ما أكثر الاعمال التى تمتد اليها الأيدى ، وما أعمها ، ولكن ما أقل تلك الاصول التى تهدي إلى هذه الأعمال :
فأولا : اختيار مهنة من بين مهن شتى ولما كان الذكاء البشرى،والقوة الانسانية محدودين ضعيفين فلن يتم شيئا من أراد أن يخوض كل شئ ؛ ولعله قد مر بكم - يا قرائى -أناس يهدهدون أنفسهم، ويوهمونها قائلين : أستطيع أن أكون فنانا عظيما ... باستطاعتى أن أصيب أعظم النجح فى عالم التجارة ... لو خضت دنيا السياسية،لأصبت فيها توقيقا مدويا ...
ولتثق ولتطمئن أن شخصا كهذا لن يكون الا فنانا تافها ، وتاجرا بائرا ، وسياسيا مدحوضا ...
ولقد علمنا نابليون أن فن الحرب ، أن تكون أشد وأقوى من قريعك فى اللحظة الحاسمة الفاصلة ، أما فن الحياة ، فان تنصب أمامك هدفا معينا، وان تحشد جميع قواك للوصل إلى هدفك المرتجى ... ويجمل ألا تترك اختيار الهدف لمحض الاتفاق والصدقة ؛ وألا ترجو خيرا فى مهنة لم تخلق لها ، فاذا اخترت فلا تغير
ولا تبدل إلا أن يكون ذلك من فوق يدك ومن وراء طاقتك، فاذا اعتنقت مهنة ما؛ فما برحت أمامك اختيارات وانتقادات،فما كل كاتب بقادر على كتابة كل الروايات، ولاكل مخبر بمستطيع ان ينهض بكل المهام ، عليك أن تستعرض جميع مواهبك وتجاربك وان تنتقى المهنة التى يؤاتيك فيها النجاح أكثر مما عداها ...
هناك رجال يستمرئون الاهتمام بكل شئ، فهم خير الحديثين- اذا تحدثوا- وأبهج الصحاب ، وأخف الرفاق ، وهناك رجال يكرسون حياتهم لمهنهم ، أولئك الذين يبرزون أحسن النتاج وأنضجه فى زمن محدود معلوم فليس أمامهم الاهدف واضح بين ،وهم - كما ينعتهم الامريكيون - ذو وعقلية عملية موحدة وقد يضجر هؤلاء من أنفسهم ؛ ويضيقون ذرعا بجمودهم وهوسهم ، ولكن ما تفتأ غاراتهم المتداركة أن تدك كل عقبة كأداء فى طريقهم دكا .
ثانيا : ينبغى أن تثق فى نجاحك إذا حدد الهدف تماما ، فتفاد ماعسى أن يواجهك من الحوادث،وإياك وأن تعزم أمرا ، لا تدركه قوتك ، فالخيبة تقود إلى فقدان الثقة بالنفس ، وشل الحماس الدافق فيها ، لقد كان جوته ينصح الناشئين من الشعراء ؛ أن يبدأوا بنظم المقطوعات القصيرة ، قبل أن يتناولوا الملاحم الطوال ، وإنه لاحجى للمرء عندما يعتزم عملا معقدا ،أن يبدأ بأبسط شئ فيه ، فاذا كانت رحلة ما أطول من أن تطويها فى زمن واحد فقسمها أجزاء ، أجزاء ، والمسافر الحازم ، من ثبت عينيه فيما أمامه من السبيل ، قبل أن الى آما يرمى ببصر فسيحة واسعة وستلفى قلبك - بعد تجارب يسيرة - أجلد وأجرأ ،وستجد نفسك أهدأ وأثبت من ذى قبل ؛ فالمؤلف الذى استطاع أن يخرج كتبا جديدة لا يخالجه لا ريب ، فى أنه سينهى ما بدأ من الكتب ؛ ولو انه تناول سلسلة من الكتب لأقبل عليها بثبات جأش ورباط قلب وانتهى منها وشيكا .
ويظن الأخرق أن الأعمال تنتهى - لا محالة - الى خير النتائج وأبلغ النجاح ويظن خوار العزيمة أن لاشئ يمكن أن يتم ،ما لم يستنفد من الانسان أضخم مجهود؛ أما العاملون الحازمون فيعلمون أن كل شئ سيتم...ولكن خطوة تلو خطوة ...
ثالثا : نظم عملك كثير من الخلق يشكون ويندبون قصر العمر، ولكن أيقال-حقا - انهم حيوا وعاشوا ثماني ساعات فى اليوم الواحد ?! إن العمل الذى ينجزه رجل جالس الى مكتبه أو قاعد فى مصنعه أو متجره - فى ساعات الصباح فحسب لعمل محير معجز فى ضخامته والكاتب الذى يسود صفحتين كل يوم؛يخرج - فى نهاية حياته - على الناس بعمل يضاهى اعمال بلزاك أو فولتير كمية ان لم يساوه عبقرية وابداعا ...
ولا يجزئ المرء أن يستقبل مكتبه يوميا ،وهو لا يحمى نفسه من اولئك الذين يبعدونه عن اعماله ؛ ولا ريب أن عملك سيتضخم كالمتواليات الهندسية ان لم ترزأ بشخص يقطعه عليك قطعا ،وكذلك يقال فى الكاتب الذى يغلق ابواب العالم الخارجى ؛لتهوم أفكاره وخيالاته فى حرية تامة ،والعمل المرزوء بالقطع لا تلبث آثار هذا القطع أن تظهر فيه .
فعليك أن تبعد هؤلاء الذين يبددون أوقاتك،هؤلاء الذين يسميهم مو نثرلنت: بآكلى الوقت .. Chronophage وهم عارون عن الحياء تماما،وعلى استعداد لان يضيعوا آخر ثانية من زمنك دون أن يجهدوا افكارهم ،فيما كنت فاعلالو لم يزعجوك هم يطلبون زيارتك ؛ويتصلون بك تليفونيا وبريديا..والصبر على هؤلاء موت ،وعليك أن تردهم فى عنف وقسوة وإن أريتهم أقل تشجيع منك، لكان ذلك منك بمثابة الانتحار..لقد كان جوته استاذا فى هذا الموضوع،وهو يقول:
(( يتحتم عليك أن تتخلص من هؤلاء الذين يهبطون عليك من دون موعد مضروب،هؤلاء يشتهون أن تشاركهم فى افكارهم وأن تهتم بأمورهم،اما انا فلست فى حاجة لان اعرف أفكارهم ولدى من اعمالى ،ما انا حائر كيف انهيها ... ذلك الذى يود أن يعمل للعالم شيئا عليه ألا يسمح لنفسه بهذه التوافه )) ..كان من عادة جوته أن يشطر ما يرده من بريده شطرين : اما هؤلاء الذين يطلبونه شيئا ،فقد كانت رسائلهم سرعان ما تنحدر الى سلة المهملات،اما الذين يعرضون ويقدمون شيئافما كان يولى الاهتمام لامر منها الاما يعود عليه بنفع عاجل أو آجل ولكأنه يقول: (( آه ... ايها الشباب ... انكم لا تدركون قيمة للوقت )) وكان كثير من عاصروا جوته يرمونه بالفظاظة ولكنها هى التى جعلته يخلف أعمالا كفاوست ولهلم ميستر.

