لم يختلف الناس ؟ وما الدافع لهم على الخلاف ؟ وهل الخلاف بين الناس يؤدى إلى النفع أو إلى الضرر
هذه اسئلة دارت في خلدى واستعصى على جوابها . فرحت اسائل كل شئ فى الحياة مساءلة هادئة فى همس وخفوت . لاحظي بالجواب في همس وخفوت ظنا منى - وبعض الظن اثم - انى سالم بما لم يلم به كثير من الناس . وفي ذلك لذة يشوق للانسان أن يحتكرها لنفسه دون غيره .
ولكن شد ما راعنى حينما رايت ما استعص على نفسي لم يستعص على احد فالجواب مسطور في كل مكان . مقول على كل لسان . يعلمه الجاهل كما يعلمه العالم ويدريه الذكى والغبيء .
وكان الكائنات بما فيها ومن فيها تقول لمن يسأل مثل هذه الاسئلة لو نظرت إلى لما تكلفت ذل السؤال وهناءه
ان كل ما فى الحياة يغرى على الخلاف . وينادى به ويدعو اليه . وان من يمعن النظر في الموجودات يجد ان الخلاف اسلوب الله فى صنع هذه الكائنات
السماء تختلف عن الأرض . والليل يختلف عن النهار . أنوار القمر هادئة لطيفة . واشعة الشمس شديدة محرقة
روح الاختلاف شائع في كل شئ في الزمان والمكان . والاختلاف بين فى كل ما يحيط بالانسان . حتى الانسان يختلف عن اخيه الانسان . والحيوان يختلف عن رصيفه الحيوان
الم ينتقل بك الزمان من فجر إلى ظهيرة إلى اصيل ؟ الم تر الشمس بين شروق وغروب واستواء ؟ والقمر بين زيادة ونقص ومحاق
الصيف يعقبه الربيع ، والربيع يخلفه البرد ، والبرد ينتهى بك إلى خريف يوم صحو ، ويوم تتلبد فيه الغيوم ، نسيم يترقرق ، يعقبه سموم لافح ، ارض مخصبة بجانب ارض ممحلة ، ورياض ناضرة ، محيط بها صحراء تاحلة ، وجبل صلد بجانبه بحر خضم ، وغور يؤدى بك إلى نجد ، وحزن ينتهي بك إلى سهل ، ماء اجاج ، وماء عذب ، خرير الجدول ليس كهدير البحر
الازهار اشكال وألوان والأشجار ذات حسيس وحفيف والأثمار مختلفة الطعوم والمعادن بين سائل لا يجمد وجامد لا يسيل . والحيوان ليس كله يصهل ، وليس كله ينهق ، وليس كله يخور . والطيور . حمائم تصدح ، وبلابل تغرد ، وغربان تنعق .
الأنسان . كبير ، وصغير ، سمين ونحيل ، اسود وأبيض ، صحيح وسقيم ، هذا الكن وهذا فصيح ، هذا جميل وذاك قبيح ، هذا اعجمي وهذا عربي ، الذكى بجانبه الغبي والعالم بجواره الجهول والضعيف يقابله القوى ، والطيب امام الخبيث ، الاشكال متباينة والهيئات متنافره ، والاصوات متغايره
وما الانسان ؟ اليس هو جزء من هذه الكائنات المخلفة تتصل به ويتصل بها اتصالا وثيقا نقله الارض وتمده بالطعام والشراب ، وتظله السماء وتمده بالضوء والحرارة ، يستمتع من الاولى بالثمار والازهار المختلفة الطعوم والألوان ويستمتع من الثانية بالشموس والاقمار المتباينة الشكول والاحجام ، حوته عناصر مختلفة وهذته عناصر مختلفة ، منها تكون دمه ولحمه ومنها تآلف عصبه وعظمه ، فهو ابن الخلاف وربيب الاختلاف ، فلم لا ينشأ على الخلاف ؟ ولم لا يختلف مع اخيه الانسان ؟ وهو مدفوع إلى الخلاف بدوافع من الجو والمناخ . لا بل هو مدفوع اليه بدوافع من الدم واللحم والعصب - الم يختلف مع اخيه الانسان في الخلق الذي لاحيلة له فيه ؟ فلم إذا لا يختلف معه فى الخلق وامر تكييفه بيده ؟ وما
دامت الاقدار خالفت بين الناس فى ألوانهم وازيائهم فلماذا لا يختلفون فى افكارهم وآرائهم ؟ الم يختلفوا بغير اختيار منهم - فى اللغات والسحنات ؟ فلماذا لا يختلفون - مختارين - فى المبادئ والمعتقدات :
ان كل ما في الحياة يغرى على الاختلاف بشتى المغريات ، ويدفع اليه بشتى الدوافع . فان لم يدفع الناس تلك الدوافع التى بينا الى الخلاف . ولم تغره عليه تلك المغريات التى ذكرنا فليغرهم على الاختلاف هذه النتائج الرائعة التى بسببها احتكاك المتخالفين على الخلاف الم يكن الولد نتيجة احتكاك الذكر بالأنثى ؟ الم تنبعث القوة من احتكاك الموجب والسالب ؟ الم تكن موسيقى الحياة السامية نتيجة لتمازح الأصوات المختلفة ؟
خالف الانسان اقرانه فعرف من بينهم . وخالف بين الحجر والحجر فتماسك البنيان . وخالف اصابعه على ثقوب المزمار فظفر بلحن جميل . كل هذا أو غير هذا مما هو في معناه ان هو الا نتيجة لاحتكاك المتخالفين . فاختلف الناس " ولا يزالون مختلفين " .
وكان اختلافهم نعمة سيقرا اليها . ) ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ( إذ لولا الاختلاف ما دافع انسان عن وطنه . وما ذبت أمة عن كيانها ولما ضحى احد بنفسه فى سبيل معتقده . فالخلاف هو الذي أوجد فينا التضحية فى سبيل المبدأ والغيرة على الوطن والدفاع عن الشرف ولولا الخلاف لافتقدنا كثيرا من الصفات الحميدة فى الانسان . ولولا الخلاف ما كان للبشر تاريخ ولا كان للانسان حضارة ولولا الخلاف ما اشيدت الحصون ولا اختطت المدائن . ومن أين للعلوم أن تنمو وللمعارف أن تتضخم لولا الخلاف ؟
اترى يعبأ الله بعباده لو لم يختلفوا ؟ فيرسل اليهم بين الفترة والفترة رسولا وبين الاونة والأونة كتابا ويجعل من سكان السماء حفظة لهم ورقباء عليهم ويقيم لهم صراطا وينصب لهم ميزانا ويعد لهم جنة ونارا ؟
وبالخلاف ومن الخلاف تنوعت اسباب العيش وتلون وجه الحياة وطبيعة الانسان لا تستقيم على امر يسير به على وتبرة واحدة . الم تستمع إلى الذين قالوا ) لن نصبر على طعام واحد ( وسجيته تنزع به دائما إلى التغير والتبدل وذلك بحكم المؤثرات الكونية والنفسية التى تجمح به إلى الخلاف جموحا لا قدرة له على رده . ومن أين للانسان القوة الكافية على كبح قوي تتغلغل في صميمه وتجري فى مفاصله وتسرى فى عروقه ؟ وتدفعه دائما لان يكون مخالفا لغيره ؟ ولو فرض ووجدت لديه القوة الكافية على ذلك وامتنع الخلاف من بين الناس فما عسي ان تكون النتيجة ؟ لاجرم أن الانسان يفتقد مع الخلاف لذة الحياة ويفني فيه حب البقاء . وحينئذ ما يمنعه ان يعمل جهده على التخلص من هذه الحياة التى لالذة فيها . إذ تصبح في نظره - الحياة - عبئا ثقيلا لاطاقة له على حمله . فليس الغريب - بعد الذي قدمنا يختلف الناس . ولكن الغريب ان لا يختلفوا ولذلك لا يظهر الاتحاد فى جيل من الأجيال بين فريق من الناس الا قليلا وتلك ظاهرة من أغرب وأعجب ظواهر الحياة

