الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

فن الأدب في فكر محمد المزالي

Share

يحتل الأدب فى فكر محمد مزالى (*) منزلة الصدارة من بين الفنون جميعها ولكون الشعر والنثر لديه حقلا روحيا ومجالا خصبا تنتعش فيه النفس الانسانية وتتخلص من هموم الحياة ورتابتها وتشعر أن للوجود لونا آخر وطعما آخر ما لهما ان يتوفرا لو لم تجد قرائح الفنانين بنماذج جيدة من الشعر والنثر تحرك الخيال وتثير الالهام وتخاطب الوجدان فيصحو من غفوة قاتلة ويتيقظ للحياة طربا ممراحا.

ان الادب - شعرا ونثرا - يفتح للانسان آفاقا رحبة على الابدية فيشعر ان الابواب التى كانت موصدة عادت تنفتح وان الشجن الذى داهمة بدا ينقشع تلوح فى النفس التى افناها الالم اشراقات ما كان لها أن تظفر بها لو لم تحضنها قصيدة رائقة أو عمل فكرى فى أعماق الوجود ليكشف الحجب ويصحح المسار ويدل على الطريق الصحيح.

هذه الاهمية التى يكتسبها الادب يؤكد عليها الاستاذ مزالى لا من مبدا التطرف فى القول أو الرومنسية الحالمة وانما اعتمادا على رجلين تدين لهما البشرية باكبر فتوحاتها هما انشتاين وسان جون بارس.

كلاهما عزز جانب الادب واعتبره ارقى ابداعات الانسان واشدها دليلا على تحضره.

يقول أنشتابين: المفر الوحيد للانسان هو الشعر والادب لانهما هما اللذان يستطيعان أن يكسيا الحياة معنى ويصلحا بين الانسان ونفسه، ان المهم هو تصالح الانسان مع نفسه.

ويقول سان جون بارس: الشعر يجيب عن كل الاسئلة المصيرية الكبرى التى يعجز العلم والفلسفة على الاجابة عنهما.

حول هاتين الشهادتين تتشكل رؤية محمد مزالى لاحدى وظائف الادب الرئيسية وهى اخراج الانسان من حيرته امام الكثير من الغاز الحياة والاسئله المحيرة بحيث يحل الادب محل الفلسفة ليجيب بدلا منها عن استفهامات الأنسان وتساؤلاته. واذا حدث ان خلت الحياة من نسائم الشعر والادب، انقلبت قيظا قاتلا وفقدت بالتالى كل مذاق رقيق، يؤدى الى طمس جانب هام لدى الانسان هو جانب الروح. وتغدو الاحلام والرؤى والخواطر الانسانية حبيسة فى محيط ضيق أو تطمس تماما فيغدو الانسان صلبا لا يفقه من الحياة الا انها طموحات مادية عليه ان يلهث وراءها دون هوادة ودون ان يراجع نفسه أو يتصالح معها. ويترتب عن ذلك حتما ان الانسان يفقد جانبا مهما من انسانيته وتصبح علاقته بالعالم الخارجى علاقة متوترة لان الانسان لم يراع معادلة التوازن بين المادة والروح.

هذه احدى الوظائف الواردة فى ميدان الادب. وهناك وظيفة ثانية هى ان الادب اداة من ادوات النضال يستخدمه الانسان فى مواجهة الظلم والاستبداد وهو أمر نفهمه عندما نتذكر ان الادب رافق المناضلين فى كل زمان ومكان، وكان أداة من الادوات التى تعبئ الجماهير وتعدها للمواجهة الحاسمة. ومن يتذكر بيت الشابى:

اذا الشعب يوما أراد الحياه         فلا بد أن يستجيب القدر

ومن يتذكر الشاعر الروسى (ماياكوفسكى) وهو ينشد على مسمع الدنيا ايتها البندقية يا رفيقتى الكلمة الآن لك، يدرك بجلاء ان الادب حافز نفسانى جليل الخطر وقادح رائع لارادة الجماهير.

هذه هى وظيفة الادب وهذا هو دوره فى حياة الجماهير فما هو مفهومه فى فكر محمد مزالى؟

مفهوم الادب:

بعد الادب فى فكر محمد مزالى تجربة قبل كل شئ اى هو تعبير عن حاجة يحس بها الفنان ولا يجد مناصا من التعبير عنها. فهناك اذن احساس بضرورة التعبير عن هاجس باطنى هو انعكاس للواقع الخارجى وتفاعل معه لا يجد الاديب مفرا من ان يطرحه كرؤية فكرية تمثل موقفا من الحدث أو من الظاهرة التى تجد على الساحة. ويمثل التحدى خاصة اساسية فى معالجة القضايا التى تجد على ركح الحياة والتحدى يعنى نظرة جديدة للحدث أو للظاهرة تتجاوز العادى والمالوف ولا تأخذ من المعطيات سوى الاخلاص للفن والفكر وحداهما دون سواهما.

((الخلق الادبى كالخلق فى ميادين اخرى. ان هو الا ضرب من التحدى))

واذا نحن امعنا النظر فى أمر التحدى لتبين لنا انه موقف بحد ذاته من الماضى أو من المجتمع لفائدة الحاضر أو لفائدة المستقبل، ذلك أن الاديب يرى فى كيان الحياة أو كيان المجتمع اعوجاجا لا بد من تقويمه أو وضعا مترديا يتحتم اصلاحه أو تغييره وتأخذ العملية شكلا هادئا حينا عنيفا حينا آخر. وهى فى كلتا الحالتين اعتداء مشروع على ما اهترأ فى صلب المجتمع ولم يعد متجاوبا مع الطموحات والتطلعات الجديدة. ومن سمات التحدى انه قد يفضى الى تصادم عنيف مع مجتمع يرى الابقاء على النماذج التى ابتدعها أو الفها ضروريا، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من كيانه، ويحتاج الفنان فى هذه المواجه الى قوة شجاعة تعزز خطاه ليس تقاليد جديدة أو ليدل على الطريق المؤدى اليها فيضطر الفنان الى أن يكسر قيما قديمة أو يطمسها تماما، وفى هذه العملية من المخاطرة والمجازفة.

فالتحدى اذن قفزة رياضية فيها اعتداد كبير بالنفس وتقدير متميز للرؤية التى يراها بالاستقرار واشد مسايرة للمنطق المعاصر وبذلك نفهم التحدى

على اساس الاقبال الشجاع على التغير وارتسام آفاق جديدة اكثر خصبا وعطاء من آفاق قديمة استنفدت ما لديها أو اجترها الناس حتى سئموها.

ويؤكد الاستاذ مزالى على مفهوم الثقة بالنفس فى عملية الابداع الفنى لان الثقة بالنفس سلاح فعال فى مواجهة الكلاسيكية والثبات على الاشكال القديمة. وما لم يثق الاديب بنفسه يحتويه المجتمع ويضيفه حلقة الى دولاب صدىء فيفرغه من طاقاته أو يلزمه بالصمت فتذوى احلامه فى أعماقه وتتلاشى رؤاه بعد أن كانت هاجسا وثابا.

ويعد التشاؤم من النجاح فى فكر محمد مزالى من اخطر العراقيل التى تعوق الاديب عن العمل والابداع وتقتل طموحه أو تطمس مواهبه.

ولعل التحدى الذى يعنيه الاستاذ مزالى يتجلى فى محورين بارزين محور الاسلوب ومحور الغرض. فيكون التحدى اذن تجاوزا للقوالب الاسلوبية الجاهزة والمدارس التى اعلنت عن نفسها فى زمن واعتبرت الانضواء تحت لوائها غاية الابداع الفنى. وهو ما لا يقر به الاستاذ مزالى لان ذلك يكلس الادب ويصلبه ويجعل منه قوالب محنطة عليها مظاهر الحياة رغم انها فاقدة لحقيقة الحياة. وبذلك تفقد كل الاساليب كائنا ما كان طابعها مفهوم الثبات السرمدى الذى لا يحول. وليس هناك فى نهاية الأمر من يصح أن يكونوا قمما فى الذوق تحتذيهم الناس ويتخذون منهم مثالا قادرا. ومن هناك فكل المدارس تتألق فى زمن ما ثم يخبو بريقها ليفسح المجال لمدارس أخرى تستقر فى الادب وتصبح ذات اشعاع محدود فى الزمان والمكان. كذلك كانت الكلاسكية والرومنسية والرمزية والسريالية. ولم تستقر مدرسة واحدة منها ليبقى لها سلطان ابدى على الادب. يبقى اذن شئ واحد هو مبدأ التجاوز والتجديد الذى يقول به الاستاذ مزالى على أساس أن الاذواق البشرية فى عملية تحول دائم وتطور مستمر. ومن آمن بغير ذلك كان يجدف ضد التيار ويفكر تفكيرا عشوائيا لا يستند الى أى منطق سليم. وينعكس الايمان بالتطور انعكاسا ايجابيا على الادب لانه يواكب الظروف المتجددة ويصون الادب من السقوط فى التكرار والاجترار.

وما يقال عن الاسلوب يقال ايضا عن الغرض الذى يتسم هو الآخر بمفهوم العلم والتجديد. ذلك أن الادب الحق مطالب بان لا يجعل اليوم يكرر الامس ويجتره. بل هو مطالب بمواكبة هموم عصره وما يجد فيه من مشاعل يومية فيرغب بصورة تلقائية عن اغراض مضى زمانها ونالت حظها من الدرس والمراجعة.

وربما كان هذا هو السبب الذى جعل محمد مزالى يطرح مشاكل معاصرة كأدب الشباب والحرية والديمقراطية وغيرها من القضايا التى يحفل بها عصرنا ويبدو محمد مزالى واعيا بالخطورة التى يكتسيها الجديد على الفنان ذاته لانه سيتصادم مع الجماهير تصادما ينم عن سوء فهم أو عن عقوق ازاء الفنان الذى كرس مواهبه ليفكر للآخرين أو ليغنى لهم. ومن شأن هذا العقوق فى رأى الاستاذ مزالى ان يكون حافزا على المثابرة والاصرار على الخلق والابداع

يستطيع الاديب أن يستمد من عقوق الناس وتكالبهم عليه مثابرة وقدرة على التحدى والمواصلة.

هكذا يبدو مبدأ التحدى مبدا مهما فى فكر الاستاذ مزالى لان الجمهور يصطدم بما لم يألفه من مواهب جديدة فيواجهها بالاعراض أو الاستخفاف واللامبالاة، وهى نفسية تثبيط واحباط ينبغى ان يتفطن لها الفنانون والمبدعون حتى لا يسيطر عليهم مركب الاحباط الذى اشرنا اليه آنفا فيكفون عن الابداع والخلق لانهم لم يجدوا من يهتف لهم أو يتجاوب واياهم. يجب أن لا ينخدع الفنانون بمؤامرة الصمت أو مؤامرة الاستنكار والاستهجان التى تقتل الادب وتحمل الادباء على القعود والتقاعس، وهى عملية تجلى مفعولها فى الادب التونسى خاصة.

ان ما عاق الادب التونسى فى نظرى عراقيل نفسية مركبات مختلفة جعلت اكثر الناس لا يؤمنون بان فى مقدور هذه البلاد أن تنتج ادبا ذا قيمة فاعراض الناس فى تونس عن قراءة الاثار الادبية التونسية خاصة يعود الى مركب نقص

الى قضية الاحباط النفسى التى يواجه بها القراء أدباء بلادهم على أساس انهم ذوو قرائح فجة عاجزة عن انتاج العميق والرائق. ومن المعلوم أن نزعة الازدراء هذه غذاها الاستعمار الفرنسى وزادت من حدتها دوامة الانشطار بين حضارتين متباينتين هما حضارتا: الشرق والغرب اللتين تتنازعان الانسان التونسى وتشوشان فكره وتعرقلان صحوته الصحيحة.

ان هذه العوائق يمكن تجاوزها بالمثابرة على العمل وبتكرار التواصل لخلق سنة ادبية فى صفوف الجماهير تعتز بانتاج الادباء وتعتبره مكسبا من مكاسبها ورصيدا نفسيا من الارصدة الحضارية التى تمتلكها.

ويفرق الاستاذ مزالى بين نوعين من الادب ادب زائف لا يثبت لامتحان الظروف وادب حق مؤهل للثبات والمواجهة.

الادب الحق ... يكتب شعورا بحاجة ملحة وتعبيرا عن تجربة صادقة هو ادب الاحرار.

واذن فان الادب ادبان، أدب نابع من الاعماق فيه صدق المعاناة وحرارة التجربة - الحياة، وأدب سطحى لم يتعامل فيه الانسان مع الحدث ولم يكتو بسعير الحياة فهو فى نهاية الأمر ادب التجار والسماسرة الذى يوظفون فكرهم وفنهم فى خدمة المناسبات العارضة فيقولون ما لا يعتقدون فاذا فكرهم تافه ممجوج لا حرارة فيه ولا حياة. فى حين أن الادب الحق يرفض أن يكون موظفا فى البلاطات يعربد على الناس فى فجاجة واضحة تذكرنا بعديد المواقف التى يلعب فيها الادباء دور المهرج بشكل يفصح عن النفاق الفكرى والتضليل الغوغائى.

ان الادب الذى يرفضه الاستاذ مزالى هو الادب الاجوف الذى يسقط فى الثرثرة الفارغة والنقاد وحدهم هم القادرون على مقاومة هذه النزعة لتصحيح المسار ورد الاعتبار الى الفكر حتى يتجاوب مع الكون من حوله ويكتب الاديب طبقا لما يحس به لا وفقا لما يملى عليه من الخارج وهو الفارق الهام الذى هو بين

اديب يعرف من الذات وأديب يتقول على الذات بين أديب يغرف من البحر وأديب وينحت من الصخر فواجب الادب ان يتصف بالصدق مهما كانت اغراضه.

يكتبون على الحياة ولا يكتبون فى صلبها لانهم يتجردون من مبدا الصدق ادباء انتهازيون يرددون رجعا خاويا لا روح فيه ولا حياة.

فاذا كان الادب يحتل هذه المنزلة من فكر محمد مزالى فانه يبقى ذا حقل خاص يجوس خلاله ويرتاد مجاهله ليظفر برؤية جديدة تهز اعماق النفس وتشفى غليلها.

مادة الاديب:

ان الاديب فى اعتقادى يتبنى الكون ويتعاطف معه ويتشربه، ويتطلع الى ما فيه جمالا وقبحا خيرا وشرا، حقا وزيفا، عدلا وجورا، واقعا وسرابا يقينا ووهما، عظمة وحقارة، فتدوى به نفسه ثم اذا هو يعبر عن ذلك تعبيرا ذاتيا مصطبغا بروحه وشعوره ونظرته للحياة.

الكون اذن هو مادة الاديب فى نظر محمد مزالى يزوده بالمفاهيم والرؤى المتجددة. اى ان الاديب ينبغي ان يتفاعل مع الحياة ولا يحلق بعيدا عنها. ومن البديهى ان أدب الصالونات والابراج العاجية أدب مرفوض من السياق الفكرى لمحمد مزالى لانه ادب حاد عن الحقل الحقيقى الذى يمد الادباء بطاقات الخصب والنماء وبالتالي فان ادب الصالونات والابراج العاجية أدب مهمش يذكى نرجسية الاديب واحلامه الذاتية بمعزل عن الكون الذى يعيش فيه انه أدب لا مسؤول لم يعرف طريقه الحقيقى، ومآله فى نهاية الأمر الى الضياع والتلاشى حتى من ذاكرة القلة القليلة التى تعيره اهتماما عارضا. ولم ينس الاستاذ مزالى ان الغرض الفكرى يقدم فى اسلوب معين يجعله ذا طابع متميز يتجلى فيه الجميع بين صدق المعنى وحرارة الكلمة.

موسيقى العبارة وتوازنها والصور الموحية والحساسية فى التعبير امور يمتاز بها الاديب الحق عن شبه الاديب ومدعى الادب.

هناك اذن طابع أسلوبى يتشكل فيه المعنى، ومن خصائصه انه يحرك الاعماق الانسانية ويهزها هزا بما له من رنين ووقع فى نفوس القراء، يتضح فى الحرارة التى يخلقها فن الخطاب الادبى فى اعماق القارىء فيهتز لها ويفعل بها كما ينفعل بألوان لوحة وانغام سمفونية رائعة، تخلق فى اعماقه حالة جديدة لم تكن له قبل ان يتعامل مع النص الادبى، هذه الرؤية الاسلوبية تنبع لدى الاستاذ مزالى من حاجة أكيدة الى صياغة الادب صياغة رائقة تجتنب الحوشى والسوقى والنشنشة السمجة، وبذلك يساهم الاديب فى خلق الذوق الجميل لدى القراء ولدى النقاد معا وقد يخلق مدرسة لها اتباعها وانصارها وهذا ما جعل الاستاذ مزالى يقدم قضية الصياغة باسلوب شاعرى يبقى بعدك هذا اللحن الفريد من نوعه الذى يحرك دواخل نفسك وسواكن ذاتك.

هذا الجمع بين مادة الاديب واسلوب الصياغة يكرس العلاقة الحميمة بينهما ويجعلهما متلازمين ليتواصلا مع القراء. بحرارة ويضمنا اشعاع الاديب والابقاء عليه منارة من منائر الابداع العظيم. ولا يمكن للاديب أن يتصرف وينتج اذا لم يكن حرا ومن هناك فان اى عمل ادبى يجب ان يرتبط بالحرية وقد بقى الاستاذ مزالى صعب المراس فى هذه القضية حريصا على حرية الادب حرية مطلقة لا تتقيد بقوانين اخرى غير القوانين التى يضبطها الاديب لنفسه. ويبدو أن منطلقات الاستاذ مزالى منطلقات متاثرة بكبار الفلاسفة الغربيين ذلك انه استدل فى هذه القضية بما قاله فولتير: ((إنى أخالفك فى كل كلمة تقولها، ولكنى سأدافع حتى الموت عن حقك فى قولها)).

حرية الاديب واحدة من الاراء الكثيرة التى تشبع بها الاستاذ مزالى فى المدارس والكليات التى انتسب اليها واستقرت فى اعماق وعيه استقرارا جعل منها منظورا فكريا يكرس الحرية مبدأ ثابتا منطلقا لكل عمل ادبى اصيل. ويعتمد الاستاذ مزالى للتدليل على اهمية الحرية بمبدأ التغير والتحول فى الفلسفة، اياك والمعقول والمنطقى والمسلم به والذى لا يختلف فيه اثنان وعبارات

أخرى من هذا القبيل. ينبغى اذن للاديب أن يتحرر ويتجاوز العادى والمألوف اذا أراد أن يجدد ويتجدد ويكون جديرا بلقب الاديب ويرفض تبعا لذلك قضية الالزام فى الادب لان الالزام تسخير يجعل الاديب بوقا دعائيا يرد صدى غيره لا لواعج نفسه.

الحق ان تسخير الكاتب هو شر ما يهدد الادب الاصيل وينزل الى مستوى الدعاية المحدودة الغرض المتصلة بالملابسات العارضة والظروف المتبدلة الزائلة.

ان قضية التسخير قضية تقول بها الاشتراكية كمبدأ اساسى ومعتقد فخرى وان كل شئ يجب أن يكون موظفا فى خدمة الدولة، وبالتالى يجب ان يرافق الادب الجماهير ويناضل معها جنبا الى جنب. هذه القضية يسميها مزالى الزاما للادب ينجر عنه ربط الفكر بعجلة السياسة وجعله ذيلا من ذيولها. ويحتج على فساد هذا الرأى من ناحيتين هما: ان السياسة متغيرة، وان ما يبدو فى زمن ما مثاليا ونموذجيا يعد فى زمن آخر سمجا ومبتذلا تجاوزته الاحداث.

وهكذا يبقى محمد مزالى مفكرا متحررا بالدرجة الاولى مؤمنا بان للادب دورا رئيسيا فى حياة المجتمعات الانسانية رافضا القيود مهما تكن اشكالها ومهما تكن الاثواب التى تتشح بها. وبذلك يبقى محمد مزالى منضويا تحت لواء فلسفى اقرب ما يكون الى الوجودية التى لا تعترف باى سلطان خارج على سلطان الانسان فى كل ما يقول ويفعل. لعلها الفلسفة الفكرية التى رافقته فى الدفاع عن الحرية والديمقراطية لخلق مناخ سليم خال من الضغوط بمختلف أشكالها حفاظا على صيانة الفكر وصفاء الفن وحماية الادب من التقهقر والاسفاف.

اشترك في نشرتنا البريدية