الارادة الالهية . الانسان مركز قوة مولدة دفع به وسط كون مولد ، وهو واع لصغره وحدوده ونقصه ولكنه وهب شخصية جوهرها الحرية التى تدفع الى المبادهة في مغالبة الطبيعة لكى يستفيد منها ويفيد ، ولكى يهدم جميع العراقيل التى تحد من افصاح حريته عن جوهرها . وهو بذلك فقط يحقق الغاية التى من اجلها جعله الله قطبا فى الكون . فالله خلق الليل والانسان اخترع المصباح ، والله خلق التربة وهو صنع منها الكاس . والله خلق الصحارى والغابات والانسان شق فيها
الطرق وخلق الفيحاء والحدائق الغناء . والله خلق الرمل والصغور والانسان حولها الى زجاج واوان جميلة ، والله خلق الطبيعة والانسان جعلها اكثر جمالا وهو بذلك فقط يستطيع ان يبرر وجوده امام خالقه . واستنادا الى نظريته هذه فى الحرية ايد اقبال الاجتهاد او ذهب الى القول ان باب الاجتهاد لم يقفل فى الاسلام ودعاه (مبدأ الحركة فى الاسلام) كما دعا من الناحيه السياسية الى اقامة جمهوريات اسلامية مستقلة ذاتيا وانما يتحد بعضها مع بعض فى ما يشبه برلمانا يضم ممثلين عن هذه الجمهوريات لتبادل الرأى والشورى بينهم على اساس من الاجتهاد الفكرى العقلاني
الثقافة الاسلامية والثقافة الغربية :
العرب والشرق وثقافة الغرب وثقافة الشرق مشكلة اساسية واحدة جابهها اقبال كما جابهها قادة جيله من المفكرين والمجددين ممن ذكرت رغم اختلاف اقوالهم وتشعب ارائهم فيها . وليس أضر من أن يقال عن اقبال أو غيره من امثاله أنه هاجم الحضارة الغربية مثلا دون دراسة أو تمحيص لانه في الواقع لم يفعل ذلك . ويمكن تلخيص موقفه من هذه المشكلة كما يلى : عاد اقبال الى أسس الثقافة الاسلامية وجذورها فقال من الخطا الظن أن الثقافة الاسلامية ولدت تحت تأثير الحضارة الهيلينية . فالفلسفة اليونانية وهي أول ما أخذه المسلمون والعرب كانت مجردة لا تمت الى الواقع بصلة واعاقت نمو العلم العربى طليلة قرنين كاملين . فلقد كانت ولادة الثقافة الاسلامية هى ولادة الروح الاستقرائية العلمية القائمة على دراسة الحوادث وتتبعها واحدة واحدة واستنتاج القوانين من دراسة الحوادث والظواهر . فروح الاسلام الصحيحة كما يوضحها اقبال تقوم على الاعتراف بالواقع الطبيعى وعدم الابتعاد عنه ومجابهته مجابهة جريئة من أجل التغلب عليه واكتشاف قوانينه . والثقافة الاسلامية عكس الثقافة اليونانية استطاعت أن تذهب من عالم الطبيعة المتناهى الى عالك ما بعد الطبيعة اللامتناهى ، ومن المحسوس الى غير المحسوس فقط بعد ان سيطرت عمليا وفكريا على المتناهى المحسوس . لذلك نشأت الطريقة العلمية التجريبية بين علماء العرب والمسلمين ، وانتقلت منهم الى الغرب وكانت اساسا فى نهضة الغرب العلمية وليس الامر بالعكس ، وهنا يقارن اقبال مقارنات فى غاية الدقة بين علم الحساب والجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء والفلك وفكرتي الزمان والمكان عند علماء العرب وعند علماء اليونان ويظهر الفوارق البعيدة بينهم وقرب الاولى من علوم الغرب اليوم وبعد اليونان عنها . ويرد ذلك فى الفصل الخامس من كتابه وعنوانه (روح الثقافة الاسلامية) اما ان يكون العلم العربي قد اصبح حجر الزاوية فى العلم الغربى الحديث فأمر أصبح ثابتا اليوم وأن يكن علماء الغرب ومؤرخو حضارته منهم قد انكروا ذلك زمنا طويلا . وهنا يستشهد اقبال بمقطع لعالم انكليزى بريفولت BRIFFAULT فى كتابه " تكوين الانسانية كان MAKING OF HUMANITY يقول فيه : " من الخطأ الظن ان روجر بيكون كان مؤسس الطريقة العلمية فى الغرب . فالواقع التاريخي يثبت بما لا يدع مجالا
للشك ان روجر بيكون درس العلوم العربية التى كانت معروفة في اكسفورد في زمانه ولم يكن أكثر من رسول الطريقة العلمية العربية الى الغرب المسيحي . ومع أنه لا يوجد مظهر واحد من مظاهر النمو الغربى لم يكن للثقافة العربية اثرها فيه ولكن ابلغ اثر كان فى القوة المميزة للعالم الحديث الذى نعيش فيه ومصدر ظفره الاول وهو العلم الطبيعى والروح العلمية . وليس ما ندين فى علومنا للعرب انه يرجع لاكتشافات خارقة أو نظريات علمية ثورية ولكن العلم الحديث يدين للعرب بأكثر من ذلك : انه مدين له بوجوده . فالرياضيات وعلم الفلك اليونانى كانت مستوردة وظلت نظرية . أما البحث الدقيق المستند الى المشاهدة والتجربة فقد كان غريبا عن اليونان ولم ينشأ فى حدود ضيقة الا في الاسكندرية فى العصر الهلينستيكى وما نسميه بالعلم SCIENCE نشأ في الغرب نتيجة لروح البحث الحر وطرق البحث الجديدة والاختبار والملاحظة والقياس وتطوير الحساب والجبر والهندسة بشكل لم يعرفه اليونان . تلك الروح وتلك الطرق أدخلها العرب الى الغرب " ، ومثل هذه التأكيدات نجدها ايضا عند كبير مؤرخى العلم الحديث جورج سارتون من جامعة جارفرد وهومن زندل من جامعة كولومبيا فى كتابه " تكوين العقل الحديث " . والواقع أن من يراجع مثلا الفصل الذى كتبه بيكون فى كتابة " الشفر الكبير " (OPUS MAJUS) عن علم الرؤيا كان ترجمة تكاد تكون حرفية لكتاب ابن الهيثم عن البصريات . ولذلك دعا اقبال الى الاخذ بالعلم الحديث لاننا فى هذه الحالة لا نأخذ من الغرب اليوم الا ما اعطيناه اياه فى الماضى . يقول " من الامور البالغة الاهمية فى تاريخنا الحديث ما نشاهده من تقدم العلم الاسلامى تقدما روحينا سريعا نحو الغرب وليس فى هذه الحركة خطأ ما لان الثقافة الغربية في ناحيتها الفكرية ان هى الا مرحلة من مراحل تطور الحضارة العربية في وجهة من اوجهها الهامة . وهدفنا الوحيد هو أن يحول لمعان الحضارة الغربية البارز دون النفاذ إلى جوهرها واعماقها . وعلى هذا الاساس حذر اقبال الجيل المعاصر له من المجددين من الاندفاع فى اعتناق جميع مظاهر الحياة الغربية وانكار الماضي واجترار الافكار والنظريات والمذاهب اجترار غير قائم على الفهم العميق والتفكير العلمى الرصين وفرض الافكار السابقة المكونة دون جهد على مشاكل الواقع سواء أكانت هذه المذاهب تصلح للواقع الذى نعيش فيه أم لا تصلح . ذلك ان حلول مشاكل اية بيئة يجب أن تستمد من العناصر المقومة لهذه البيئة والا وقع الفكر فى أخطاء يصبح اصلاحها والرجوع عنها اصعب بكثير من الوقوع السهل فيها . ولهذا ترى اقبال يعطى القديم حقه فيقول " ليس بوسع الانسان الا ان يتطلع الى الوراء " ويحذر المصلح العقلى والمجدد بقوله : " لا تستطيع اية امة ان تنكر ماضيها لان الماضى شئنا ان أبينا هو الذى يكون العناصر الفردية المميزة لكل امة . والاتجاه الوحيد الذى نستطيع ان نسير فيه هو ان نحترم المعرفة الحديثة ولكن مع الاحتفاظ باستقلالنا الفكرى وشخصيتنا " .
وحدة الانسانية :
بعد الثورات العلمية الجارفة التى عشناها ونعيشها اليوم اخذنا نتيقن اكثر فاكثر كيف ان انتصارات العلم الحديث اخذت تهدم الحدود الضيقة التي تفصل الانسان عن الانسان ولا يظهر ايضا فى سعى الانسان لغزو والفضاء ، ووصوله للكواكب الاخرى مما صغر رقعة الكون وعفى على الفكرة القائلة ان الارضي هى مركز العالم . وبصورة عامة جعل الانسان اقرب للانسان . ولكن لئن حقق العلم هذا او هو فى طريق تحقيقه فان الكثيرين من المفكرين استطاعو ان يلمسوا قبسا من هذه الحقيقة بفكرهم وحدسهم . وقد كان اقبال بين هؤلاء . في تحليلة للحضارة الاسلامية وثقافتها توصل الى تفسير ابداعى للاسلام قائم على الإيمان بوحدة الجنس البشرى . وادراك هذه الحقيقة العالمية الكبرى . ولقد اتيحت هذه السانحة للاسلام بتأسيس الامبراطورية الواسعة التى فتحها على ادى العرب ، يقول اقبال : مما لا ريب فيه ان المسيحية قبل الاسلام دعت ايضا إلى المساواة بين ابناء العائلة البشرية الكبرى ولكن روما المسحية لم تكن لها رؤيا فكرة الوحدة الانسائية كعضوية واحدة ولم تكن هذه الفكرية بالنسبة للغرب المسيحى اكثر من فكرة مجردة ، ثم ان نشوء القوميات في الغرب خلق الحواجز والفواصل بين اممه وشعوبه بتشديده على القومية في حدود امكانية معينة ذلك التشديد الذى انعكس حتى اليوم في تفكير الغرب السياسى ويقول اقبال ان الامر يختلف كل الاختلاف فى الاسلام ففكرة وحدة الانسانية لم تكن فيه مفهوما فلسفيا مجردا او حلما من احلام الشعراء بل كان هدف الاسلام كحركة اجتماعية ان يجعل هذه الفكرة عاملا فعالا فى حياة المسلم اليومية وان يذهب بها بالتالي الى ثمارها اليافعة ونتائجها المحسوسة ، ومع نمو هذه الروح نما الحس التاريخي بين العرب والمسلمين وخاصة كما عبر عنه ابن خلدون فى مقدمته .
اقام اقبال البرهان على وحدة الانسانية هذه بدليلين ، دليل عقلي ودليل منطقي يمكن ايجازهما معا كما يلى:
ان علم النفس المعاصر قد اخذ يشعر منذ مدة قريبة فقط بأهمية القيام بدراسة دقيقة لمضمون الشعور الدينى . ونحن لا نمتلك حتى الآن طريقة علمية فعالة تساعدنا على تحليل محتوياته غير انه يمكن القول ان الاختبار الصوفى يتميز بالامور الاربعة التالية:
اولا - الصفة المباشرة له وهذا يعنى ان معرفة المتصوف لله هى معرفة مباشرة كمعرفته لجميع الاشياء التي تحيط به .
ثانيا عدم امكان تحليل واضح لكلية الاختبار الصوفى
ثالثا ان الحالة الصوفية وهى فترة من الاتحاد المباشر مع ذات فريدة
اخرى تتعالى وتشمل وتعفى آنيا على الذات التى تمر بهذا الاختبار . وهي بالنسبة للصوفى حالة واقعية حقيقية لا مجرد انسحاب فى ضباب الذات او انزواء فى ظلمة غيومها .
رابعا - استحالة نقل الاختبار الصوفى للآخرين وجل ما يمكن القيام به هو اعطاء حكم عنه .
ولكن عندما اجد ذاتى امام حكم من الاحكام يزعم تفسير تجربة لا استطيع انا اختبارها ، ويطلب الى قبوله فمن حقى اتساءل ما هى الضمانة الحقيقية لهذا الحكم ؟ وهل لدينا اقيسة تثبت صحته ؟ واذا كانت التجربة الشخصية هى الاساس الوحيد لقبول حكم من هذا النوع لكان الدين ملك اشخاص معدودين فحسب . غير اننا نمتلك لحسن الحظ مقاييس لا تختلف عن تلك التى نطبقها على اشكال المعرفة الاخرى وهى عبارة عن مقياسى : الفكرى والعملى . ويعني بالمقياس الفكرى ، التفسير النقدى الذى لا يستند الى تجربة او اختبار والذى غايته ان يتوصل نهائيا الى حقيقة مماثلة لتلك التى يفصح عنها الاختبار الديني . ولها المقياس العملي فهو يحكم على ذلك الاختبار بثماره ونتائجه . والطريقة الاولى هى طريقة الفيلسوف . والثانية هي طريقة النبي والطريقتان معا توصلان الى معرفة ذات ازلية اولى وارادة موحية يستند اليها كل اختبار وهى الذات الالهية الواحدة
وينشأ عن وحدة الذات الالهية الشاملة التى تخلق كل ذات انسانية واسباب بقائها فى الوجود وحدة الجنس البشرى بكامله . وليس انقسام البشرية الى اجناس وامم وقبائل الا للتعارف . والاشتراك فى الصلاة الواحدة هو رمز من اجل تحقيق هذه الوحدة الانسانية الاصيلة . ذلك ان الصلاة تزيل جميع الحواجز التى تقف بين الانسان والانسان . وهنالك بالاضافة الى الايمان الديني دليل عقلي يوصلنا الى نفس النتيجة ذاتها ، فالذات الانسانية رغم توحدها وانفراد الاصيلين انما تفصح عن وحدة الانسانية في اسسها مع اختلاف المظاهر . ذلك اننا لا نستطيع ان نتوصل الى اية نتائج منطقية الا اعتقد العقل الانساني الواحد بنفس المقدمات والقضايا للقياس المنطقى الواحد . فلو اعتقدت انا فقط بالقضية القائلة (كل انسان فان) واعتقد رجل آخر بالقضية (سقراط هو انسان) لما امكن التوصل الى اية نتيجة منطقية على الاطلاق . والتفاهم ممكن فقط اذا آمن كل عقل بالمقدمتين معا . ومن هنا ينشأ التجانس بين الثقافات والحضارات . ومن خلال هذا التفكير المنسجم يتضح تفتح اقبال وتسامحه الفكرى وثقته بذاته هذه المميزات كلها التى يفصح عنها موقف عقلي متزن يعرف ما يريد ويعين اتجاهه بجرأة وقوة
ومن هنا الفارق الاساسى الذى يقيمه اقبال بين التعصب والتدين فالتعصب يقف حائلا بين المرء وبين الآخرين . والتدين الواعي المسؤول القائم على ايمان واثق مطمئن واسس عقلية واضحة انما يقرب بالفرد من الانسانية
بكاملها . التعصب جدار يضعه المرء بينه وبين الآخرين فيحجز ذاته عن العالم . والتدين الصحيح نافذة عالية مشعة بالنور يقف المرء عليها ليطل على العالم الواسع الفسيح ويشارك الانسانية جمعاء بخيراتها وكنوزها . على هذا الاساس وحده استطاع اقبال وهو مؤمن برسالة الاسلام ان يغوص على اعماق الثقافة الغريبة الحديثة ويلم بها كاحسن ما يلم بها ابناؤها فيناقشهم بمنطقهم بل بلغتهم ويفسر الاسلام تفسيرا ابداعيا على ضوء مذاهبهم العلمية والفلسفية فيكسب احترامهم وثقتهم ويخدم الاسلام بذلك خدمة نادرة فريدة قلما تيسرت لغيره ممن شرحوا الاسلام للغرب
الايمان والانسان الحديث :
هذا الايمان بالله الاحد الذى تشع منه الطمأنينة وتفيض عنه الثقة ، يوصل العقل الى حريته المنشودة والى تحرره من قيود التقليد . ومن المآخذ التي يسجلها اقبال على الحضارة الغربية انها فى تطورها العلمي والتكنولوجيا لم تستند الى اسس زوجية ميتافيزيكية . ومن هنا شعور الفرد في الغرب بالوحدة المحضة والقلق الدائم المستمر . هذا الشعور القاتم الذى كان من افجع ضحاياه نيتشه والذى عبر عبر عنه اقوى تعبير فى نظريته عن الرجوع الابدى . يقول اقبال فى آخر تحليله لنيتشة " مما لاريب فيه ان حياة نبتشه وشكل فعاليته فى اوروبا الحديثة يشكلان موضوع دراسة مهمة في علم النفس الدينى . ولا يمكن ان ننكر ابدا ان رؤيا العنصر الآلهى فى الانسان قد اجتاحت نفس نيتشه . واننى اسمى رؤياه امرا ذاتيا داخليا اذ يظهر انها اعطته نوعا من ذهنية النبوة التى تطمح فى ان تحول الرؤى الى قوى حيوية دائمة خالقة . ولكن مع ذلك انتهى نيتشه الى فشل مربع . ويعود فشله الى تراثه الفكرى الذى تحدر اليه من شوينهاور ودارون ولانج اذ اعماه تأثير هؤلاء عن المعنى الحقيقي لرؤياه . فهو عوضا عن ان يبحث عن قاعدة روحية تؤدى الى نمو ذلك العنصر الالهى فى الانسان وتفتح امامه آفاقا لا حدود لها فى المستقبل انتهى الى ارستقراطية فكرية أشبه بالسجن
ان الذات التى يبحث عنها وراء الفلسفة ووراء العلم ووراء المعرفة . انها النبتة لتي تنمو من التربة غير المرئية فى قلب الانسان . وهكذا فشل عبقرى كبير لان رؤاه كانت محدودة بقواه الداخلية فحسب وانتهى الى العقم وعدل الانتاج لانه كان يعوزه التوجيه في حياته الروحية . ومن سخرية القدر ان هذا الرجل الذى بدا لاصدقائه والمعجبين به كأنما اتى من عالم مقفر لم يعش انسان فيه كان شاعرا بالفراغ فى حياته وواعيا لحاجته الروحية الكبيرة . قال هذا المفكر الكبير " اننى اجابه معضلة جسيمة ، يظهر كأننى ضائع في غابة كبيرة . اننى بحاجة الى العون . اننى احتاج الى تلامذة واتباع . انني احتاج الى معلم ومرشد . يالها من عذوبة ان يطيع المرء غيره
وهكذا فالسبب فى فشل نيتشه وبالتالى فى فشل الروح العصرية الثائرة المتمردة التى ثورتها غاية فى حد ذاتها واضح جلى . ان غاية الذات النهائية ليست فقط فى ان تكون ما تراه (الحرية) . وفي جهد الذات لان تكون شيئا ما يكتشف الانسان فرصته الاخيرة لصقل كيانه والتوصل إلى ذات تجد بداهة حقيقتها لا فى قاعدة ديكارت القائلة " افكر " بل في قاعدة كانت القائل " استطيع " . وليست غاية الذات فى بحثها التحرر من حدود الفردية بل في التوصل الى تحديد دقيق لها . ان العمل النهائى ليس فعلا فكر يا فحسب يا هو فعل حى يعمل بالذات الى كيان عميق والى ارادة جازمة تؤكد ان العالم ليس مجرد شىء نراه او نعرفه بواسطة المفاهيم العقلية ولكنه عالم يبني بناؤه بواسطة العمل المستمر . انها فترة مباركة ملهمة ولكنها ايضا اصعب فترة تمر بها الذات الانسانية فى اختبارها الحى
تلك هى بعض الخطوط الاساسية فى فلسفة اقبال ولا ازعم انها تمثل مذهبه او كامل تفكيره وقد قلت فى مطلع هذه المحاضرة ان كتاب اقبال يمثل مصدرا اساسيا من مصادر دراسة الفكر الاسلامي المجدد في النصف الاول من هذا القرن . ذلك ان اقبال يتابع رسالة ابن خلدون في وضع ازمة الامة العربية والشعوب الاسلامية فى اطارها التاريخي ولا يوجد كالتفكير التاريخي لتصحيح الانحرافات التى قد يقع بها نفر من المفكرين والمشرعين فاقبال وجيله من المجددين جابهوا بجرأة مشكلة الحضارة الحديثة ووضعوا الفرد المسلم والعربى وجها لوجه امام مسؤوليته . ونحن اليوم نجابه مظهرا من مظاهرها وهي معركة التخلف الاقتصادى التى ليست بدورها الا مظهرا من مظاهر معركة الحضارة اذ لا مشكلة وراء هذه المشكلة الحضارية فى المحط الاخير . ولا بد من القول ان تفكير اقبال كان تفكيرا ابداعيا اصيلا رغم ما قد يجد الباحث فى دعوته من تناقضات احيانا لا يخلو ولم يخل منها اى مفكر متطور نام يستجيب لنداء كل مشكلة من المشاكل التى تجابهه . اقول انه كان اصلا لانه لم يردد بسطح ما درسه من مذاهب فلسفية فى الغرب . بل اخذها ومحصها ودققها وخرج منها بمذهب لا يخلو من حدة ولا يخلو من ابداع . ويقيني ان الجيل العربي الجديد لا بد انه واجد فى فكر اقبال ومن عاصره من مفكرى العرب والمسلمين مواطن ابداع كثيرة واصيلة (*)

