الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

فلم الرسالة و الكتابة السنمائية ، العربية الاسلامية

Share

استورد العالم العربى الاسلامى وبقية البلدان المتخلفة الوسيلة السنمائية كظاهرة تجارية فى بادئ الامر ثم كظاهرة صناعية ) الهند ومصر والجزائر ( أو  كوسيلة دعائية أحيانا لكن المستوى الحضاري الذي عليه هذه البلدان لم  يمكنها من ان تستوعب الوسيلة السينمائية احسن استيعاب على الاصعدة  الحضارية والثقافية وخاصة الجمالية  

وعندما حصل شبه اجماع النقاد وأهل الذكر على اعتبار ان فلم ) المومياء للمخرج المصري شادى عبد السلام هو الفلم العربي الذي يمكن اعتباره رائدا من حيث الكتابة السنمائية المتميزة ومن حيث ) الاستتيكا ( أى الناحية الجمالية لم أطمئن لهذا الحكم وقد توصلت بفضل حيرتى الى الاعتقاد ان سبب عدم قناعي بذلك هو انه لا يمكن ان ننسب فلم ) المومياء ( الى السنما العربية فى مصر اللهم اذا كان ذلك يعنى ) المصرية ( حسب المفهوم ) الايجيبتلوجى ( اى نسبة الى علم  الايجيبتلوجيا  ( أو المصريات ( وهو يخص كل ما يتعلق بالثقافة والحضارة المصرية في مرحلة تاريخها الفرعوني وهى مرحلة تختلف عن الحقبة العربية الاسلامية لتاريخ مصرا اختلافا عميقا ، وهذا الرأي لا أسحبه على الناحية الموضوعية بقدر ما أسحبه على الناحية الجمالية وعلى الكتابة السنمائية  

وفي المقابل كنت أعتقد ان فلم بس يا بحر  ( للمخرج الكويتي خالد الصديقى هو الفلم العربي الذي يمكن اعتباره مستقلا على كل المستويات ولو باحتراز  جعلني احيانا أغير اعتقادى ذلك ان الموضوع ليس وحده الذي يعطى الفلم انتماءه الحضارى والثقافى فالسنما صورة تقوم على الكتابة الفلمية وعلى جمالية  متميزين وعلى هذا المستوى يمكن ان نقول ان ) بس يا بحر ( لا يبتعد عن فلم

) زوربا الافريقي ( ) لايليا قازان ( اليونانى بالرغم من اختلاف المواضيع ثم جاء فلم ) الرسالة ( ليبدد حيرتى من ناحية على الاقل وهي ناحية الكتابة السنمائية فيما لم اقتنع بعد من الناحية الجمالية

ماذا يميز الكتابة السنمائية لفيلم ) الرسالة ) ؟

الفلم السنمائي كالرواية الادبية أو المسرحية يقوم على احداث تتصاعد بفعل  الانسان سواء ازاء الانسان او غيره من القوى الغيبية أو الطبيعية وسواء كان  الفلم كلاسيكيا فى كتابته أو طلائعيا أو غير ذلك فانه لم يستطع الشذوذ عن  قاعدة تمحور الاحداث حول ) البطل ( ولم تستطع المحاولات تغيير مفهوم البطل كظاهرة جمالية أو سوسيلوجية أو فنية الا بقدر طفيف كأن تصبح البطولة  متقاسمة بين اثنين أو أكثر وقد توصلوا حتى الى جعل سكان قرية كاملة ابطالا

لكن مفهوم البطل لم يضمحل بصورة او بأخرى . وسنمائيا فان البطل يكون دائم الوجود خاصة إذا كان الفلم تجاريا محضا وهو ما يفسر انتشار ظاهرة ( النجومية ( فى ميدان السنما أكثر منها فى أى ميدان آخر

وتتأثر الكتابة السنمائية كثيرا بمفهوم البطل الذي يستأثر بعدد كبير بما يسمى بالمناظر الكبرى Tres Gros Plans او المناظر الكبيرة          Glos Plans     لبيان قسمات وجهة أو ارتعاش يديه أو حركة صعود  حاجب عينه الخ كما ان زوايا الالتقاط وتحركات الكاميرا تكون حسب تحركته الخ

فكيف كانت هذه الكتابة السنمائية فى شريط ) الرسالة ( لمصطفى العقاد

ان بطل فلم  الرسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الرسول  العظيم والنبى الكريم وان تحرك الاشخاص وتتطور الاحداث انما تمحورت حول شخصه وشخصيته الفذة . لكن الاحترام اللامتناهى الذى له من أمته جعل انه  من المستحيل ان يقوم واحد بتشخيص ذاته الكريمة ومع ذلك فاننا شاهدنا فلم  ) الرسالة ( وكنا نحس بوجود البطل بل ان الكثيرين كانوا يصلون عليه وهذا   أهم دليل على حضوره من خلال الفلم .

ومن هنا يأتي أهمية فلم الرسالة فهو العمل السنمائى الوحيد الذى يزخر بحضور غير مرئى لبطله وهذه مفارقة كبيرة في حد ذاتها اذ ان السنما تقوم على الصورة المشاهدة قبل كل شئ فمن باب التجاوز الكبير الا يرى البطل ولكنه  تجاوز لم ينل من سلامة التعبير ولا الرؤية الواضحة وهذه الكتابة السنمائية  المتفردة والمتميزة التى يختص بها فلم ) الرسالة ) لتدعو الى التأمل العميق والانطلاق منها لارساء قواعد كتابه سنمائية عربية اسلامية متميزة ومستقلة  وهو عمل جماعي دقيق وصعب  

بقيت مسألة هل ان جمالية فيلم ) الرسالة ) عربية اسلامية ام لا ؟ ان هذا البحث من العمق والدقة ما يجعلنا لا نسمح لأنفسنا بطرقه الآن وقد نعود لذلك فى مناسبة أخرى  

على انه يمكن ان نلخص مسألة الجمالية كمعيار لهوية العمل الفني في ميدان السنما فنقول : إن كل فلم يبث أفكارا ووقائع ولكنه الى جانب ذلك يبث جوا  معينا يشعر به المتلقي فيثير فيه شعورا ما يختلف باختلاف درجة حساسية  هذا الاخير ، فالذى يشاهد فلم ) زوربا الاغريقي ( ) لاليا قازان ( يشعر بأن ذلك الفلم هو يونانى قح حتى ولو لم يحمل ذلك العنوان والذي يشاهد فلم ( يسرا ) للمخرج التونسى رشيد فرشيو يشعر بانه فلم غريب عن تونس بالرغم من تصويره فى حيز تونسى . هذا الجانب لا يفسر الا بطغيان روح معينه على العمل السنمائى لا تمس الموضوع ( 1 ) ولا التقنيات بصفة عامة انها نفحات متميزة تتصل أولا وبالذات بدرجة حساسية صانع الفلم وهي  الناحية ) الجمالية ( وللحديث عودة

اشترك في نشرتنا البريدية