( مدريد )
جذوره :
يمكن لدارس الادب الفلسطينى ان يلاحظ بسهولة ندرة الدراسات المخصصة للقصة اذا ما قورن ذلك بالدراسات التى تعالج فنونا اخرى من هذا الادب ، وهى ظاهرة تكاد تسود بقية اجزاء الوطن العربى ( I ) واول دراسة جادة لهذا الفن تمثلت فى كتاب " القصة القصيرة فى فلسطين والاردن (I965-1850)(2) كما يفهم من العنوان فالكتاب يقتصر على معالجة فن القصة القصيرة ويتوقف عند سنة I965 التى تمثل بداية مرحلة انتقاليه هام فى تاريخ الادب الفلسطينى الحديث . مرحلة بدأ الاديب خلالها يتحسس حقيقة واقعه وآفاق مستقبله . ومن ناحية اخرى فالكتاب يقتصر على دراسة المجموعات القصصية المنشورة فى كتاب ولم يعر انتباها للقصص المتفرقة فى ثنايا الصحف . ومن هذه الدراسات ما جاء فى كتاب " حياة الأدب الفلسطينى من النهضة حتى النكبة " ( 3 ) وهو افضل دراسة لهذه الفترة من تاريخ الأدب الفلسطينى يعود اليها الباحثون .
بعد I967 يتألق نجم القصة الفلسطينية ويبرز على الساحة كتاب كبار يحققون شهرة فى الوطن العربى ويبدأ اهتمام الدارسين يتزايد ، فيخصصون
دراسات كاملة لعلم القصة الفلسطينية فى هذه المرحلة ( غسان كنفانى ) مثال ذلك ما فعله افنان القاسم (4) ورضوى عاشور ( 5) واحسان عباس (6) .
وعندما ندرس القصة الفلسطينية ونعمل على ابراز شخصيتها ، فان ذلك لا يعنى نصب سياج يفصلها عن القصة الام فى اجزاء اخرى من الوطن العربى او اقتلاعها من جذورها العربية . ولكن التحدى الذى تواجهه هذه القصة يجعلنا نؤكد على هويتها المحلية انطلاقا من ان الاقليمية الفلسطينية شرط أساسى لا بد من وجوده لتحقيق الوجود القومى الذى لا بد من وجوده كشرط أساسى لتحقيق تحررها ووحدتها وتقدمها أى انه بتأسيس الاقليمية الفلسطينية نبدأ عملية تأسيس الوجود القومى للامة ، من خلال نفى النفى " ( 7).
فالقصة الفلسطينية الحديثة غصن من اغصان القصة العربية الضاربة جذورها فى اعماق التاريخ حيث تلتقى مع جذور اخرى للقصة العالمية فتؤثر فيها وتتأثر بها .
جذور قصصية قديمة :
لما " وقف الانسان البدائى مذهولا مرتعدا أما الظواهر الطبيعية ولم يسعفه تفكيره البسيط الى فهمها التمس لها تفسيرا فاعتقد ان لها روحا تماثل روحه واضفى عليها الحياة وراح يعبد القوى منها ويتملقه .. وقد مثل هذا التفسير الساذج لظواهر الطبيعة أول لبنة وضعها الانسان فى صرح الفن
القصصى فى مرحلته الاسطورية ( 8 ) كما نراه فى الطقوس الفرعونية واساطير الحرب البابلية .
وفى القرن الثانى الميلادى يقدم النثر اليونانى بشائر قصصية ذات طابع ملحمى مغرقة فى الخيال تمثلت فى قصص " اسير الاحباش " و " دافنش وخلويه " وهى اعمال لا تخلو من تأثيرات فرعونية وبابلية ، وليس هذا بغريب فالحضارة اليونانية اخذت عن سابقاتها وتتلمذت على دياناتها وآدابها وقوانينها ( 9) .
فالقصة فى الادب العربى ليست جديدة كل الجدة ( I0 ) ففي أدب ما قبل الاسلام قصص كثيرة تدور حول أيام العرب التى قيل انها بلغت الفا وسبعمائة يوم ، اشهرها يوم داحس والغبراء ويوم البسوس ، وقد وصف العرب هذه الايام بصورة دقيقة تصف الواقع المعاش تلك الفترة ، وهى من صفات القصة الواقعية الحديثة . ومن الفن القصصى فى تلك الفترة احاديث الكهان وما روى من تعامل الانسان مع الجن ، هذا بالاضافة إلى الاساطير التى تدور حول شخصيات اسطورية كشخصية لقمان بن عاد وشخصية الزباء وهذا القصص بالرغم من دلالته الشعبية فانه يفتقر الى كثير من خصائص القصة الحديثة التى نعرفها اليوم . وفى الشعر العربى لهذه الفترة نجد " أوصال الملاحم واجزاءها وعناصرها ، بيد انها لم تجمع على نسق واحد ولم تلتق على وحدة جامعية وكان يمكن لايام العرب ان تشكل قاعدة قوية لبناء قصصى متطور لولا ان ما فيها من واقعية تجمع الخيال جعلت العرب ينصرفون عنها الى فن الشعر الذى اطلقوا فيه العنان لخيالهم .
وفى ظل الاسلام كان لقصص القرآن عن الانبياء والشعوب التى ارسلوا اليها اثر كبير فى نفوس العرب ، حيث لعبت هذه القصص التى تصل الى
الخمسين قصة دورا كبيرا فى تثبيت العقيدة وترسيخ الايمان فى نفوسهم حيث كانوا يهرعون الى الرسول لكى يبسط لهم الحديث فى بعضها .
وفى عهد الخلفاء الراشدين تحول فن القصص الى ما يشبه منصبا يتولاه القادر عليه . وكان على بن ابى طالب يستمع الى القصاصين فى مسجد البصرة فاعجب بقصص الحسن البصرى واقصى عن المسجد من لم يره اهلا للقص على الناس . أما معاوية فقد اتخذ من عبيد بن شريه قصاصا خاصا له يحيى لياليه ، وكان يأمر بكتابة كل ما يقوله بن شريه ، ويذكر ابن الاثير فى " المثل السائر " أن القصاص كانوا يرافقون الجيوش الفاتحة ويذكر الجاحظ فى " البان والتبيين " جملة ممن يقصون فنونا كثيرة من القصص . وقد هدف لقصص فى هذه الحقبة الى الوعظ وتقديم العبر حيث كان يستمع له بعد صلاة الجمعة . أما خارج المساجد فقد ظهر القصص الابداعى مثل " قيس ولبنى " و " مجنون ليلى " و " جميل بثينة " هذا بالاضافة الى الشعر القصصى .
وفى العصر العباسى تشتد عملية جمع التراث وحركة الترجمة ، فتأتى لنا أمهات كتب الادب العربى مثل " الاغانى" و " العقد الفريد " و " البخلاء " بباقات من هذا التراث القصصى الذى غلبت عليه موضوعات الحب والشجاعة اما الترجمة فقد ازدهرت عن الفارسية واليونانية والهندية . فعن الفارسية ترجم عبد الله بن المقفع كتاب " كليلة ودمنة " وأضاف اليه باب برزويه وحذف منه أبوابا أخرى ، وحملت هذه الترجمة المقفعية الى الاندلس ، وفى سنة I26I م أمر الفونسو الحكيم ملك قشتبالة بترجمتها الى القشتالية ( اللغة الاسبانية ) ، كما ترجم بن المقفع عن الفارسية كتاب " الف خرافة " الفارسى وأضاف اليه قصص كتبها العرب على نمط القصص السابقة وقصص أخرى جمعها الجهشيارى عن أخبار العرب والروم والفرس ، وقد انصهرت هذه المجموعات الثلاث فى بوتقة واحدة فأخرجت لنا قصص " ألف ليلة وليلة " عنوان القصص الشعبى ومفخرة الادب العربى بين الاداب العالمية ( I3) وعن
اليونانية ترجم اسحاق بن حنين كتابي " فن الشعر " و " الخطابة " لارسطو ، اما الملاحم اليونانية فقد أوضح الجاحظ فى " الحيوان " سبب عدم ترجمتها بأن الشعر لا يستطاع أن يترجم ولا يجوز عليه النقل ، وما حول قطع نظمه وبطل وزنه وسقط موضع التعجب منه ، والكلام المثور المبتدأ أحسن وأوقع من المنثور الذى تحول من موزون الشعر " . (I3)
هذا عن القصص الشعبى المترجم والقصص العامى في لهجته أما القصص باللغة الفصحى فقد وصلتنا منه المقامة التى ابتدعها بديع الزمان الهمذانى سنة 398 هـ وهى عبارة عن قصة قصيرة تدور المحاورة فيها بين شخصين وقد هدفت الى تعليم الناشئة " وتعبر المقامات عن حوادث مستقله من ايام البطل صيغت في اسلوب قصصى يشيع فيه الحوار " ( I4) وفى القرن الحادى عشر الميلادى ارتقى الحريرى بهذا الفن من ناحية التحليل النفسى الى درجة تقترب من النضح الفنى في القصة الحديثة . وقد انتقلت المقامات الى الاندلس و هناك ترجمت الى اللاتينية والعبرية . وفى منتصف القرن الخامس الهجرى وضع ابو العلاء المعرى " رسالة الغفران " وهى رحلة تخيلها المؤلف فى الجنة ليحل فى دنيا الخيال مسائل ومشكلات ضاق بها فى عالم الواقع . وخلافا أو اتفاقا مع بعض الباحثين فقد تأثر ابن شهيد بالمعرى فوضع " التوابع والزوابع " ( I5) و فى القرن الثانى عشر الميلادى وضع ابن طفيل أول قصة علمية أجمع النقاد على أنها أفضل قصة كتبت فى العصور الوسطى ، انها قصة " حي بن يقظان " وقد لاقى القصاص تشجيعا من الخلفاء سواء فى المشرق أو فى الاندلس . فابن خلكان يروى بأن الخزرجى ادعى لهارون الرشيد رضاع الجن كما ادعى وانه بايع الجن لولى عهده فقال له الرشيد : " ان كنت قد رأيت ما ذكرت فقد رأيت عجبا ، وان كنت ما رأيته فقد وضعت أدبا " ( I6) .
ومما يجدر ذكره أن كثيرا من الخصائص التى ذكرناها تعد من مقومات وأركان القصة الحديثة ، وقد مهدت بعض هذه الخصائص الطريق أمام
القصة الاوربية فى العصور الوسطى . وكانت بمثابة أساس قامت عليه القصة العربية الحديثة .
فن القصة العربية ودوره الحضارى :
حقا إن القصة الاوربية الرائدة قد تأثرت بالتراث اليونانى والشرقى كما تأثرت بالروح المسيحية . ولكن تأثير القصص العربى كان أشد وضوحا وكان دوره أكثر فعالية فى انماء هذا الفن فى الاداب الاوربية حيث غير كثيرا من الطابع الملحمى فى ذكر الخوارق والتحليق مع الخيال وجذب الرواية الاوربية الى نطاق واقعى فراحت تعالج الامور الملوفة لدى الناس وتتخيير أبطالها من البشر ولم يعد البطل ربا يجترح المعجزات ويحطم كل العوائق لقد كان ذلك كله بفضل تأثير المقامة ، وكان " أدب العلماء " أول كتاب تظهر فيه تأثيرات " ألف ليلة وليلة " ، فقد ترجم هذا الكتاب الى اللغات لاوربية وحاكاه القصاصون الاوربيون واقتبسوا منه ، وكان ذلك واضحا فى قصص دون جوان مانويل ، وظهر تأثير " أدب العلماء " فى بوكاتشيو الايطالى الذى كان فى قصته " الديكاميرون " ملهما لكبار كتاب أوربا أمثال شكسبير وڤوته وشوسر ولسنغ ودانييل ديڤو وسويفت وفولتار .
ويظهر تأثير المقامة واضحا فى قصص الفروسية ( I7) كما هو الحال فى قصة La Cael de Amor لسان بذرو ، وفى قصة " الفارس والعربة" للانسيلو وكذلك فى " دون كيخوتى دى لا منتشه " لميجل سير بانتس ، كما أن تأثير قصص الحب العذرى واضح فى قصص الفروسية الاسبانى وخاصة عند كريتان دى تروا وسان بدرو وجارنى . كل هذا مهد الى ظهور قصص الشطار فى القرنين السادس عشر والسابع عشر فى اسبانيا ، وهى قصص نصف العادات والتقاليد للطبقات الاجتماعية الدنيا ، وتتحدث عن همومها ومشاكلها متناسية تلك الاحلام الهادئة التى كانت تملأ القصص الخيالية فى فترة سابقة وتعتبر El Lazarille de Tormes أول قصة شطار في الاداب الاوربية وتكاد تكون تواما للمقامة وخاصة فيما يتعلق بوصف شخصية البطل ( I8 ) وبهذا قاد الاسبان الاداب الاوربية نحو الواقعية
ويظهر تأثير " كليلة ودمنة " فى " كتاب الفابليو " الذي اشتهرت قصصه فى فرنسا ، بل واكثر من ذلك فان قصة اللص الذى يتسلق نور القمر قد نقلت حرفيا من " باب برزويه " فى كتاب " كليلة ودمنة " الى " الفابليو " . وظهر تأثير " كليلة ودمنة " فى قصص دون خوان مانويل ، وظل كتاب أوربا يتناقلون هذا التأثير حتى جاء لافونتين الفرنسى فأحسن استغلاله بصور واضحة .
كل هذا يضاف إلى فضل الحضارة العربية فى تعريف أوربا بالثقافة والاداب اليونانية مما كان له أطيب الاثر فى توجيه الباحثين الاوربيين فى عصر النهضة نحو الرجوع الى النصوص الادبية والفلسفية اليونانية . وهكذا بدأت القصة الاوربية تخطو خطواتها الاولى متأثرة فى اتجاهها بالقصة العربية حتى تتوجت مسيرتها بقصة " باملا " للكاتب الانجليزى رتشارد سن سنة I740 التى يعتبرها النقاد أول قصة واقعية متطورة فى أوربا .
وبظهور المسرح الكلاسيكى فى القرن السابع عشر تمتزج الواقعية بالتحليل النفسى كما يظهر ذلك فى قصة La Princessse de clèves بينما يهتم هذا المذهب بالطبقات الاجتماعية فان قضية الفرد والمجتمع ظلت مهملة لدية حتى جاء المذهب الرومانتيكى فاولاها عنايته . وبقيام المذهب الطبيعى على انقاض المذهب الرومانتيكى تصبح القصة اكثر قربا من الواقع من أى وقت مضى كما نلمس ذلك فى " المهزلة الانسانية " لبلزاك ، حيث راحت القصة تعايش الجماهير وتصور أغوار النفس البشرية ، وتغوص فى الجوانب السيئة للافراد والجماعات تعالجها ( I9) وقد مثل الادب الروسى هذا الاتجاه فى قصص تولستوى فى النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفى النصف الاول من هذا القرن ظهرت قصة Ulysse الايرلندى جيمس جويس كمثال للمذهب الرمزى فى القصة . ثم ظهرت بعد ذلك القصة البوليسية كنتيجة حتمية لتقدم التكنولوجيا.
فن القصة العربية فى دور الاحياء والتجديد :
كل هذا التطور فى فن القصة حدث والعرب فى غفوتهم - أو قل - فى سجنهم الثقافى الذى فرضه عليهم انهيار دولتهم وخضوعهم للاستعمار
( 19 ) F . G Green : French Novelists vol , 1 , Page 219
الاجنبى . ولما اتصل العرب بالحضارة الاوربية الحديثة ونشأت لديهم الطبقة الوسطى وما ترتب عنها من ازدهار الصحافة تهيأت لهم الظروف للاطلاع على التطور الذى وصل اليه فن القصة ، والاستفادة منه فى بناء قصه عربية حديثة . ويجب أن لا ننسى بأن هذه الظروف ما كانت لتخلق قصة عربية حديثة لولا الاستعداد الفطرى والمعرفة السابقة لدى العرب بهذا الفن فالقصة العربية الحديثة نتاج لاتحاد ثلاثة روافد أولها التراث العربى الفصيح ممثل فى المقامة وثانيهما التراث الشعبى العربى فيما تناقله من قصص وخرافات على مر العصور وثالثها الرواية الرواية الغربية الحديثة .
وقد مرت القصة العربية الحديثة بأطوار ثلاثة حيث بدأت بالتعريب والتوليد ثم بالمحاكاة والتقليد ، وانتهت بالابداع .
وبدأ دور التعريب والتوليد بترجمة رفاعه رافع الطهطاوى لقصة فنلون الفرنسى " مغامرات تليماك " سنة I834 . وقد تصرف رفاعه بالترجمة حيث مزح فيها الكثير من القصص الشعبى وأضاف اليها ما شاء من شعر وحكم . وخلال هذه الفترة التى تمتد حتى نهاية الحرب العالمية الاولى تنشط حركة الترجمة العشوائية التى كان يقوم بها الشاميون الوافدون على مصر للعمل فى الصحافة حيث كان القصص المترجم بتصرف يستخدم كمشهيات فى الصحف .
وبعد الحرب العالمية الاولى بدأت الترجمة الحرفية الدقيقة للقصص الاجنبى واصبح لدينا قصص غربية حقيقية منقولة عن الاصل نقلا دقيقا . ويؤخذ على الترجمة أن الذين قاموا بها " لم يهتموا بالانتاج الاكثر جودة وانما اهتموا بكتاب اكثر شعبية وشهرة مثل سير ولتر سكوت والكسندر دوماس الذى يصف الباحثون فنه الروائى بالبدائية والشعبية " (20) .
أما دور المحاكاة والتقليد فقد بدأ بتقليد المقامة العربية حيث وضع أحمد فارس الشدياق سنة I855 ترجمته الذاتية " الساق على الساق لما هو الفارياق " التى حملت من المقامة اسلوبها اللغوى وروحها الهزلية ، كما اعتمدت الترجمة على اسلوب السرد القصصى . وعلى طريق الشدياق جاءت محاولات ناصف اليازجى وحافظ ابراهيم وعلى مبارك واحمد شوقي وفريد
وجدى وابراهيم المويلحى ومحمد جمعة وأحمد صادق الرافعى . وقد اتجهت القصة فى مرحلة المقامة الى النقد الاجتماعى متأثرة بالقصة الاوربية ، وكان " حديث عيسى بن هشام " لمحمد المويلحى I902 أهم عمل يمثل التقاء الثقافة العربية فى دور انحدارها مع الثقافة الاوربية المزدهرة . فقد اتبع المويلحى اسلوب المقامات الهمذانية فى عرض الاحداث ، الا انه تحرر إلى حد كبير من قيود المحسنات البديعة ولم يعر انتباها للقضايا اللغوية والادبية التى شغلت كلا من الهمذانى والحريرى ووجه جل اهتمامه الى النقد الاجتماعى ، وربط الاحاديث بخيط روائى يقوم على السرد .
أما دور الابداع فيمكننا التماسه فى أول قصة تحمل الكثير من مواصفات القصة الاوربية الحديثة وهى " زنوبيا " لسليم البستانى سنة I87I ، وحذ هذا الحذو جرجى زيدان فى قصصه التاريخية التى تقترب من النوع الذى يسميه النقاد قصة الحادثة . وهو أبسط أنواع الرواية وأكثرها بدائية وسذاجة حيث أن من النقاد من يرفض اعتباره رواية فنية على الاطلاق . (21) وسار على نفس الطريق طه حسين فى " الوعد الحق " وتوفيق الحكيم فى " أهل الكهف " ومحمد فريد فى " ملكة تدمر " واحمد شوقى فى " مجنون ليلى " ومحمود تيمور فى " اليوم خمر " هؤلاء وأمثالهم من عشرات القصاصين كانوا يستنزلون الوحى من سماء الشرق ويستلهمون روح الشخصيات العربية التى استفاض حديثها فى القصص والاساطير ، ويصورون ذلك فى قصص فنى الصياغة والاطار " ( 22) وتعتبر مجموعة قصص " فى بيوت الناس " لمحمد لطفى جمعه I904 أول محاولة عربية فى فن القصة القصيرة ، وهى أقرب ما يكون الى المقامة الهمذانية وفى سنة I912 نشر جبران روايته " الاجنحة المتكسرة " التى تعتبر من الناحية الفكرية والفنية تمهيدا لرواية " زينب " التى ظهرت سنة I9I4 لمحمد حسنين هيكل واعتبرها النقاد " بحق محاولة كاملة فى صنع قصته بالمعنى الغربى الحديث " (23) وفى نفس السنة صدرت " سنتها الجديدة " لميخائيل نعيمة وقد اعتبرها النقاد أول قصة قصيرة ناضجة فى الادب العربى ( 24) .
وقد تميزت القصة العربية قبل الحرب العالمية الاولى بطابع المحلية والسرد التاريخى والاجتماعى دون الارتباط بمذهب فنى واضح بالاضافة الى عدم تخصص كاتبيه فى هذا الفن فقد كانوا صحفيين يهدفون من ورائه الى ملء أكبر مساحة ممكنة فى صحفهم وكأن الفن القصصى تقليدا للاتجاهات الغربية ولا يمت بصلة للبيئة العربية ، وبعد الحرب العالمية الاولى بدأت القصة العربية تتجه اتجاهات فلسفية وواقعية فى معالجة المشكلات الاجتماعية السائدة فظهرت لطه حسين " الايام " ولابراهيم عبد القادر المازنى " ابراهيم الكاتب " حيث اعتنى فيها بالجانب النفسى بين الرجل والمرأة ، وللعقاد " سارة " حيث اهتم بالتحليل العقلى والنفسى ، ولتوفيق الحكيم " يوميات نائب فى الارياف " حيث اعتنى بالنقد الاجتماعى . وكانت "اللص والكلاب " لنجيب محفوظ مثال الرواية الفلسفية ، و " مواسم الهجرة الى الشمال " للطيب صالح مثال قصة الاغتراب ، و مذكرات دجاجة " لاسحق موسى الحسينى مثال الرواية الرمزية .
فقد تميزت القصة العربية بعد الحرب الكونية الاولى بطابعها العربى الشرقى فصورت البيئة المحلية بكل تعقيداتها السياسية والاجتماعية وتأثرت بالقصص العالمى وخاصة ما جاء من الادب الروسى أو الادب الفرنسى أو الادب الانجليزى .
( يتبع )

