النقد هبة فى الموالد ، وفيه زيادة طارف الى تالد [ . . . ] أول ما عليه تعتمد ، وإياه تعتقد ، ألا تستعجل باستحسان ولا باستقباح ، ولا باستبراد ولا باستملاح ، حتى تنعم النظر وتستخدم الفكر ؛ واعلم ان العجلة فى كل شئ موطن زلوق ومركب زهوق . . .
مسائل الانتقاد
النقد فن قديم ، كان منذ أن كان مفكرون وفلاسفة وشعراء ؛ عرفه اليونان ووضعوا له أصولا وقواعد بها تطور الشعر عندهم ، وعليها قامت أسس الخطابة ؛ وبلغ مع أرسطو مرتبة المذهب المقرر لقواعد الشعر وأنواعه , وخصائص المأساة وأصولها ؛ وبقى المرجع الأول فى فهم النتاج الأدبى فى أوروبا حتى القرن الثامن عشر ، عندما هبت ريح الفكر الجديد ، وعصفت الثورة الفرنسية بجامد الآراء وبالى التقاليد ؛ ولعل النقد الأدبى لم يصبح فنا قائما بذاته - فى فرنسا خاصة - الا فى القرن التاسع عشر ؛ فلئن وجد قبل ذلك العهد نقاد ، فانه لم يوجد نقد . ( 1 )
والنقد عند العرب فن قديم أيضا ؛ كان منذ أن كان للعرب شعر ، طابعه فطرى بسيط فى أول أمره ، ثم تطور مع تطور الزمن وزكاء المعرفة ، حتى أصبحت له مقاييس معروفة مضبوطة ، منذ ان ظهر كتاب رواد فى القرن الثالث ، أبرزهم ابن سلام الجمحى ، صاحب (( طبقات الشعراء )) ، والجاحظ , صاحب (( البيان والتبيين )) وابن قتيبة صاحب كتاب (( الشعر والشعراء )) ؛ ولئن كانوا على بعض الاختلاف فى نقدهم آثار الشعراء خاصة ، فانهم كانوا
جميعا يعتمدون أصول البلاغة وقواعد البيان لتعريف (( أشعر الناس )) ، وتمييز (( الشاعر المتكلف )) من (( الشاعر المطبوع )) . . .
ومنذ القرن الرابع الهجرى نشأ النقد (( المنهجى )) عند العرب ، مع قدامة ابن جعفر فى كتابه (( نقد الشعر )) ، وأبى هلال العسكرى فى كتاب (( الصناعتين )) وعبد القاهر الجرجانى فى (( دلائل الاعجاز )) و (( أسرار البلاغة )) , وابن رشيق القيروانى فى ( العمدة ) . . . وهؤلاء جميعا يطلبون فى نقدهم أسس البلاغة وقواعد صناعة الكلام تارة ، ودلالة المعنى ونبله طورا . . .
ويتطور النقد الأدبى فى القرن الخامس وما بعده ، حتى اليوم ، وما يزال .
وليس تاريخ النقد همنا فى هذا المقال ؛ إنما أردنا الالماع الى أن فى النقد مذاهب حظ الاختلاف فيها غير قليل ، واتجاهات تختلف فيها الغايات باختلاف المكان والزمان ، لنتساءل عن ماهية النقد ، ونخلص الى محاولة تحديد مهمة الناقد .
إن كل من رام البحث فى مفهوم النقد واجد له تعاريف قد لا تحصى عدا ؛ منها التعاريف البسيطة النابعة من آراء فطيرة ، ومنها التعاريف العميقة الصادرة عن استقصاء دقيق ، ومن تلك وهذه استخلص الناس ، بالرجوع الى ما قيل بالامس واليوم ، أن (( النقد عمل صعب المراس لا يستطيع القيام به الا من كان ذا ثقافة واسعة وذوق سليم )) (2 ) ، وأنه (( فن دراسة النصوص والتمييز بين الاساليب المختلفة ، وهو روح كل دراسة أدبية . . . )) ( 3 ) ، وأنه - فى مفهومه الحديث - (( استعمال منظم للوسائل غير الادبية ولضروب المعرفة - غير الادبية أيضا - فى سبيل [ . . . ] بصيرة نافذة فى الأدب ( 4 ) .
وقد لا نظفر بعناصر طريقة ان طلبنا عديد الشواهد نضيفها الى ما ذكرنا ، لأنها جميعا تلتقى عند اثبات ضرورة قيام النقد على قاعدة التوضيح والشرح والتقييم ، سواء أكان نقدا بديهيا تلقائيا - كنقد عامة الناس لأثر ما ، بدون سابق اطلاع وقراءة فاحصة ، انما طلبا لزينة ثقافية مستعارة - أم نقدا اتخذه أصحابه صناعة ونتاجا أدبيا ، أم نقدا جامعيا أكاديميا .
ولعل أول خاطر يملك علينا النفس هو سؤال (( لجاج )) : ما هى قواعد النقد ؟ الا ان الجواب عن ذلك قد لا يفيد ، ونحن نطلب ماهية النقد ، وبعض الاحاطة بفلسفته وعللها الداخلية ، لا باطاره وحدوده الخارجية ؛ فهذا الى القول بالظاهر أقرب ، وذلك بالتحليل الباطنى أعلق ، والباطن جوهر باق ، والظاهر عرض زائل .
وإنه ليحسن بطالب فلسفة النقد أن يقول فى بداية الرحلة لماذا النقد ؟
اذا عبر الاديب (( بالالفاظ والعبارات )) ، والرسام (( بالالوان والخطوط )) ، والموسيقى (( بالاصوات والمسافات )) ، والنحات (( بالاحجام والأوضاع )) ( 5 ) .
وكان ذلك التعبير مشتقا من نفوس سبروها ، وضمائر امتحنوها ، ومآس عانوها ، ومضلات خاضوها ، فان آثارهم تتضمن ضرورة جوهرا فنيا يصلها بجمهور يتلقاها فيتقصاها ويستجيب لها ، فينهض لنقدها .
والأثر الادبى الفنى هو الذى يؤثر فى الناس حتى ينشأ بينه وبينهم ذلك الحوار العسير ، والخصام المرير ، لان الأديب (( ليس محتاجا إلى ان يرضى الناس عنه فحسب ، ولكنه محتاج الى ان يرضوا عنه ويسخطوا عليه - كما يقول طه حسين - والى ان يعرفوا من أدبه وينكروا ، والى ان يثنوا عليه وينقدوه . . . لانه يكتب لهم كما انه يكتب لنفسه )) . ( 6 )
فأنت ترى انه لا مجال للنقد الا فى ظروف مخصوصة أهمها توفر القيمة الفنية فى الأثر الادبى ؛ وتلك القيمة الفنية هى المكونة لجمهور يكون الطرف الثانى فى الحوار .
فالنقد ليس عملية اعتباطية ، تنشأ نشأة ذاتية غامضة ، إنما هو وسيط بين المؤلف والجمهور تربطهما لحمة النتاج الفكرى الأصيل .
فهو طلب الأصالة فى المؤلف وفى أدبه ، وطلب الطرافة أيضا ، وفهم المغلقات ، واستكشاف مواطن الصمت واسباب المهملات ، حتى ننزل عبقرية الكاتب منزلتها الحق ، مبينين ما فيها من طاقة فكرية خصبة ، وما فيها من ملكات ذهنية ، وتضاريس شعورية ، واتجاهات انسانية ، ونظرات فردية أو جماعية ، ونسير هكذا الى محاولة فهم وفلسفة النقد أو ماهيته ، سمها ما شئت .
ولا بد لضبط تلك الفلسفة من تمهيد يشق الطريق اليها ؛ فقد يكون ذلك التمهيد تعريفا ببيئة الكاتب أو الشاعر أو المفكر ؛ قال بذلك ابن سلام الجمحى منذ القرن الثالث الهجرى ، عندما عرض للشعر العربى القديم ، مبينا أثر البداوة والحضارة فيه ، واثر الحروب أيضا ؛ وقال بذلك الناقد الفرنسى تين Taine فى القرن التاسع عشر ، مع مبالغته المعروفة فى اعتبار (( العمل الادبى )) نتيجة (( جنس )) الكاتب ، و (( بيئته )) - يعنى بذلك مختلف الظروف التاريخية التى تحيط بشعب من الشعوب - و (( المرحلة )) التى هى فترة معينة من التطور . . . ومن ذلك العهد ظلت تلك النظرية من سبل النقد الاساسية مع ما طرأ عليها من تضخيم ومبالغة فى ممارستها - كما فعل العقاد ، عفا الله عنه ! فى دراسة ابن الرومى ، ومن تعديل أو بعضه ، كما فعل طه حسين فى (( ذكرى ابى العلاء )) . . .
على ان الامعان فى هذه السبيل قد يضيع عنا البغية ، فنظن غاية ما لا يعدو الوسيلة ، وقد يضيع عنا الاصالة التى نطلب ، ان نسينا ان الاديب ليس صدفة ملقاة على شاطئ تعبث بها الرياح كيفما تشاء ، ولكنه حى له خصائص الاحياء فى التأثر والتأثير . . .
ولعل اعتبار البيئة - مع الحذر - فى حاجة الى ان يتسع الى معرفة جذور الأديب التاريخية ، ذلك انه (( مهما يكون الافراد من العظمة والجمال فان دراستنا لا يمكن أن تقتصر عليهم - كما يرى ( لانسون ) ، وذلك اننا لن نعرفهم اذا لم يرد ان نعرف غيرهم ؛ فأكثر الكتاب اصالة هو الى حد بعيد راسب من الاجيال السابقة وبؤرة للتيارات المعاصرة وثلاثة ارباعه . . . من غير ذاته ( 7 ) .
وقد نستعين فى التمهيد ايضا ، بضبط العلاقة بين العمل الادبى وصاحبه ، وهذا ما يجر الى التماس عناصر حياة المؤلف ؛ فاذا كان النقد توضيحا وشرحا وتقييما فانه من اليسير ان نرى - مع الناقد الفرنسى - برونوتيار- Brunetiere) 1907 1849') ان الشرح ضبط العلاقات التى تربط اثرا أدبيا ما بتاريخ الاداب العام ، وبقواعد الغرض الأدبى الذي يرجع اليه النتاج الأدبى وبالبيئة ، واخيرا بالمؤلف نفسه ( 8 ) .
الا ان الركون الى تراجم الادباء قد يخرج بنا عن القصد ان نحن اطلقنا العنان لانفسنا فى ضبط كل صغيرة وكبيرة تتصل بالكاتب حتى تصبح الرجمة سببا للتسلى والتفكه لا طلبا لاضاءة العمل الادبى والاعانة على فهمه وتقييمه ؛ لان النقد لا بد من ان يكون مركزا على (( نص )) ؛ ولكن كم من مشاكل تبرز منذ ان عنانا امر ذلك النص ! وكم من ملابسات لا بد من اعتبارها ، وظروف لا مناص من الاحاطة بها فيما يتصل بالاثر والمؤلف جميعا ، وفيما يتصل بالناقد نفسه . - ومن هنا نبدأ مغامرتنا النقدية !
نص ، ومؤلف ، وناقد ، وما يفرض كل ذلك من فهم ، وتحر للدقة ، وسبر للنفس ، وضبط للاهواء ، واعتبار للملابسات التاريخية والاجتماعية واللاشعورية . . . انها عملية ثقيلة وتجربة وجودية خطيرة .
فأنا الذى سانظر فى الاثر الادبى ، ولست انا الذى انشات ذلك الاثر الادبى وكلما اجتمع (( الأنا )) و (( الغير )) كان الخطر .
فما هى فلسفة هذا الخطر ؟
فأنا موجود ، لانى أتأثر ؛ ولا بد من ان يكون لتأثرى النصيب الوافر فى فهم العمل الادبى الذى اشرح واقيم ، ولا بد من ان يكون لتذوقى الحظ الواسع ؛ فانا لى حساسية واهواء ، وعادات فكرية ، ورواسب لا شعورية ، وظروف اجتماعية وآمال باطنية ، ورغبات انسانية ، ولى عقل به أفكر ، وقلب به احب - او اكره - وانا قادر على الملاحظة ، وقادر على الخيال . . .
وأنظر فى العمل الادبى ، نظرة المستنطق اياه ، ومن استنطاقى اياه استنطق مؤلفه ، ومن استنطاق مؤلفه أستنطق الواقع بما له من جذور فى الماضى ، وصلة بالحاضر ، وايماء الى المستقبل .
فقد لا يمكن لاى ناقد حصيف ان ينفى انه يرى نفسه ، بما فيها من شعور واع ، وشعور فى الباطن راسب ,
كل هذا لا مجال الى الشك فيه وان زعمنا اننا عنه مجردون ، وان زعمنا ان نقدنا لا يعدو النظر (( الموضوعى )) وان اتخذنا من التاريخ والبيئة والترجمة سبلا للوقاية ، وطرقا لاصدار احكام نذيعها من عليائنا مزهوين ، عليها سمة العلم تنمقها ، وبها تحيط لفائف القول الفصل ، لاننا قد ضمدنا الاثر المدروس بغلائل من المصادر والاسباب ، غير آبهين الى ان النتاج الفكرى اوسع من المصادر والاسباب . . .
على أن تأثرى ليس الصفاء كله ، ولا الذاتية عينا ، ولكنه من رواسب تاريخى البعيد والقريب : حسا وفكرا ، وسياسة واجتماعا ، وطبعا وخلقا ، ولطفا وشدة ، وعطفا وقسوة ؛ كل ذلك تصهره شخصيتى فينصهر ، ويوجهنى فى (( فهم )) النتاج الفكرى وشرحه ، والنظر فى قيمته .
فعندى إذن لا يوجد الخبر اليقين حتما ، ونقدى الناشئ عن تأثرى - وهو شبكة معقدة كما رأيت - ليس ضرورة ذا قيمة مطلقة ؛ فهل الى تعديل تأثرى من سياج يقيه السقوط فى مغبة الخطا ، ويصوب ذوقى ، حتى لا اعتبر نفسى (( محور )) الفهم والشرح ، وحتى أسلم بأنى لا أعلم ؛ إن (( التأثرية )) تحتاج الى التهديب ! - لا مناص للناقد ، عندئذ ، من أن يجمع المعلومات المختلفة لتهذيب حكمه التأثرى ؛ معلومات نستعين فيها بعلم التاريخ ، وعلم الاجتماع ، وعلم النفس ، وعلم التحليل النفسى ؛ على شرط أن تجتمع هذه العلوم متضامنة ،
لتضئ العمل الادبى لا لتضيعه ذرات ذرات ، حتى لايتلاشى المنقود والناقد وموضوع النقد جميعا ؛ فكم من عالم نفسى ينسى أن النفس أوسع من علم النفس ، وكم من محلل نفسى يحتاج الى تحليل نفسه قبل أن يحلل نفوس الناس ، وكم من عالم فى الاجتماع يتقمص علمه ، مهملا أن المجتمع أفسح من علم الاجتماع ! . .
فاذا اجتمعت هذه المعلومات وتضامنت ، فانها تقى الناقد خطر تسريح أهوائه فى المنقود كما يشاء .
على أن المبالغة فى اعتماد الوثائق العلمية ، وإرجاع الأثر الادبى الى قواعد ، قد يوديان بالناقد (( الموضوعى )) الى (( التقريرية )) والى الصلف الفكرى ، والى الحفاف العقلى كما فعل تين ( Taine ) وبرونوتيار ( Brunetiere ) ؛ لأن صاحب العمل الأدبى إنسان ، والانسان لا ينضبط فى (( معادلات علمية )) ولا (( خطوط بيانية )) ، إذ العناصر المكونة للعبقرية لا تخضع لعد ولا تحصى ، ولأن العبقرية نتيجة وسبب فى آن .
ولا نبث أن نجد أنفسنا - ونحن نروم النقد - مكبلين بثنائية غير يسيرة ، هي التأثرية والموضوعية العلمية ، فهل فى الامكان تجاوزها تجاوزا جدليا ، حتى يقوم نقدنا لا على قواعد علمية ، ولكن على روح علمية ؟
ما من شك فى أن الناقد يباشر (( نصا )) ؛ والنص هو الأساس ؛ أما ما عداه ، فهو حواش وتذييلات وتذهيبات كما يقول القدامى ، فعلينا الا نترك (( الاصل )) وهو النص ، لكى نتلهى (( بالفرع )) وهو جملة العناصر المتمثلة فى معلومات عن حياة الكاتب ومعلومات تاريخية ، ومعلومات اجتماعية وغيرها .
فانها جميعا ، إن استولت علينا ، قطعت الصلة بيننا وبين نص (( موجود )) نريد أن نشاركه فى (( الوجود )) .
فالناقد الحازم هو الذى يقبل على نصه بالقراءة والاعادة ، ممعنا ملحفا ، حتى يتذوق ، وحتى يعلم ، بقلب سليم ، وبفكر مجرد و (( بدون سابق إضمار )) ؛ والناقد الحازم هو الذى يقرأ وفكره مشحوذ وذهنه غير شرود حتى يتلقى (( النداء )) ؛ إذ كل أثر ادبى فنى يتضمن (( نداء )) يكسوه الغموض المقصود ، ويشتمل على (( سؤال )) يوجه الى القارئ فيبث فيه حيرة زكية وقلقا
(( وجوديا )) ؛ والناقد الحازم هو من أحسن السمع فأصغى ، فالتقط النداء ، ومن شحذ الذهن (( فاقتبس )) السؤال ، وطغى على النسيان ، فذكر الحيرة . . .
أليس هذا ما نطلب من تلك العملية العسيرة المريرة التى نسميها شرح النصوص ؟ إن النقد ابن (( الشرح )) ، ولا يكون إلا بعد مخاض أليم .
النقد حوار بين النص وقارئه كما رأيت ، وفى هذا الحوار إعادة كشف عن تجربة الكاتب الشعورية وقد أخرجها فى (( صورة موحية )) ؛ وتلك الاعادة تستوجب الذوق ، كما عرفنا ، وتستوجب العلم ، كما ذكرنا ، ويكون التضامن بين الحس والمعرفة ، فتتآزر (( التأثرية والموضوعية )) . ولا خوف عند ذلك أن نضع النص ، الذى شرحناه ففهمناه ، فى سياق الاثار الادبية التى ينسجم فيها ويرجع اليها ، والمؤلف ضمن المؤلفين الذين تأثر بهم وتأثرهم ، ولا جناح أن نستشف النسغ الفكرى الذى غذاه ، حتى يكون نقدنا ناشئا عن ذوق وضمير ، وعلم وتفكير ، وعن فلسفة جوهرها روح الذوق لا الذوق مطلقا ، وروح العلم لا العلم مطلقا . . .
ولعلنا نرى - من خلال كل هذه الملاحظات - أن للناقد مسؤولية . فيها من الحرج ما يزعج ، ومن ثقل الامانة ما لا يقبله إلا من أحسوا بقدرتهم على تلقى البلاء العظيم .
فالناقد يدرس آثارا ليحكم فى شأنها ؛ وأحق الناس اضطلاعا بالنقد أهل الذوق الخالص من الاهواء ، وأهل المعرفة بفلسفة النقد ، لأن نقد الناس بلاء عظيم ؛ وهو ينزل الى الفوضى إن كان مغازلة لمن نحب ، أو مشاكسة لمن نكره ، أو نقاشا لما لا نعلم ، أو حديثا عما لم نتذوق .
فالحركة الادبية الحق هى التى تتضح فى شأنها الآراء وتتعارض ، وتتنفس وتتلاقح وإن تناقصت ، بدون طعن ولا تهجين ، ولا نصب حرب أسبابها الضغينة ، والدوافع الشخصية . . .
وليس ضرورة أن يكون كل من ينتسب الى الادب ناقدا ، وليس سبة أن
يكون كل من يملك قلما ناقدا ، فان رام ذلك ، فللمهمة أدب وميثاق ، وأساسها (( التجرد للعلم ، وصعوبة الجد ، وثقل المؤونة )) ، حسب تعبير أبى عثمان الجاحظ .
المنجى الشملى

