انبعاث الحياة الفكرية فى العصر الحسينى
تلاشت المعاهد العلمية وخلت من طلاب المعرفة اثر انحلال الدولة الحفصية وما أعقب ذلك من حروب وفتن بين الاتراك وبين الاسبان فى بادئ الامر ثم بين الاتراك المتنافسين على الحكم . وظلت هذه الحال حتى قبيل ولاية حسين ابن على التركى مؤسس الاسرة الحسينية . فقد قدم من الاستانة الفقيه أحمد أفندى المشهور بالمللى أفندى سنة 1110 ه - 1699 م و بث فى الديار التونسية علوم التفسير ، والفقه ، والعلوم العربية والبلاغة . ومن اشهر نلامذه محمد الغماد الكسر ، وأبو يحيى الرصاع ، ومحمد بوراوى ، وأبو القاسم البجائى وقاسم عضوم ، صاحب كتاب البرنامج ( 1 ) . وانبعث على أيدى هؤلاء التلاميذ حركة علمية نشيطة انتجت طبقة من اجلة العلماء المتبحرين فى العلوم المعروفة فى ذلك العصر . هذه الطبقة هى التى زينت العصر الحسينى ووضعت أسس النهضة العلمية والادبية . ومن أشهر علماء تلك الطبقة أبو عبد الله محمد زيتونة الملقب بحافظ المغرب ( 2 )
وقاسم المحجوب الملقب بصاحب المذهب اى المذهب المالكى ، ومحمد الخضراوى عالم أفريقيا والشيخ سعيد الشريف وأحمد الشريف ومحمد سعادة ، ومحمد الشرفى ، وحمودة الريكلى مسامر على باشا الثانى ( 3 ) وعلى النورى ، وأحمد الماكودى ، وأبو عبد الله السوسى ، وعالم الحنفة وفقيهها محمد بن حسين بيرم ، ومحمد بن على الغريانى ، والعالم الرياضى محمد الشحمى مسامر على باشا الثانى( 4 ) . وبسعى هؤلاء الاعلام وخاصة محمد بن على الغريانى ، والعالم الرياضى محمد الشحمى مسامر على باشا الثانى ( 5 ) ظهرت طبقة من الشيوخ بهم ازدهرت الحركة العلمية وازدادت الجوامع والمساجد عمرانا ( 6 ) واصبح جامع الزيتونة قبلة التعليم فى العالم الاسلامى اذذاك بفضل جهود أولئك العلماء له طرقه ومناهجه التعليمية ( 8 ) التى تختلف عن طرق التعليم فى جامع الازهر
وفى مدينة فاس بالمغرب ( 9 ) ووصل تلامذة الشيوخ المتقدمين درجة الاجتهاد ، وأصبحت الفتاوى ترد عليهم من فاس والجزائر ( 10 ) وطرابلس والصحراء ( 11 )
ومن أشهر علماء هذه الطبقة أحمد الابى الحنفى امام جامع صاحب الطابع الذى عرف بطريقته الجديدة فى تدريس كتاب البخارى ، اذ كان يفسر الالفاظ الصعبة ثم يسرد الظاهر من الحديث ( 12 ) ومحمد بن ملوكة صاحب الطريقة الجديدة فى التدريس ، فلقد كان يتخرج التلميذ من زاويته حافظا للقرآن ، عارفا بالرسم وبضروريات الدين ، وبتقويم لسانه بالعربية ، حافظا للفنون العلمية . وكان محمد بن ملوكة علاوة على تدريسه العلوم يروض تلاميذه خشية السآمة ، بالمصارعة والرماية وتلقف الكرة ونحو ذلك مما يحسن بالرجال " ويدرب على اقتحام الالجال " ( 13 ) . ومن الشيوخ أيضا عمر المحجوب المساكنى ومحمد صالح الكواش ، ومحمد بيرم الثانى ، واحمد البارودى تلميذ الشيخ الشحمى ، وابراهيم الرياحى ، ومحمد بن سلامة ، ومحمد الخضار ، ومحمد بن الخوجة ، مدرس تذكرة القرطبى ( 14 ) ومحمد المحجوب الذى يعرف المسائل الفقهية من عند روايتها عن مالك بن أنس ( 15 ) . وحافظ المذهب الشيخ اسماعيل التميمى تلميذ صالح الكواش ومدرس شرح المحلى بجمع الجوامع وكان فقيها مجتهدا ولم ينكر عليه أحد ذلك وكان يعلم آعتماد كل متعلم فى المسائل العلمية على أى دليل ( 16 ) ومن العلماء البارزين لهذه الفترة الطاهر بن مسعود مدرس شرح القرطبى على الشمسية وعالم القيروان محمد بو بكر الصدام ومحمد حسن الهده .
وبفضل هؤلاء العلماء عادت حياة المناظرات العلمية للظهور من جديد كالتى جرت بين ابراهيم الرياحى وتلميذه القاضى البحرى فى مجلس مصطفى باى .
النثر فى العصر الحسينى
النثر فى العصر الحسينى صورة للاساليب النثرية الموروثة . ويتفرع الى فرعين : نثر علمى ونثر فنى ، فالنثر العلمى ينحصر فى نثر الكتب والرسائل العلمية ، وأما النثر الفنى فمنه فن الرسالة وفن المقامة وفن المقالة .
1 - النثر العلمى :
آزدهرت حركة التأليف فى العصر الحسينى أزدهارا لم تشهد تونس
له مثيلا منذ أن دخلها الاتراك ( 17 ) ، ويرجع الفضل فى هذا التحول الى بعض البايات الذين انتسبوا للعلم فالعلماء مثل على باشا الاول والثانى وحمودة باشا وأحمد المشير . والذى حدا بهم الى رعاية العلماء ، رغبتهم فى انماء الشخصية التونسية قصد الاستقلال عن الخلافة العثمانية ، والبعد عن نفوذها ، ولذلك مالوا الى أهل البلد فشجعوا العلماء وأجزلوا لهم العطايا ، وظهرت ثمرة هذا الجهد فى منتصف القرن الثامن عشر ، اذ رأينا أنواعا من التآليف العلمية تعطينا صورة للنثر العلمى فى هذا العصر .
ومما يلاحظ أن لغة التأليف كانت ضعيفة فى بداية الحكم الحسينيى وكانت تآليف بعض رجال القرن الثامن عشر لا تسلم من الاساليب المهلهلة والالفاظ العامية الركيكة كالذى نجده فى ثنايا كتاب الشرع الملكى فى سلطنة أولاد على التركى " لمحمد بن يوسف كقوله عن حسين بن على " ونزل عن فرسه يكبس ( 18 ) له حزامه واذا بالحاج على بن حمامة خلط ( 19 ) عليه " وقد رأينا بعضا من المؤلفين فى هذا العصر يلتزم طريقة السجع فى مؤلفاته من بداية التأليف حتى نهايته مثل العياضى فى كتابه " مفاتيح النصر فى التعريف بعلماء العصر " وهذه الطريقة المتكلفة مرهقة تورث المطالع الضيق والملل وتشعر مسبقا أن المؤلف حمل نفسه من المشقة والجهد مالا يكاد يتحمل سعيا وراء السجعة المناسبة الرنانة كقول العياضى :
لك الحمد يا مرصع رياض الدفاتر بماء المعانى ويا مكلل نحور الالفاظ بدرر البلاغة حتى أصبحت أبهى من الدرر فى نحور الغوانى ويا مونع أغصان الفصاحة بنسيم البيان ويا منطق بلابل البلاغة على غصن اللسان ( 29 ) . . . "
وحين يتحدث عن على باشا الاول مقرظا ومادحا ، يقول :
" والشاهد على ما أقول شرحه لتسهيل ابن مالك الذى لم يكن يكرع من زلال مائه الا الاكابر والفحول شرحه شرحا بديعا ورصعه بجواهر المعانى ترصيعا . . ." ( 21 )
فأنت ترى أن المؤلف كلف نفسه شططا فى البحث عن السجع وجمع ما استطاع من صور الاستعارات فى العبارة الواحدة ، وهذا مقياس الجودة السائد فى ذلك العصر ، غير أن طريقة الترسل فى الكتب العلمية ظلت الطابع الغالب مثل حسن خوجة الذى سار فى كتابه الذيل على بشائر أهل الايمان على
الطريقة الترسلية ، وهو كتاب ترجم فيه لعلماء عصر حسين بن على مؤسس الاسرة الحسينية ، متوخيا الالفاظ السهلة والتعابير الواضحة . انظر اليه كيف يحدثنا عن قتل رمضان باى بأسلوبه السهل المشوق :
بدأ رمضان باى يتأهب لمحاربة أهل الجزائر فقام عليه أحد خدامه من أغوات جنده " الاسباهية " وغدر به وضربه ببندقة فأصابته فمات منها وقطع رأسه ورأس آبنى عمه محمد باى وقتل بقية أولادهم وانتهت دولتهم سنة 1114 ه . 1701 م . . . " (22 )
وهذا الاسلوب بداية تأليفه هو نفسه الذى التزمه حتى نهاية كتابه ، يقول فى ترجمته لمحمد الحر كافى الضرير ، وهو من علماء عصر حسين بن على التركى :
" ثم رتبه الامير ، حفظه الله ، لتجويد القرآن العظيم بالجامع الاعظم جامع الزيتونة ورتب له الطلبة وعين للشيخ والطلبة مرتبا معلوما فى كل شهر ووقف على ذلك أوقافا للترغيب فى تكثير المجودين . . . " ( 23 )
فالأسلوب كما ترى مرسل وان كان لا يخلو من اللوثة العامية فى قوله " ثم رتبه الامير " وهذه ظاهرة مألوفة لازمت الكتاب الحسينيين الى موفى منتصف القرن التاسع عشر ( 24 ) .
وما أن آنقضى القرن الثامن عشر حتى رأينا تطورا ناضجا لاساليب النثر العلمى ، اذ استعادت لغة التأليف مكانتها وكثيرا من دقتها التعبيرية ، والبعد عن طريق السجع والتصنع الكاذب . ومن مشاهير الكتاب العلماء الذين وضعوا أسس النثر العلمى المرسل حمودة بن عبد العزيز بكتابه " التاريخ الباشى " وأحمد بن أبى الضياف بمصنفه الضخم . " اتحاف أهل الزمان بأخبار تونس وعهد الامان " والباجى المسعودى بكتابه " الخلاصة النقية فى أمراء افريقية " و " تاريخ تونس " لصالح الكواش .
وكان ابن أبى الضياف اكثر المؤلفين تأثيرا فى تطوير النثر العلمى اذ نزع فيه الى أسلوب أعلام الاندلس وفى مقدمة اولئك الاعلام الذين اقتفى أثرهم المقرى صاحب " نفح الطيب " ( 25 ) .
والى جانب هذا اللون من التآليف العلمية ظهر فى العصر الحسينى ضرب آخر من الانتاج العلمى يخص الرسائل العلمية . وهى لا تعدو أن تكون بحوثا علمية قصيرة تدور على التوجيه التعليمى أحيانا كرسائل على النورى فى ذم الدخان ( 26 ) . وقد تتخذ شكل ردود علمية كرسالة محمد المحجوب فى الرد على زعيم الدعوة الوهابية ( 27 ) وتوضيح بعض المسائل والاشكالات العلمية مثل رسالة ابراهيم الرياحى فى موضوع " ارتفاع الحكم بارتفاع علته اذا ما علل " كتبها فى أعقاب مناظرة دارت بين عالم مغربى وآخر تونسى ( 28 ) ومثل رسالة الشيخ اسماعيل التميمى فى " الحلال والحرام من الطعام " ( 29 ) ورسالة بعضها فى حكم استعمال ماء الكلونيا بعد أن أفتى أحدفققهاءالحنفية بحرية استعماله ( 30 )
وهذا الضرب من الرسائل يعطينا صورة للمستوى العقلى لهذا العصر . ونجد الاسلوب فيه قائما على البحث العلمى الدقيق والاعتماد فى الاستدلال على الكتاب والسنة والحجج المنطقية كرسالة ابراهيم الرياحى وعنوانها " قطع اللجاج فى نازلة أولاد سليمان ابن الحاج " ( 31 ) .
وفى جميع هذه الرسائل العلمية لا تجد الا الاسلوب العلمى الرصين وطريقة الترسل الخالية من السجع ( 32 ) كقول ابراهيم الرياحى فى رسالته المتقدمة " وذلك أنى سئلت عن مفاصلة وقعت بينهم فى مخلف أبيهم كتبت فى رسمين أحدهما مضمن به أن المفاصلة فى أمور معينة ، وثانيهما أن المفاصلة وقعت فيها مباراة على وجه العموم بحيث لم تبق بينهم دعوى غبن ولا دعوى زيادة . . "
ثم أراد أحدهم القيام بأمور كثيرة وأموال خطيرة اطلع عليها بعد المفاصلة المذكورة فهل يمكن شرعا من القيام بذلك أولا ؟ فكان للذى ظهر لمزجى البضاعة أنه يمكن من ذلك . ( 33 )
غير أن الرسائل العلمية هذه كثيرا ما تحلى فى الاول بفقرة مسجوعة وتختم بمثلها ( 34 ) ، وما سوى ذلك فان أسلوب الرسالة العلمية لا يختلف عن أساليب التأليف المتحررة من قيود السجع . وظلت الحال على ما هى عليه الى أن صدر كتاب خير الدين باشا أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك وكتاب محمد بيرم الخاص " صفوة الاعتبار بمستودع الامصار والاقطار " فأحدث انقلابا فى أساليب التأليف على الطريقة الترسلية واللغة السهلة الواضحة ، والمواضيع الطريفة الشيقة . وكان لهذين المؤلفين الاثر البعيد فى صقل التأليف وتهذيب الاساليب بالنسبة للكتاب الذين جاءوا بعد هذا العصر ويعتبر صفوة الاعتبار انعكاسا صادقا لمنهج خير الدين فى الاسلوب بطريقة البحث .
النثر الفنى
اذا كان العصر الحسينى يعتبر بداية لانبعاث النهضة الادبية فى تونس ولتطور الاساليب النثرية بها ، فان القرن الثامن عشر ومعظم القرن الذى تلاه كان طابع النثر الفنى فيها التقليد والمحاكاة لاساليب موروثة عن عصور الانحطاط .
ويتمثل النثر الفنى فى :
فن الرسائل الرسمية
اهتم البايات بهذا اللون من النثر الفنى لما له من الاثر البعيد فى حياتهم السياسية واتخذوا من أجل ذلك كاتبا أسموه " باش كاتب " مرة ، وصاحب قلم الانشاء مرة أخرى وهو فى رتبة الوزير ، ومن أشهر كتاب البايات الحسينيين فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر " حيدر خوجة ، وعبد الله السهيلى ، وكان هذا الاخير فى أيام على باشا ابن محمد باى ( 35 ) وحمودة بن عبد العزيز فى ولاية على بن حسين باى وابنه حمودة باى ، ثم زوحم هذا الكاتب النبيه بمحمد حسن بن عبد الكريم الشريف ( 36 ) ، ومن هؤلاء الكتاب المشهورين فى هذا الفن احمد ابن أبى الضياف ومحمد الباجى المسعودى ( 37 ) والى جانب أولئك الكتاب البارعين توجد ثلة من الادباء صدرت عنهم كتابات رسمية مثل عبد الرحمن البقلوطى ، ومحمد المناعى ( 38 ) والشيخ اسماعيل التميمى ( 39 ) ، ومحمد بيرم ( 40 ) . وكانت توجه تلك الرسائل ، غالبا ، الى تركيا والمغرب الاقصى والجزائر ، والى القنصليات الاجنبية بتونس .
ولم تكن تخلو هذه المكاتبات فى مبدأ الامر من الضعف لغة وتر كيبا . ولكن ما ان حاء القرن التاسع عشر حتى اكتملت فنيا - على نحو تقليدى - باكتمال ثقافة أصحابها السلفية .
واسلوب تلك الرسائل يختلف باختلاف الجهة التى توجه اليها فما كان منها مرسلا الى الدولة العلية والسلطنة المغربية الشريفة يتسم بالطابع التقليدى الشديد والحرص على السجع والمحسنات البديعية كالطباق والجناس ، وضرب المثل من القرآن والحديث ، ومأثور الاقوال .
وتستهل عادة بالبسملة والحمد له ، ثم الدعاء لا سيما اذا كانت موجهة الى دار الخلافة وتختم أيضا بالدعاء ، يلاحظ ذلك فى الرسالة التى أجاب بها
الباى الاستانه حين طلبت معونة من تونس ابان الحرب العثمانية مع اليونان ( 41 )
وكذلك في الرسالة التى رفض فيها المشير أحمد باى الاول دفع الاداء السنوى الذى فرضته تركيا على الايالة التونسية ( 42 ) وفى عموم رسائل البايات الاستانه حين يموت خليفة ويقوم خليفة ومثل هذا أيضا فى رسائل البايات لطلب الخلعة والفرمان من ذلك :
"الحضرة العليا الخاقانية المصونة بالعمل والنية المتوجهة لها الآمال من كل ثنية ، واثقة من عدلها وفضلها ببلوغ الامنية والشمس عن مدح المادح غنية . أما بعد السلام على أمير المؤمنين ، ورحمة الله ، فان العبد الشاكر على وراثة خدمته الناشىء فى نعمته ، السابح فى بحور منته ، يعرض للاعتاب العالية ومنبع الفواضل المتوالية ، أنه تقدم منه اخبار للباب العالى بوفاة أخيه ، وللحضرة العلية طول العمر ودوام الامر . . . ووجه كتاب الفضل عبد السلطنة العلية نحية الاعيان وصفوة الاقران ، وزير البحر أمير الامراء ابننا خير الدين يطلب على لسان العبد الفقير المعتاد منه بباب السلاطين . . . " ( 4 )
وعلى هذا اللون من الخضوع والاسلوب المتصنع يكاتب البايات الصدارة العظمى ورجال دولتها . ( 44 )
أما الرسائل الموجهة من البايات الى أعوانهم من الوزراء ورجال الدين ، فان طابعها العام البسملة والحمد له ثم بسط الموضوع والخاتمة ، والاسلوب المتبع فى جميعها هو السجع ، ولكن على غير النحو الذى عرفنا من المغالاة فى الثناء والتعظيم ، الا اذا كان المخاطب عالى المنزلة كاصحاب الطرق الصوفية ومن جاء على شاكلتهم ، فان البايات تراهم لا يدخرون جهدا فى تعظيمهم واجلالهم والتأنق فى خطابهم مثل رسالة محمد الرشيد باى الى صاحب الطريقة الشيخ أبى العباس ، أحمد بن باباس فقد افتتحها بالشعر ثم قال : " الحمد لله الذى به تتجلى الكربات ، وتكشف البليات ، وتتسرى النكبات ، وتدرأ الزرايات . والصلاة والسلام على نبيه ومصطفاه ، وحبيبه ومجتباه . . . أين أنت عن المولى الذى ربضت الفضائل بناديه ولبى المنى لمناديه ، وعرجت الآمال بأرجائه وآب قاصده برجائه ، وانتشرت معارفه فى الاقطار ، وكتبت على صفحات الزمان مفاخره وصفت بواطنه وظواهره . . . مولاى وأستاذى أبو العباس سيدى أحمد بن باباس . ( 45 )
ثم يشرح موقفه من بن عمه على باشا بن محمد باى ، وظلمه له وجوره عليه ، ثم يسترسل فى شكواه الى أن يقول فى آخر هذه الرسالة ، حتى يقول :
( فلا تتركنى مضاعا ، وفؤادى ملتاعا ، وقلبى شعاعا ، وأشجانى أجناسا وأبواعا ، كيف لا أظفر بمرادى ، وانتم مخيم ودادى وموالى وأسيادى ، وعليكم اعتمادى ، وبهمتكم أعدادى ، واسعادى . . ) ثم يختتم محمد الرشيد باى رسالته ، متوسلا بالاولياء والصالحين .
ويقرب من هذا اللون ما كتبه حمودة بن عبد العزيز على لسان سيده على بن بن باشا بن حسين باى الى شيخ الطريقة الوفائية وهو يوسف بن ناصر يخبر بانضمام على باشا اليه ودخوله فى حزبه وطريقته ، يقول :
( المقام الذى تقتبس منه انوار المعارف وتستمنح منه لمحات العوارف متفيأ على الايام ظله الوارف ، وتصرف عنه القلوب الى حضرة القدس العوارف ، وتنسكب فيه من خشية الله تعالى الدموع الذوارف ، نهضة البركات وينبوع العرفان ومحط رجال الافاضل من كل قاصد ودان ، حضرة الاستاذ الاعظم الطيب الظاهر ، ذى المناقب والمفاخر ، العلامة الفاضل ، الوفائى ، الكامل مولاى أبى المحاسن سيدى يوسف بن ناصر ، أدام الله عليه من معارفة أمدادها وأتم نعمته عليه وزادها . . . ) (46 ) .
ويمضى على هذا النسق من الاغراق فى الاطراء والابتهال والدعاء والتسليم ، ثم يعرب عن تعلقه بصاحب الطريقة ورجائه الدخول فيها ويخبره أن أحد أتباعه أى يوسف بن ناصر ، فى الطريقة ، قد استضافه " فاستدعيناه لزيارتنا التماسا لبركته التى بها حصل طريفها وتلادها ، واقتباسا من مشكاة أنواره التى منكم استمدادها ، فرأينا عليه هيبة المعرفة ، ونضارة العبادة ووقار الخشية ورقة الوجد ، وارتياح الشوق ، ومتانة الديانة ، وقبول الاخلاص ، وأنبناه عنا فى مصافحة يدكم الكريمة ، والتماس دعواتكم المباركة العميمة . والله تعالى يديم بهجة هذا العالم ببقائكم ، ويزيدكم درجة فى صعودكم الى مراتب القرب وارتقائكم . آمين " .
ومما يلاحظ فى هذه الرسالة ، هو هذا السلطان القوى لشيوخ الطرق لتعصبهم بالعامة وقد كشف عنه الكاتب بما أظهر من اعظام الباى على لهذا الشيخ وقد توخى فى أول هذه الرسالة أسلوبا مسجعا ، ثم عدل عنه الى الازدواج فى
جمل قصيرة كقوله : " فرأينا عليه هيبة المعرفة ، ونضارة العبادة ، ووقار الخشية ، ورقة الوجد ، وارتياح الشوق ومتانة الديانة ، وقبول الاخلاص " ولكن الكاتب عدل بعد هذه الفقرة الى الاسلوب الاول بما فيه من تصنع وتكلف مما يجعلنا نلاحظ أن قيود السجع بدأت تنحل ولكن ببطء شديد ، وأن فن الترسل بدأ يستهوى كتاب هذا القرن . غير أن التزويق اللفظى ظاهر الحرص فى كل من الرسالتين يواكبه خضوع وتضرع فى الرسالة الاولى ،
وهيبة واشفاق فى الثانية ، وليس هذا بغريب فان عموم الرسائل الرسمية تتم يمثل هذه السمة ولا تخلو منها الا اذا صدرت لمن ليس له سلطة كهذه السلطة الروحية والادبية ، على أن المحافظة على الاسلوب القديم ، هو هو لم يتغير ، مثل رسالة على باى حين امتنع عن قبول استقالة الشيخ محمد بيرم ( 47 ) ، ورسالة الشيخ اسماعيل التميمى التى كتبها على لسان مخدمه ، مهددا قاضى ومفتى سوسة بالعزل اذا ما تماديا فى المهاترة والخلاف ومثل ذلك رسالة محمد المناعى التى كتبها على لسان الباى محمد يخبر فيها أخاه محمد الصادق بقتله لوزيره شاكير ( 49 ) ، ففى كل هذه الرسائل ينكشف تكلفه وعنايته بالتزويق اللفظى وضرب المثل والمحافظة الشديدة على السجع . وفى أيام محمد الصادق باى يلاحظ أن كتاب الدواوين ازدادوا تعلقا وغلوا فى هذا اللون من الفن الرسالى فكثر التفخيم فى ما يكتبون ، واضفاء الالقاب بلا حساب وكان من أسباب ذلك ما كان ينفثه قنصل فرنسا فى أذن الصادق باى من أوهام الملك والسلطان ( 50 )
غير ان قانون الحياة التطورى لا يوقفه شهره أو سلطان ، فلقد بدأت تباشير جدية فى أساليب الرسالة الديوانية الى جانب شيوع تلك النزعة التقليدية وبداياتها فى الواقع ظهرت فى أيام حمودة باشا وذلك فى رسالته التى وجهها الصاحب الجزائر يخبره فيها بأن تونس غير مستعدة فى المستقبل لتتكفل ببيع ما ترسله الجزائر الى اسواق الامارة التونسية والرسالة هى :
" بأن البقر أمرنا ببيعة على يد عدلين وتجمع من ثمنه كذا ، وتولى قبضه رسولكم بأمرنا وان أرسلتم بعد شيئا للبيع فليكن خطابكم فى ذلك لو كيلكم ، وحاله فى ذلك كعامة أهل البلد من غير فرق ، وقد كنا نرى أن فعلنا معكم سابقا انماهو ثمرة محبة ، وحيث رأيتموه واجبا فلا نسلم لكم هذا الوجوب . ( 51 )
فأنت ترى أن هذه الرسالة خالية من السجع والصنعة خلوا تاما . وكان حمودة باشا بأسلوبه هذا استخف بالوالى التركى بالجزائر . ولقد ازداد - من بعد - فن الترسل فى الرسائل الديوانية انتشارا واصبح طابع كل رسائل
البايات تقريبا الى قناصل الدول الاوروبية بتونس تخلو خلوا تاما من هذه الزخارف اللفظية ( 52 ) ومثل ذلك أيضا الرسائل التى تبادلها على بن غذاهم مع محمد الصادق باى وشيخ الاسلام أحمد بن حسين الكافى فى شأن التخفيف من الضرائب التى كانت سببا فى ثورة ابن غذاهم الفاشلة ( 53 ) فان كل هذه الرسائل تخلو من الاسجاع وليس فيها غير الترسل أسلوبا ، وكذلك رسالة شيخ الاسلام أحمد بن حسين وهى : " بلغنا كتابكم ، وعلمنا ما ذكرتموه مما تروجه العربان من التخفيف وأن ذلك دعاهم الى المخاطبة فى شأنهم ، والذى نعرفكم به أن الواجب أن يعتبر الانسان اساءة أعماله ، وما يؤول اليه الحال خشية أن تنقلب المصلحة مفسدة ، ولا يعتبر الانسان بكلام لا يريد الا مصلحة نفسه ولا عليه فى المسلمين ، وعلى ذلك يلزم أن تعرفنا بالتخفيف الذى أرادته العروش تحرره لنا مفصلا على وجه معقول يسوغ طلبه عند ذلك من جناب سيدنا أيده الله تعالى بمقتضى الفضل ، ونرجو أن يعامل رعيته بما تقتضيه شفقته عليهم ويخفف عنهم ويرضى عليهم " . ( 54 )
فانك تلاحظ أن هناك ضعفا فى التعبير والاسلوب ، ومثل ذلك طبيعى لان فن الترسل ما يزال فى بدايته الاولى التى تخلو من الضعف والخطأ أحيانا ، كرسالة على بن غذاهم الى أحمد بن حسين المتقدم الذكر . يقول فيها بعد الافتتاحية .
". . . والذى يتشرف طرفك الفضيل الخير ، ان شاء الله ، أننا قادمين - كذا - على المحروسة " تونس ، ونريد أن نتكلم فى مصالح المسلمين لما أحاط بهم من الضرر وشدة الطلب وهلاك العالم من الماء الى الماء ( ؟ ) وأن الدولة متشددوا - كذا - عليهم ، وكثرت حيرتهم " من شدة ما حل بهم فلذلك تحيرت وتعصبت واتفقت على عدم أداء مارتب للدولة كما فى علمكم . . . "
وظاهرة الاخطاء لمختلفة وضعف الاسلوب فى هذه الرسالة واضحة جلية غير أن مثل هذه الاخطاء النحوية واللغوية ، وضعف الاسلوب تبدو بصورة أوضح فيما اشتمل عليه كناش محمد مرابط من الرسائل كهذه الرسالة التى أرسلها الى الوزير الاكبر يخبره فيها بنزول الغيث النافع وهى على صورة ما يعرف اليوم بالتقارير الرسمية .
" وبعد ان فى أمس التاريخ رزقنا الله بمطر غزير ووقع فيه الحجارة أضرت بعض المزارع الا أنه بأماكن قليلة وفى هذا الوقت لا حاجة للفلاحة بما ذكر . ليكن ذلك بشريف العلم . والله يديم حفظكم " ( 55 )
ولسنا فى حاجة الى أن نشير الى الاخطاء اللغوية ، والتركيبية الواردة فى هذه الرسالة القصيرة فكل ذلك ظاهر جلى ، مما يدلنا على أن فن الترسل ما يزال فى بداياته الاولى ، متعثرا ، ومرد ذلك كما يظهر ، الى أن كثيرا من المترسلين هم ضعاف فى اللغة . ولعل ضعفهم هذا سبب فى بعدهم عن قيود السجع .

