الكتاب الذي يزمع صديقنا الاستاذ احمد السباعي اصداره قريبا وفيه يتخيل انسيا استهواه الجن فعاش بينهم روحا طويلا كان فى اثنائه يبعث برسائله من وادى الجن إلى صديق له من الانس يضمنه بعض فلسفتهم فى الحياة . . ونحن ناشر نموذجا طريفا من رسائله فى الفصل التالي .
صديقى : طاب عيشك
اتذكر اننا فى معرض المبالغة فى التعبير عن غضوب تهيجت اعصابه نقول : (انه كان مهتاجا كالعفريت . . وأنه جاءنا صاحبنا كالعفريت ، وأننا حاولنا ان نمسك به فكان كالعفريت.
انها أساليب فى التعبير تعطى عن العفريت صورة من اهول الصور العاتية الصاخبة . فهل أنت مصدقى إذا قلت ان الامر في العفاريت هنا أو في هذا الحي منهم على عكس ما نتصور ؟ وان فى كثير منهم من الدمائة ، ولين الجانب ، وسعة الصدر ماليس فى كثير من بني آدم على وجه الارض .
وان فى بعض العفاريت . . برود السكسوني ، ورشاقة الفرنسي ، واستقامة السويسرى ، وادب الياباني ! مما يدعو الى دهشة كل انسى لم تتسع تجاربه لهذا الثقل من المخلوقات.
يكتنف مسكنى فى قاع الوادى جماعة من العفاريت اتمتع بينهم بهدوء قل ما اتمتع به فى حي من أحياء الانس ، وتطل شرفتي الخلفية على غرفة ضيقة يسكنها عفريت طوال القامة تحيفها فى وجه اضيق وانف مسنون لا تكاد تشعر بوجوده لفرط هدوئه ، ولا تكاد تسمع صوته رغم انه محدث بارع حلو الفكاهة . . اما محياه الاعجف فلا تكاد تريم عنه الابتسامة العذبة .
قلت له مرة . علمت انك عانيت فيما عانيت من حياتك صعابا قاسية . .
ويعجبنى انك برغم ذلك تحتفظ لسيماك بهذا الطابع الوضئ . فالتفت الى فى هدوء ، وابتدرنى في صوته الرخيم ، وكلماته اللينة المقاطع يقول . ليس فى الحياة الا الظلال التى تلقيها انت على احداثها . . هذه سعادة وذلك شقاء .. هذا سار وذلك مسئ ، هذا جميل وذلك ردىء . . الوان لا اصل لها الا في نفسك ، وظلال لا يوشيها الا تلوينك .
قد تقول لنفسك لوجاءت الحياة بغير هذا لكنت سعيداً ، ولو صادفني التوفيق بأحسن من ذلك لكنت أسعد . . وليس في الامر سعيداً أو أسعد الا كان مصدره نفسك ؛ واسلوب تلوينك..
يا صاحبي اذا تعلمت ان الحياة ارخص من ان يهولك فيها مكروه ؛ وأنها أصغر من أن تأسف فيها على فائت ، وأن أحداثها مهما تنوعت الوانها لا تستحق منك العناية التى تعنى نفسك بها ؛ والتى تطيل بها أمد اهتمامك لخرجت وأنت اكبر من أن تنالك الاحداث ، وأعظم من أن تلعب بك الاماني الغريرة !
ما ظنك بقوم أرهف إحساسهم فكان كالوتر المشدود تمسه النغمة باخفت اصواتها فيمضى مضيها ، ويبعث به اللحن النشار فيؤزبازيزه العاشر! ! الأشياء من ارتخاء العصب يحول دون ارهاقه ، وقليلا من الانحلال يريحك من اوصاب لا نهاية لمداها !!
يعجبني في عالمكم سكان المناطق الباردة ببرودهم وفتور طباعهم .. ويغيظنى فى بني جلدتك ما يغلي في عروقهم من دماء ..
قلت أنها من مآ سينا اضاعت علينا دولة فى الارض ما كانت تستثنى من خراجها سحابة فى السماء . !!
صديقى :
سلمت ... أتحسب أن للقوم هنا مدارس لتثقيف النشئ وتعليمه بالضورة التى الفتموها فى دنياكم ؟ كنت تخليت هذا وأنا أتحدث الى رفيق لى من حمال الاخشاب فحملق في
وجهى العين الواحدة التى يملكها فى متوسط جبهته وقال .
فيم أبتدعت المدارس ؟ - أنها ولاريب تلوى فى دنياكم عن الاغراض التى من أجلها أبتدعت .
أفي تعليم القراءة حكمة ؟ إلا أن يضيف المرء إلى تجاربه الخاصة وآرائه فى الحياة تجارب وآراء يقرأها عن غيره ليعادل بينهما ويفاضل .
وهل فى الكتابة حكمة أكثر من أن يدون المرء بها نتيجة تجاربه ويعرضها فى سوق النقد لكل القارئين ؟؟
لا أفهم معنى للتعليم غير هذا . ولا أعرف غرضا لأول شخص ابتدع القراءة والكتابة غير هذا الغرض فهل تؤدى المدارس فى دنيا كم هذه الرسالة وتبنى صروحها لهذا الغرض السامى ؟
أم أنها لوت الى غير هذا فغرض وشرعت تؤدى رسالتها وغير هذا الوجه وقال :
أنني كجنى أختلطت بأدراج الفصول فى مئات المعاهد والمدارس . واندسست في ( ياقات ) انوف المدرسين فى اكبر دور التعليم فلم اجد التعليم يزيد عن مواد أحكم تأليفها وفصلت بنودها وأعدت فى اساليب صالحة للشحن والتفريغ . فلا تكاد تبدأ مواعيد الدراسة فى المدارس حتى تبدأ معها عمليات النقل من الرؤس الى الرؤس ومن الكتب الى الكراسات.

