الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

فن الترجمة

Share

الترجمة فن يختلف عن فن  الانشاء موضوعا وشكلا سهولة وصعوبة فهو سهل  اذ لا تحمل المسؤلية على المترجم  للمعنى المنقول منه . ولا يكلفه عناء البحث

وتركيز الشعر وتنسيق الاسلوب المترجم بالموضوع وهى صعبة من نواح عديدة ،  منها ان الترجمة ، تكد الدهن وتحبسه ، وتمنع الخاطر ومنها انها لا تزيد فى  معنويه المترجم شيئا بل تنال منها ، فالكاتب عند ما يكتب يجد تشجيعا من عند  نفسه سواء ناله من غيره او لم ينله ، ويطرب لفنه قبل ان يطرب له قارئه ،  والقطع الادبية نطما كانت او نثرا قطعة من صاحبها او مخلوقة له كما يقولون  ينظر اليها الكاتب نظر والد الى ولده ) والقرد  فى عين امه غزال ( اما الترجمة ، فمهما احال المترجم تراب المعنى المفصول منه ذهبا  ببراعته الفنية ولكن حظه ، سواء فى نظره  او عند غيره ، لا يعد وانه لغيره ، يكتب لغيره ينجب لينسب الى غير اسمه وآكثر من هذا كله ، ان خيره يضاف الى صاحب   النص ومساوئه الى تقصير المترجم

. . ومن ناحية اخرى ينسى القراء ما يتكبده  المترجم من جهود فى اتقان  الترجمة واداء الامانة ، ثم لا يغفرون له زلة فى عمله مهما كان العمل  ضخما ، ولو كان العمل الادبي المترجم منه  لصاحب شهرة او سمعة حسنة فى

الاوساط العلمية فزلاته كلها تنسب الى المترجم اذ يستبعدون منه ان ياتي معنى ركيكا او اسلوبا مهلهلا فيزعمون انه ناشئ  من المترجم وتصرفاته وعدم مقدرته ،

رحم الله فقيد الادب والاسلام العلامة  الدكتور عبد الوهاب عزام فقد عرف شاعر الاسلام محمد اقبال إلى العالم العربي بتراجمه التى تدل على مواهبه ومقدرته على اللغتين الفارسية والعربية ولو لم تكن  تراجمه لما عرف العالم العربي اقبالا  بمثل ما عرفوه اليوم ولا يستطيع  تقدير عمله الادبي الضخم الا من تسنت له تجربة نقل شعر فى لغة الى لغة اخرى مختلفة تمام الاختلاف عن الاولى في الجو  الادبي والملابسات الشعرية ورموزها - ومصطلحاتها ، ولكن بعض زلات يسيرة  بدرت من قلم العلامة الدكتور عبد الوهاب  في تادية المعنى فهجم عليه الناقدون واخذ  عليه العلماء المعنيون بقضايا الادب والفكر وهنا الاستاذ الكبير احمد عبد الغفور عطار  كتب غير مرة انه ترجم لشطر معناه منزلنا  ليس ببعيد . بلفظ منزلنا قريب والفرق بين  التعبيرين واضح ، ولكن الاستاذ العطار  شغلته هذه الزلة عن ترجمة مئات الابيات  الشعرية التى استطاع فيها عزام ان ينقل  الجو الاولى الذي يحيط بشعر اقبال الفارسي  

فى الترجمة عمل اصعب على  وليس المترجم من نقل الجو الادبي ، فقد يقدر المترجم على تذليل عقبات  المصطلحات والرموز وبيان التلميحات  والإشارات الخفية الخاصة ، ولكنه يتعسر  عليه جدا نقل تلك الملابسات التى ينفرد  بها ادب دون غيره ، وبدون مراعاة هذا الفرق  البائن في تلك الملابسات تحدث من التراجم  الصحيحة افكار خاطئة ، ومثال ذلك ان  مستشرقا كبيرا قال عن الحافظ الشيرازي

والحافظ من أساطين الادب الفارسي  الكلاسيكي : انه لم يكن يعرف شيئا عن  تاريخ الامة الفارسية واستدل على ذلك بشعر   فارسي لحافظ : ) ما قصة سكندر  ودارا نخوانده ايم ازما يجز حكايت مهرو   وفا مبرسي ( وترجمة هذا البيت هى : اننا لم نقرأ قصص ) اسكندر ودارا ( فلا تسالنا  الا عن الحب والوفاء ، فكان استدلال  المستشرق الكبير بالشطر الاول من هذا  الشعر وهو اننا لم نقرأ قصص سكندر ودارا فبرهن بذلك على دعواه ان حافظا كان يجهل ابسط مبادئ التاريخ الفارسي والواقع ان هذه الفكرة الخاطئة لم تنشأ من الترجمة التى اطلع عليها المستشرق فانها كانت أمنية ، غير ان المترجم لم يستطع نقل ما اسميه الجو الادبي المحيط بالشعر

الفارسي ، فهذا الجو في شعر حافظ يفصح عن استنكار الشاعر لقصص البطولات  الحربية وذكر الدماء والاشلاء التى توجد في حروب اسكندر ودارا ، وانه يعافها ولا

يريد الكلام عنها ، ويتمنى  ان يعيش فى  جو يسوده السلام والرفاهية ، لا البغض  ولا الكراهية ، بل الحب والوفاء والمودة  ، فعبر عن هذا المعنى بقوله ، اننا لم نقرأ تلك القصص ، فلا تسالني عنها ، واسالني إذا شئت عن الحب والوفاء .

ومثال اخر للوقوع في الفكر الخاطئ من الترجمة التى لم يراع فيها نقل الجو الادبي ، ما يراه السواح في الهند منقوشا على جدران القلعة الحمراء بدلهي : " اكر فردوس بر روتي زين است " همين است وهمين است وهمين است ومعناه ان كان الفردوس على  الارض فانه لهذا ، انه ليس الا هذا ،  وليس الا هذا بعينه : ولكن الترجمة الحرفية

الصحيحة هي - ان كان الفردوس على الارض لهو هذا ، لهو هذا ، ولكنها - اى  الترجمة - على امانتها غلط ، لان الجو  الشعرى فى البيت الفارسي بتكرار همين  است ثلاث مرات يدل على تأكيد الدعوى  والإصرار عليه ويفيد معنى الحصر ، وقد  وجدت الترجمة الانجليزية لهذا البيت على  اللوح تحته بتكرار كلمة Itis ls ثلاث  مرات ، غير ان جفتاي ، عند ما ترجم الى  الانكليزية فقد راعي جانب الجو الادبي  فكتب Itis this , nothiyabuththis Isoully this

أما ما يحدث من تراجم المصطلحات  والتعابير الخاصة فى لغة الى  اخرى حرفية من مضحكات فلها قصص فى كل لغة وطرائف ، وآخر شئ من  هذا الطراز ما رأيت هو التعبير الانكليزى  ) الشائع في امريكا بين العامة ( للجهد المضني الشاق إFting toothn قد  ترجم هذا التعبير حرفيا في الأردية في  احدى الروايات فكان معناه ان بطل القصة  عاد هرة تخدش بانيابها وظفرها ، هذا  بالنسبة للاعمال الادبية أما التراجم القانونية  والصحفية فقد لا تخلو من الصعوبة غير انها  يسيرة نسبيا لان المصطلحات مقررة فى كل  لغة ازاء كل مصطلح سياسي او عرفي ،  وقد يطرأ بعض الالتباس على المترجمين  بسبب تقارب مصطلح مع اخر ، ومثال

ذلك ان مصطلح Disurmhment يترجم   بكلمة نزع السلاح ، ولكن قد تترجمه بعض  الصحف بتعبير آخر هو تجريد المنطقة من  الجيش ، والواقع انه غير نزع السلاح   ولتجريد منطقة من الجيش كلمة ازاءها وهي Demilitaril IZat ' on   فالاول

يدل على وجود جنود نزعت منهم الاسلحة  والآخر على تخلية منطقة ما من سلطة الجيش وامثالها كثيرة ، واخيرا قد سمعت  ان الغرب تمكنوا من اختراع آلة للترجمة  فحمدت الله على الخبر وقلت : حقا ان عملية  الترجمة للآلة اليق منها بالانسان .

اشترك في نشرتنا البريدية