الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

فن القصة العربية الحديثة في فلسطين ، جذوره ونشأته

Share

نشأة فن القصة الفلسطينية الحديثة :

كما رأينا فإنه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت المحاولات لبناء قصة عربية حديثة . وقد مرت هذه المحاولات بالترجمة والتوليد ثم التقليد والإحتذاء وأنتهت بالخلق والإبداع.

ولا شك أن فلسطين قد عاشت الظروف المرحلية السابقة لتطور فن القصة ، وأستفادت من المحاولات الرائدة . ولهذا يكاد تاريخ نشأة القصة العربية الفلسطينية الحديثة يكون موازياً لتاريخ نشأة هذا الفن في أجزاء أخرى من الوطن العربي . وإن تأخر عنها في الظهور والتطور أو فى النضج وشهرة أعلامه - لفترة ما - فإنه اليوم يقف في الطليعة ونتاجه الجديد يبشر بمستقبل وضاء في عالم القصة العربية والعالمية الحديثة بما يضيفه من عناصر تجديدية وقد أستمدت القصة الفلسطينية الحديثة شخصيتها من عناصر تراوحت بين الرجوع إلى التراث القومي والتأثر بالإتجاهات الأدبية المعاصرة وإستلهام التراث الشعبي.

في النصف الثاني من القرن الماضي كانت تروى فى جميع أنحاء فلسطين تلك القصص الشعبية التي عمت أرجاء الوطن العربي مثل " سيرة عنترة " و " الهلالية " و "الزير سالم" و"قصص الشطار" التي كانوا يمزجون فيها بين قصص " ألف ليلة وليلة " و " كليلة ودمنة " و " المقامات " وكانت على شكل مقامات مسجوعة الأسلوب ، تغص بالصور الخيالية ، يشرك الإنسان والحيوان - على حد سواء - في مجريات أحداثها

ويمكن اعتبار رواية " أم حكيم " للشاعر محمد أحمد أحمد التميمي أول قصة فلسطينية مكتوبه بالفصحى ( 25 ) وحذا حذوه ميخائيل جرجس " جرجيس ( عكا 1855 - ) وشاهين عطية ( 1835 - ) ( 26 )

وبحكم مكانة فلسطين المقدسة وموقعها الإستراتيجي فقد كانت محط أنظار وأطماع الدول الأجنبية التي وفدت إليها تحت ستار التبشير الديني لكى تحقق أهدافها الإستراتيجية والإقتصادية . وهذا الإتصال بغض النظر عن مآربه فقد مكن الفلسطيني من التعرف على كثير من اللغات الأجنبية في وقت مبكر ، فأطلع على آدابها القصصية ، وترجم ولخص وأقتبس وقد أرتبط القصص المترجم في بداية هذه المرحلة بالدعاية الدينية والأغراض التعليمية مثال ذلك تسع قصص إنجليزية ترجمها وقدم لها بولس صدقي تحت عنوان " تسعة أمثال لربنا يسوع المسيح " ( 27 ) وهكذا كادت الرحمة في هذه المرحلة تقتصر على جانب الإصلاح والتعليم لولا ظهور خليل بيدس ( 1949-1875 ) الذي درس الأدب الروسي وكان أول من ترجمه إلى العربية فمن ترجماته إلى العربية " أبنة القبطان " لبوشكين و " القوزاقي الولهان " و الطبيب الحاذق " . وفي هذه الفترة أيضاً قام روجى الخالدي بدرسه وعرض قصص فيكتور هيفو وذلك في كتابه " تاريخ الأدب عند الأفرنج و" الطبيب الحاذق " . وفي هذه الفترة أيضاً قام روحى الخالدي بدرسه القصة الفلسطينية برواد النهضة العربية الحديثة ، وليس هذا بغريب فقد اتصلوا شخصياً برفاعة رافع الطهطاوى الذي جال في فلسطين وتركيا وأقام . طويلاً فى دمشق ( 29 ).

وفي سنة 1908 تزدهر الصحافة و" يتخذ الصحفيون من القصة والأقصوصة والحكاية والرواية مقبلات في صحفهم تثير شهية القارىء إلى غيرها من الموضوعات " ( 30 ) وقد أشار خليل بيدس الذي كان له فضل الريادة في هذا الحقل إلى ذلك بقوله . فلا يخفى ما للروايات على إختلاف مواضيعها من التأثير الخطير في القلوب والعقول حتى أعتبرت أنها من أعظم أركان المدينة عقدنا النية على إصدار هذه المجموعة نضمنها من الروايات الأدبية والفكاهات العصرية ما يتوق إلى مطالعته والتفكه بتلاوته كل أديب"  أما طريقة الترجمة في هذه الفترة فقد أوضحها بيدس نفسه عندما ترجم رواية " الأشقاء الملوك " فقال : " هذه الروية عربناها عن الروسية وتصرفنا فيها بزيادة أو نقصان ، وتغيير وإبدال وتبويب وغير ذلك لتوافق ذوق القراء " ( 32 ) وهذا التصرف في الترجمة نجده بجلاء في ترجمة بيدس لرواية تولستوى "أهوال الإستبداد " حيث أضاف اليها أبياتاً من الشعر العربي في الأماكن المناسبة " وكان أخطر ما تعرضت له الروايات المترجمة الحذف والإختصار الذي يكتفي بالإبقاء على الخطوط العريضة لإحداث الرواية مع ضغطها ضغطاً شديداً بحيث تتحول الرواية إلى ما يشبه الحكاية أو القصة القصيرة " ( 33 ) وهذا ما فعله خليل بيدس في ترجمته لرواية " الحسناء المتنكرة " ( 34) تمشيا مع طريقة الترجمة القصصية التي سادت الوطن العربي في هذه الفترة ( 35 ) وقد أعجب بيدس بالقصاصين الروس وخاصة بوشكين الذي حذا حذوه في إقتحام التأليف القصصي ممهدا لذلك بالترجمة عن الروسية مختارا روايات ذات موضوعات اجتماعية وتاريخية وغرامية . وبهذه الروايات المترجمة التي تتضمن صراعاً بين الفكر والسياسة والدين والمجتمع وضع خليل بيدس القواعد الاساسية لمدرسته القصصية .

إن ظاهرة الصراع التي تضمنتها قصص بيدس ورفاقه المترجمة نجدها أيضاً في القصص المؤلف في هذه الفترة ، وكما أن بيدس يعتبر علم القصة المترجمة فإنه يعتبر أيضاً علم القصة القصيرة المكتوبة ، فقد نشر قصصه

القصيرة في مجلته " النفائس العصرية " ثم جمعها في كتاب " مسارح الأذهآن " على أنها " مجموعة فنية أدبية روائية في حقيقة الحياة " تحتوي على أثنتين وثلاثين قصة من الأدب الهادف إلى خدمة الجماهير ذات إطار فني يتراوح بين التاريخ والإجتماع والدين والأسطورة والعلم والفلسفة والتربية والتعليم ، وبيدس في قصصه على إستعداد للتضحية بالخيال والطرافة في سبيل إثبات حقيقة واقعة أو الدفاع عن فكرة تروقه . ففي " حجر الفلاسفة " مثلاً " رأى أن العبودية شر ما أنتجه الإنسان لشقاء الإنسان وقرأ ذات يوم مقالاً في بعض الأسفار القديمة عن حجر الفلاسفة أدرك أخيراً أنه الحرية والمساواة والإخاء " ( 36 ). وفي قصة " مسارح الأذهان" يكشف بيدس عن إيمانه بالجماهير وحتمية إنتصارها حتى يدفع أحدى الشخصيات إلى النطق بهذه العبارة : " خل عنك لا تعلق على الأمر هذا الإهتمام كله ، فستفيق الأمة يوماً ويرتفع حجاب الضلال عن أبصارها " .

إن اللهجة الخطابية وتغليب الغاية على الفن في مجموعة "مسارح الأذهان " جعل الباحثين يعتبرونها من نتاج المرحلة السابقة لإصدار الدستور سنة 1908 ، وإنها ليست أكثر من نتاج كاتب متمرس بطرائق السرد والقص عن طريق الممارسة ( 37 ) وقد أشتهر من كتاب القصة القصيرة على طريقة بيدس في هذه الفترة جبران مطر وفارس مدور وإبراهيم حنا والسيدة كلثوم عودة ، أما في مجال الرواية المكتوبة فنجد لحنا ذكرت رواية " ظلم الوالدين " ورواية " أهل الشقاء " التي يرد فيها أسباب شقاء البشر إلى رجال الدين . وفي هذه الفترة يضع الشاعر إسكندر الخوري البيتجالي رواية واقعية في وصف أهوال الحرب العالمية الأولى بعنوان " الحياة بعد الموت ".

أثر إنتهاء الحرب العالمية الأولى اتسمت عملية الترجمة بالسرعة وعدم التدقيق فيما يختار للنشر ، فترجمت الروايات الخيالية ذات الحوادث الغريبة التي تعتمد على المفاجأة وهى نوع يعرفه النقاد باسم : ( romance)

وعنه تتفرع الرواية البوليسية المعتمدة على المغامرة والعقد الروائية المثيرة التي تشد القارىء وتجعله ينتظر النهاية بلهف شديد . وكمثال للترجمة في هذه المرحلة يمكننا الإشارة إلى نتاج أحمد شاكر الكرمي الذي ترجم عدداً من القصص ضمنها كتابه " الكرميات " ( 38 ) الذي تتراوح قصصه بين النماذج الدينية والفلسفية والجدلية والأسطورية . أما الطريقة التى ترجم على أساسها الكرمي فقد وصفها بقوله : " إننى أحترم أيضاً رأي سواى وأحرص على الأمانة في نقله ولا أبيح لنفسي العدوان عليه بزيادة أو نقصان ( 39 ) وأحترام مضمون العمل المترجم أمر أفتقدته ترجمات المراحل السابقة كما أشرنا إلى ذلك من قبل . ويتضح من ترجمات الكرمي أن الهدف الديني غالبا ما كان يكمن وراء أختياره لترجماته ، وقد صرح بذلك في تقديمه لرواية " خالد " . ( 40 ) وكان في ترجمته يراعي العادات والتقاليد المحافظة في المجتمع الفلسطيني فإذا تعرض مثلاً إلى ترجمة موقف قصصي يتعارض مع الذوق العام أومأ به دون تصريح . ولكن تلميحاته جاءت في كثير من الأحيان سافرة أكثر من التصريحات . وذلك كما يتضح فى قوله: " تجلدن الآن أيتها النساء جميعاً ولا تصبين جام غضبكن على رأسي ، فإن أمانة النقل تقتضي علي بأن أقول الحق وأن ثلم صيت قصتي . ولكني أصوره في الألفاظ الصريحة بل أشير إليه إشارة وأومئ ايماء ، أنني لا أتعرض لوصف العمل العاهر الذي قامت به السيدة على الشجرة وسأبقية سرا مكتوماً لا أبوح به لإنسان ولكني لا أشك في أن ميا تحلف بالله صادقة أنها لم تر في حياتها ساعة أهنأ من تلك الساعة ولم تعمل عمرها عملاً أسر من ذلك العمل ولا أرضى " ( 41 )

ونجد تقاربا بين منهج بيدس ومنهج الكرمي فى الترجمة من حيث الإهتمام بالهدف والغاية وإن كان الأول أهتم بالمضمون دون الشكل فإن الثاني التزم الأمانة في الترجمة . هذا بالإضافة إلى أن ترجمات الكرمي لم تضف إلى صرح القصة الإجتماعية الهادفة التي بدأها بيددس إلا النزر القليل ، وكأني بها تعود بالقصة المترجمة إلى الوراء . وهذا الأمر طبيعي لأن القصص التي ترجمت يمكن إدراجها في قائمة ذلك النوع من القصص المسمى Romance

وهو الذي أعتبره نقاد القصة العالمية نقيضاً للرواية الفنية ، حتى أن كيت في دراسته لنشأة الرواية الإنجليزية أعتبر المدة التي سادت فيها هذه الروايات فترة جمود في تاريخ الرواية الإنجليزية ( 43 ) .

أما القصص البوليسية التي تعتمد على الإستثارة دون النفع العام ، فكان جميل البحري فى مجلته " الزهرة " علم هذا الفن ، حيث نشر روايات تمثيلية مثل " اللص الظريف " و " قاتل أخيه " ( 43 ) التي مثلت على كثير من المسارح العربية داخل وخارج فلسطين ، وفي ترجمة هذه الروايات حشر الشعر حشرا كما هو الحال في رواية " الخائف " . أما مذهب البحري في التعريب فنجده في مقدمة رواية " سجينة القصر " حيث يقول : " الرواية منسوجة في قالب غرامي ، فعمدت إلى التصرف بها ، كما أني استبدلت أدوار النساء والعشاق بأدوار تحاكيها رقة وشعورا ولكنها تبعد عنها وقائع وحوادث فجاءت كما يراها القارىء والممثل عند رغبة القوم فيها " (44 )

وقد ترجم البحري روايات أخرى أشار إليها الدكتور عبد الرحمن ياغي في كتابه سالف الذكر وبها سد فراغا كثيراً في المسارح المدرسية في فلسطين وخارجها ، وعلى طريق البحري والكرمي سار نصري الجوزي فقدم عدداً من القصص التمثيلية.

وكادت القصة الفلسطينية بين الحربين أن ترتد عن المكاسب التي حققتها على يد بيدس في مراحل سابقة لولا ظهور مجموعة قصص " أول الشوط " لمحمود سيف الدين الإيراني ، وتضم المجموعة سبع قصص وعدد من المقالات ، وقد حملت قصص المجموعة طابعاً جديداً ميزها عما سبقها من أعمال ، من حيث أنها ذات أهداف اجتماعية تقدمية وقيمة أدبية معتبرة وإيديلوجية ملتزمة بقضية الجماهير . فهى تلقي الضوء على الطبقات الإجتماعية وتعالج مشاكلها . وفي كثير من الأحيان تدخل إلى نفسياتها فتصور غرائزها ومعاناتها ، فنجد الفلاح الذي ضاق ذرعا بالحياة حيث كان " ينزع القرش من بين فكي سبع " يحث المقهورين على الثورة بصورة

عصبية : " هؤلاء الأشقياء أى شئ هذا الذي يقعد بهم عن التمرد ؟ أية سخرية هذه أحل هذا ما أريد . أن أحمل معولاً رهيباً وأحطم به هذه الأصنام " ( 45 ) وأحيانا يمزج التحليل النفسي بمعالجة القضايا الإجتماعية فرسم لنا صورة حية لمعاناة أبناء الطبقات الاجتماعية العادية من إستغلال الإقطاعين والرأسماليين في جو قصصي متكامل : " تنحنح بغضب وبصق على الأرض ومسح فمه بكمه وأردف : الواحد منا مش لاقى يأكل وأولاد الكلب يركبو عربيات ويتبرجو . أخص . تفوه . كلابهم أحسن منا . بياكلوا خبز ولحم ونحن نتعرى ونجوع وندور في الشوارع بطالين ورانا عيال . في رقابنا أطفال . " ( 46 ) . ويغلب على أسلوب مجموعة " أول الشوط" إزدحام الأحداث التي تحتشد في القصة الواحدة لتحولها إلى ملخص رواية كما تتميز المجموعة بالمبالغة في إستخدام نظرية أو منهج ما حيث أدت هذه المباغة في التحليل النفسي إلى إفساد بعض القصص ( 47 ) يضاف إلى ذلك محاولة الكاتب إفراغ كل ما لديه من آراء وأفكار فى عمله الأدبى لدرجة أن أصبحت قصة " جراثيم " أقرب ما تكون إلى مقالة اجتماعية تعالج سوء أحوال العامل . ويغلب على المجموعة أسلوب السرد مع تنوع الشكل القصصي حيث تبدأ بعض القصص من موقف الأزمة والبعض الآخر على شكل حكاية ومرة ثالثة على تداعي الأفكار . ورابعة يلغي فيها الزمن فيجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل . أما لغة المجموعة فتتراوح بين العامية والفصحى حسب متطلبات الموقف القصصي .

وبالرغم من بعض الهنات التي تشوب كل عمل قصصي فان مجموعة " أول الشوط " تمثل تقدماً هاماً بالقصة العربية المعاصرة في فلسطين . وكما كان بيدس على رأس كتاب القصة في المرحلة السابقة فإن الإيراني يتصدر كتاب القصة في هذه المرحلة.

أما ظاهرة الشقاء التي تلف المجموعة بطابع المعاناة والألم فهى غير مقصودة لذاتها وإنما يستخدمها الكاتب كمحرض للطبقات المغلوبة على أمرها من أجل الثورة على واقعها الظالم والعمل في سيل خلق مستقبل 45 - محمود سيف الدين الإيرانى : قصة " رغيف خبز " أول الشوط

أفضل ولهذا تنتهى قصص المجموعة بفرج ما ، يعوض الشخوص عن معاناتها التي نجدها على طول أحداث القصص . وهذا الموقف الإنساني الملتزم بقضية الجماهير هو الذي جعل النقاد يعتبرون الأستاذ الإيراني رائداً للتيار الإشتراكى في القصة العربية الحديثة (48 )

ولم يكن إتجاه الإيراني هو الإتجاه الوحيد في القصة الفلسطينية في مرحلة ما بين الحربين ، حيث نجد أيضاً إتجاه الفن للفن وهو إتجاه رومنسي اتخذ مظهرين الأول متفائل بسبب تمرس كتابه بالفن القصصي وإطلاعهم على الأدب الإنجليزى الرومانتيكى ويمثله جبرا إبراهيم جبرا ( بيت لحم 1919 ) في قصته " ابنة السماء "  والمظهر الثاني سلبي متشائم في رومنسيته يصر على عدم الإنسجام مع البيئة المحيطة به ويمثله على كمال في أقصوصته " صاحب القصر "  ( 50 ) - يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية