الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

فن النشر في القرن الثامن عشر والتاسع، عشر بتونس (*)

Share

فن الرسالة الاخوانية

على نحو ما عرفنا من ازدهار الرسائل الرسمية ، كان أيضا ازدهار الرسائل الاخوانية ، وهذا اللون من النثر الفنى يكشف نوعية تلك العلاقات الاجتماعية وطبيعتها ، كما يكشف لون الحياة التى يحياها رجال ذلك العصر وعلماؤه ورجال الادب فيه . ومن هذا اللون رسالة حمودة بن عبد العزيز لصاحبه الشيخ محمد البارودى يستحثه لحضور مجلس أنس له بالمرناقية بضاحية تونس ( 56 ) ورسالة أخرى لبعضهم يتشوق فيها الى بعض أصحابه ويتمنى رؤيته قبل أن يفتك به مرض الكوليرا ( 57 ) ، والرسائل التى تبادلها أحمد بن أبى الضياف صاحب التاريخ مع قرينة محمد بن الخوجة يوم كان الاول صحبة المشير فى زيارة فرنسا ( 58 ) وكذلك رسائل ابن أبى الضياف التى تبادلها مع صهره محمد المناعى ( 59 ) . وفي هذه الرسائل تبدو النزعة التقليدية واضحة لطريقة وأسلوب ابن الخطيب ( 60 ) .

ومن طرائف الرسائل الاخوانية ما تبادله بعض شيوخ جامع الزيتونة مع شيخ جامع الازهر ومن ذلك كتابات محمد سعيد النجم التونسى مع الشي محمد البنانى المصرى ( 61 ) .

ولقد بلغت الرسائل الاخوانية ، أوج نضجها فى القرن التاسع عشر وعلى التعين في النصف الثاني منه ، وظهر ذلك النضج واضحا جليا ، فى مراسلات محمد طريفة الاخوانية لصديقه محمد بوخريص ، اذ رأينا كلا من الكاتبين يجرى محاوراته الودية على لسان قلمه ( 62 ) .

ومما يعد تابع الرسائل الاخوانية ، ويعتبر من بابها ، ما كتبه علماء هذه الفترة أى علماء القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، وتبادلوه بينهم تقاريض ثثرية لكثير مما انتجوه فى ميدان الشعر والنثر ، على نحو ما نجد عند بعضهم في تقريض رسالة الشيخ اسماعيل التميمى فى الحرب ( 63 ) .

وعندما دخلت الطباعة تونس تحولت وجهة الادباء الى تقريظ الكتب المطبوعة . وعامة أساليب هذا اللون من الفن إن صح أن يكون فنا يقوم على الافتتاحيات المحفوظة مثل (( سيدى الذى أمحضه صفو ودادي وأخي الذي هو سندى وعمادى . . . )) ونحو ذلك ( 64 ) من التعابير التى أبلتها الالسنة . اما جوهر تلك التقاريظ فان غاية ما يلاحظ فيه هو هذا الاجهاد من أجل اصطياد الاسجاع وضروب البيان والبديع الى حد التكلف المقيت والغلو فى التعظيم غلوا يدعو الى السخرية كقول أحمد بن الخوجة ( 65 ) (( أهدى اليك تحية أرق من النسيم ، ختامها مسك ومزاجها من تسنيم ، وأحمد اليك من أكمل فيك المحاسن وسقي روضك بماء من الكلمات غير آسن ، فانك جنة خلد الارواح الروض الانف منه تعطر وفاح ٠٠٠))

انظر كيف أحجهد الكاتب نفسه لهاثا وراء هذه الصناعة القلقة ((ماء الكمالات )) و (( جنة خلد الارواح )) .

وفي رسالة أخرى كتبها لاحمد باشا يشوق اليه وكان خارج العاصمة ، لا نراه يبعد عن أسلوبه المتقدم غلوا وتصنعا ، يقول :

(( المقام الذي من أفقه شمس الفضائل والفواضل ، ولم يبلغ معشاره الا قيال العباهلة الافاضل مقام الملك الافخم ، والسلطان الاضخم ، صاحب الشمائل العليا ، ومن ببهجته اشرقت الدنيا الصحيح الذى أقام الانام فى ظل عدله ، وهطل عليهم سحائب جوده وفضله ، الصدر الشهير ، والبدر المنير ، مولانا الامير ، أحمد باشا المشير ، لا زالت أنوار دولته ساطعة ، وأغصان مملكته يا نعة ( 66 ) .

فهل بعد هذا التكلف تكلف ؟ وهل بعد هذا الغلو غلو ؟ ومن منا فى هذا العصر يسيغ لنفسه أن يقول مثل هذا القول أو يستسيغ سماعه ؟ غير أن أذواق  أهل ذلك العصر كانت تستجيده وتستظرفه بل انهم يعدونه ضربا من الفن الادبى الرفيع . وقد رأينا محمد ابن الخوجة لا يخرج عن المنهج الفنى المتقدم فى رسالته الى صاحبه أحمد بن ابى الضياف منها (( المقام الكريم المستحق لمزيد الاجلال والتعظيم لسان دولة الملك الحقيقى ، وإمام بلغاء القطر الافريقى والمصقع الذى إذا نطق أعجز ، وان أطنب أوجز ، وان اقر على رق انامله ، اقر الرق كتاب الانام له ، الموصوف على ألسنة الكافة بأوصاف الجميل وجميل الاوصاف ، أبو العباس سيدى أحمد بن أبى الضياف ، لا زالت طروس ثغوره مبتسمة من بكاء أقلامه ، وأصداف آذاننا رائعة بجواهر كلامه . . ( 67 )

فهل أن ابن أبى الضايف يتحلى بهذه الصفات كلها حقا أو حتى على سبيل الاعتبار ؟ وهل كان صاحب الرسالة ، حقا ، متأثرا بفن ابن ابى الضياف حتى أفضى به التأثر الى هذا الحد من الغلو ؟

لسنا نرجح ذلك ، فان تصنع محمد بن الخوجة وتكلفة غير خاف ، انظر اليه كيف أوصله اغراقه فى التهالك على فنون البيان والبديع الى فساد الذوق فى قوله (( لا زالت طروس ثغوره متبسمة من بكاء أقلامه )) فان تهالك الكاتب على الطباق جعله يسعى الى المقابلة بين التبسم والكباء ، متناسيا ما لكل كلمة من الظلال والايحاء النفسى وما أحسب ابن ابى الضياف يطرب لهذه الاستعارة فى لفظ (( الرق )) ، ولا بجواهر أصداف الآذان ولا لهذا التلاعب اللفظي (( بأوصاف الجميل وجميل الاوصاف )) التى لم يكن القصد منها الا لغرض سجعيى بوافق أحمد بن الضياف ، ومهما يكن من شئ فان الكاتب قد قصد ذلك ولعل بذل فيه جهدا وتكلف من أجله عناء ولم يكن فى أسلوبه وفنه الا صورة لعصره تفننا ، وتذوقا ، اذ قيمة الاديب فى نظرهم على مقدار توفيقه فى اصطياد أضرب البيان والبديع وبلوغه فى الا محال درجة وان الدارس ليستضحكه محمد بن سلامة فى تودده لاحمد باشا المشير ، لا شئ الا لكونه أهداه عطرا وحلوى وقد استهل رسالته شعرا ثم قال :

(( . . . لا تلمني فقد خرجت هذه الابيات اضطرارا ، ولم أملك نفسى عن الكلام اصطبارا وظننت أنى أهديت لمقامك بعض خصالك ، ولا لوم على الرأى في حال اختلاله فلقد سلبت عقلي باحسانك ، وملكت روحى بامتنانك . . )) ( 68 )

فالكاتب أصبح غير ذى عقل اذن ، وكلامه صادر عنه دون أن يملك ردا ولست أدرى كيف يهون هذا الهوان ، عالم مثل محمد بن سلامة بسبب هدية تافهة وصلته من المشير ولكنه التكلف والتصنع وهما طابع ذلك العصر فى كثير من جوانبه حتى ليعتبر من الامور الطبيعية ، بل قد يعد فى بعض الاحيان حلية يتباهى بها ولكل عصر أذواقه ولكل جيل مذهبه ومرتآه .

وهذا محمد المناعى يكتب الى صهره أحمد بن أبى الضياف فى واقعة حال فيرفعه الى السماوات العلى : (( المقام الذي له الفضائل السيارة ، والخصائص التى تقصر عنها العبارة فخر الكتاب المتقدمين في اليراعة ، المالكين ازمة البراعة . والأكرم ، الامجد ،

الافخم ، الاحظى ، الارضى ، الخلاصة ، المعتمد ، الاغر ، الاسعد ؛ ذو الوزارتين مولانا سيدي أحمد بن أبى الضياف أمير لواء ، أبقاه الله سيدا ، وسندا وركنا مشيدا .

(( أما بعد تقبيل أيديكم الكرام ، وأداء ما يجب لكم من الاجلال والاعظام . فقد وصلنى كتابكم المشحون لطفا وبرا وأفادنى عزا وفخرا . . . فلتعلم سيدي انى لاختياركم تابع ، ولامركم مطيع وسامع . ومتى تأمرنى يوم العقد تجدنى ممتثلا ، ولقبلة مرادكم مستقبلا . والله يصل بالعز بقاءكم ، ويجعل من يبغضكم فداءكم ( 69 ) .

وبالرغم من طول هذه الرسالة فانك حين تتأملها تجد كثرة كلام لا يفيد ، وليس وراء غير خبر قصير هو موافقة صاحب البنت ، محمد المناعى لصهره واعطائه الحرية فى تحديد تاريخ يوم العقد . هذا كل ما فى الرسالة ولكن الجعجعة الكلامية طولت الرسالة طولا مملا وتلك عادة كتاب العصر الحسيني ( 70 ) لا يشذ عنهم أحد فهذا ابراهيم الرياحى حين خاطب شيخ الاسلام بالاستانة لم يسلم من التكلف وحمل نفسه على التصنع ، وذلك بقوله :

(( المقام الذي رفع الله قدره وأكمل فى سماء العز بدره ، وطهر من الدنس سره وجهده . وطيب فى أنف الدهر ذكره ، مقام مولانا الهمام الامجد ، والامام الاوحد ، غرة سعادة الايام ، وواسطة عقد نظام العلماء الاعلام . صدر صدور الافاضل ، ومزية الاواخر والاوائل . مصدر الاسماء واللطائف ، وكعبة العلم  الذي يثوب اليه كل خائف ، أبو العباس سيدى أحمد عارف . . )) . وبعد أن  طلب منه مساعدة تلميذه أحمد بن أبى الضياف فى مهمته السياسية التى قدم من أجلها الاستانة يختتم رسالته بالدعاء (( والله تعالى يبقيكم للاسلام ويجمع شملكم فى خير الانام ، فى الدنيا قبل يوم القيام )) ( 71 )

فقد حرص ابراهيم الرياحي على السجع كما ترى ، حرصا شديدا حتى لكأنه بهذا التجانس يظهر تفننه . ألا ترى انه بدل أن يقول قبل يوم القيامة قال قبل يوم القيام لا لشئ سوى أنه يريد أن يجانس في التنغيم ، اذ لفظ اسلام والايام يقتضى القيام لا القيامة وبذلك يصل التكلف منتهاه .

ومن الخصائص المميزة للرسائل الاخوانية زيادة على ملازمة الاساليب السجعية والكلف الشديد بفنون البيان والبديع هو التضمين لاحاديث الرسول ، والقرآن

وللمأثور من كلام العرب (( وهذا الذى يناسب مقامى ومقامك ففعل الحر يدل عليه و (( شبه الشئ منحذب اليه )) ، فأنت لما حسنت أخلاقك وتعطرت أذواقك اهديت الطيب وسلكت أسوة بسميك الحبيب ، وأرسلتها هدية رفيعة المقدار ، وحسبى أن أقبل الهدية وأقول الاشعار . وأستمد منك استمداد الارض للامطار ولا عجب فان الامور تجرى من المرء على المقدار ( 72 ) فارهاق محمد بن سلامة نفسه وراء الاسجاع والتشابيه واضح جلى . ومثل هذا ما نجده فى ما يعد من الفنون داخلا فى فن الرسائل الاخوانية وهو فن التقاريض وانه لكثير كثرة مفرطة فى هذه الفترة التى نؤرخ لادبها ، ومثل هذا اللون لا يقل تكلفا ، وتصنعا ومغالاة ان لم يكن قد زاد عنها . ولك أن تنظر الى جواب أحدهم عن تقريظ سابق لمحمد بن الخوجة .

(( يا امير المذاهب كلها وواضع ألويتها بمحلها . ان بتقليدك أهلك الولاية ، استطعت حمل تلك الراية . ثم ما حامت بهمتك الناظرة سقوطا ، ولا حلت بوصل من شارتك (( لا صعودا ولا هبوطا . . . هذا وان الاسلام لولا أنه تحية الاسلام لكان عدم الرد مقتضيا للمقام ، اذ بماذا أجيبك وأقول فيك ، وملء الكون يكفيك ، ان قلت أرق من النسيم فلطفه منك اليه جرى ، أو قلت أرق من محادثة الوسيم فعل بلاغتك في ريقه جرى ، إذا لم يكن من بد وأنت أنت وما أدراك ، لم يكن من رد تحيتك الا جفاك مولاك . لله أبوك ، لافض فوك . و لقد أرسلت اليك بنتا على أن تستجدى منك يختا ، وتستعير من قبولك ما تتخذه تختا . فأنت بأكثر من الامل ترفل فى حلى وحلل مع احتياجها أى احتجاج لان العروسة لا بد لها من ملابس الابتهاج ( 73 ) وهكذا كان الناثرون فى اخوانياتهم يكتبون فى العصر الحسينى لا يراعون غير البديع والبيان ومثل هذا الجواب عن التقريظ يمثل طابعا قد يكون عاما للرسالة الاخوانية الجارية بين المقرضين . واذا كنا نضيق اليوم بهذا الاسلوب وبهذا اللون من زخرف القوم فما ذلك الا لان زماننا غير زمانهم ومقاييسنا الفنية المعاصرة غير مقاييسهم وأذواقهم .

فن المقامة

ابتدأت الحركة الادبية فى تونس بالرجوع الى التراث العربى القديم مثلما كان ذلك بالنسبة للشرق ولذلك لاحظنا أن الفنون التقليدية فى أدبنا العربى استعادت الحياة على أقلام الادباء التونسيين فى القرن الثامن عشر والتاسع عشر بما فيها فن المقامة ، فلقد ازدهر ازدهار كبيرا ( 74 ) ، ولم يقتصر على

طائفة من الادباء دون طائفة بل عالجه الشاعر كما عالجه الناثر والعالم ومن اشهر كتاب المقامات : على الغراب ، ومحمد الورغى ، وحمادة بن عبد العزيز أحمد بن أبى الضياف ، وأحمد الدوالى ، ومحمد السنوسى ، ومحمد بن الخوجة ومحمد جعيط ، وعبد العزيز بوعتور .

ولقد اختلفت موضوعات مقامات أولئك الكتاب ، كما اختلفت منازعها ومراميها وذلك باختلاف المنزع الذى نزعوا اليه . ونستطيع تصنيف مقاماتهم على النحو التالي :

1 ) مقامات فى المدح . 2 ) مقامات اخوانية وهي لا تعدو أن تكون بمثابة الرسائل الاخوانية .

فمن مقامات الصنف الاول ، المقامة الخمرية للورغى ومثلها لحمودة بن عبد العزيز اللتان قيلتا في مدح على باى الثانى حين ابطل الخمر ، وهدم خمارات العاصمة ، ومقامة أحمد بن ابى الضياف المسماة (( المقامة الجلية )) التى مدح بها الولى أحمد الباهي وجعل فى ثناياها مديحا لحسين باى . ومن هذا الصنف أيضا مقامة لكاتب مجهول مدح بها المشير الاول أحمد باشا ، ومقامتان لاحمد الدوالى احداهما الفخرية فى فضل الدولة الحسينية كتبها بمناسبة ولاية المشير الثانى محمد باى ، والثانية كتبها حين اصدر هذا الباى الدستور (( عهد الامان )) .

وهذا اللون من فن المقامات يعطينا صورة حية لحالة العصر الحسينى ويكشف لنا عن جوانبه المختلفة سياسيا واجتماعيا كما يكشف لنا عن مدى الصراع الدائر في تلك الفترة بين الادباء . وفي كثير من تلك المقامات ينطق المؤلف بطله بأنه رحالة جوالة ، جهينة أخبار ، وحلس أسفار ، وانه علق الادب صغيرا وهام به كبيرا هيام جميل بثينة ( 75 ) ، وانه يقارع أصحابه ومنافسيه شعرا  فينتصر عليهم وانه يعجب الحاضرين بجودة قريحته وقدرته على فنون الصناعات الشعرية والبديعية منها خاصة ( 76 ) ولم يكن هذا البطل الا المؤلف يتحدث عن نفسه مفتخرا بأدبه وعلمه وتفوقه فيما كان الناس يتفوقون فيه .

وفي ثنايا بعض المقامات تلمس بعض الاعتبارات الادبية التى يتحتم تطبيقها لتحصل الجودة الفنية كقول بطل المقامة المجهول ، أبى هانى - والحديث عن أحمد باشا المشير (( والشعر لا يعذب الا بالكناية ، وتتوجه الافهام له بالعناية ،

ويظهر لك أن مجد مولانا لا يدركه من فهم ، بل يكل عن أوصافه القرطاس والقلم البس هو الاكبر فى الاكبرين ، الثالث فى الاصغرين ، الجامع للمزيتين ، البار بالابوين )).

وحين سأل نصر بن بشر ابا هانى التوضيح ، أجابه (( أما أكبراه ففعله وايمانه وأما أصغراه فقلبه ولسانه ، وأما مزيتاه فرأيه وشجاعته . وأما حديث أبويه فلا غبار عليه . فقال نصر : ان لثالث المزدوجات لشرح طيب ( كذا ) بشهد له قول أبى الطيب )) ( 77 )

وقول أبى الطيب هو :

الرأى قبل شجاعة الشجعان       هو أول وهى المحل الثانى

ويلاحظ أن الغاية التعليمية التى كانت فى اعتبار رواد فن المقامة العربية تبدو كأنها انعدمت عند الكتاب التونسيين لهذا العصر ولذلك اختلفت مقاماتهم عن مقامات أولئك الماضيين ، ولم نعد نجد ألفاظا غريبة ولا تعاببير أعرابية على نحو ما عودنا به الحريرى والبديع الا فى القليل النادر ، كما انعدم ما يمكن ان نسميه بالعقدة الفنية التى نلحظها فى مقامات القدامى ، واصبحت المقامة الحديثة التونسية لا تمثل أحيانا حتى الحكاية البسيطة واذا ما استثنينا من كتابها أبا عبد الله محمد الورغي او حمودة بن عبد العزيز فان بقية أصحابها أو قل على الاصح جمهورهم لا تتعدى مقاماتهم أن تكون رسائل اتباعية سلفية كمقامة الغراب المسماة (( بالصابونية )) أو (( العبائية )) ومقامة ابن ابى الضياف الباهية ( 78 ) او وصفا لمجالس أنس مثلما نلحظه عند محمد السنوسى ، ومحمد ابن الخوجة ، ومحمد جعيط في مقاماتهم السفرجلية ( 79 ) .

واذا كانت ثقافة حمودة بن عبد العزيز قد جعلت من مقامته الخمرية حكاية فنية لا تخلو من المتعة والجمال ، اذ نجد فيها ما يوجد فى الحكاية من عناصر التشويق ، وتمت الى فن المقامة بصلة تتمثل فى هذه التراكيب المتينة ، وهذا الشعر الذي لا يخلو من الصبغة التعليمية ، أحيانا ( 80 ) فاننا نجد غيره من كتاب المقامات لم يقدر لهم أن يحلقوا فى الجو الذي حلق فيه حمودة بن عبد العزيز مما جعل أحمد بن ابى الضياف فى مقامته (( الجلية )) خطيب جمعة اكثر منه كاتب مقامة ، وانك لتلمس ذلك بداية من أول المقامة : (( الحمد لله الذي نور قلوب الاولياء من المحبين الاصفياء وجبلهم على الاذكار ، آناء الليل وأطراف النهار . . . ))

وفي ختامها يقول (( وتختم الكلام بما ينبغى به الاختتام وهو الصلاة والسلام على سيد البشر ، والشفيع المستهام فى المحشر ، ذو الكرم الجم ، والمن الذى عم ، امام المرسلين ، وخاتم النبيين ، المرسل رحمة للعالمين ، وعلى آله الذين  أظهروا الدين وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين . وسميتها المقامة الجيلة فى الانوار البشرية )) ( 81 ) ولا شك أن الجاهل لهوية هذا النص لا يشك ابدا فى انه فقرة من خطبة دينية فى مسجد ولسنا مغالين اذا قلنا ان مقامات المتاخرين في القرن التاسع عشر بتونس من امثال مقامات السنوسى وجعيط وابن الخوجة محمد تدل بجلاء على افلاس قسم كبير من أدباء هذا العصر ، وعجزه عن الابتكار  والابداع في الميدان الادبى لانا رأيناهم يكتفون بالقشور ، فمن أجلها يلهثون وبها يتعلقون . وحين خيل اليهم أنهم اكتشفوا ميدانا جديدا ، يتخذونه موضوعا لانشاء مقاماتهم ، وجدناه ميدانا قليل الاهمية ان لم نقل تافها ، لا يدل الا على سطحية فكرية ، وعقم أدببى . والا فما قيمة مقامات لا موضوع لها سوى سفرجلة تتلقفها الا يدى فى المجالس ، وعليها ومن أجل لونها وطعمها يدور حوار القوم ( 82 ) فأى طرافة فى مثل هذا الموضوع وأى قيمة وجدوى ؟ فأى قيمة وأى جدوى ايضا من حوار يجريه كاتب على السنة الزهور ان جاز أن تنسب للزهور الالسنة كالمقامة التى كتبها محمد ابن الخوجة فى تفضيل زهر (( الخبرى )) على الاقحوان وضمن حواره دعوة صاحبه محمد السنوسى لزيارته فى أريانة ( 83 ) ؟ كذلك ما قيمة مقامة يستفرغ فيها كاتب طاقته ، وليس من وراء هذه الطاقة الا العناء والنصب ولا شئ وراءه ، مثل المقامة الربيعية التى أنشأها محمد السنوسى وتحدث ما شاء له الحديث عن زهور الربيع واطنب فى وصفها نثرا وشعرا ؟ ( 84 ) .

ان هذا اللون من المقامات بمنحاها العقيم لا يدل ان كانت له دلالة الا على ضحالة فكرية وفجاجة فى الروح ، وسقم فى الذوق الادبى ، وانعزالية عن تيارات العصر الذي كان يضطرب ويضطرم لا سيما فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر . ولك أن تنظر الى احدى المقامات السفرجلية كيف يتحدث كاتبا محمد السنوسي مصورا حالته (( فما وسعنى من أمري الا أن هجمت عليها وبادرت اليها عاملا بحديث رواه عن الصادق الصديق ، كلوا السفرجل على الريق ، وحديث رواه من أسند وأستند ، كلوا السفرجل فانه يشجع القلب ويحسن الولد ٠٠٠)) ( 85 ) .

وبعد أن ينتحى الكاتب بالسفرجلة ناحية ويلتهمها التهاما يرجع لاصحابه فيسألونه عن أمرها (( فأخبرنا عن أمرها وهي لك شفاء ولا تتركنا على شفا .

وكان قد وغل علينا واغل ، يتمنى أن يكون من كأسها ناهل ( 86 ) . فقلت لهم لا تسألوا عنى أشياء ان تبدلكم تسؤكم عن قريب بخبرها أنبيكم . ونهضت عن الجماعة ، مخفيا خبرها الى قيام الساعة )) ( 87 ) . ولا يخفى على الناظر ما فى هذا النص من الهفوات النحوية ومثل هذه الاخطاء كثير شائع فى المقامات شيوع التعايير العامية على نحو ما نجد عنه محمد جعيط حين أنطق سفرجلته (( اننى لم أكن أبذل اليكم الا ما قد طاب عندى ، وذاك الذي أبدى . ولكنى لما وهبنى لمن لا يكرم مثواى فعذبنى بأنواع التعذيب (( وسخف )) لحالى كل بعيد وقريب وأعقبنى التعب والمرض فصرت لا أملك لنفسى غرض )) ( 88 ) .

فالكلمة العامية (( سخف )) وأما الخطأ النحوى فظاهر فى آخر الفقرة

ورغم أن هذا اللون من المقامات الاخوانية جرى على أقلام أدباء نعتبرهم أو الكثير منا اليوم على الاصح ، يعتبرهم من دعاة التجديد ورواد نهضتنافى النصف الثانى من القرن التاسع عشر فانه كان المنتظر أن لا نجد مثل هذه السطحية فيما خلفوا لنا من آثارهم الادبية . وفى ظننا أن ترف أولئك الادباء العلماء أو العلماء الادباء ، وبذخهم ، ثم طبيعة الحياة الناعمة التى كانوا عليها مولدا ونشأة كل ذلك لون أدبهم بهذا اللون من الوان حياة المترفين الانعزاليين وما أحسب أحدا ينكر أن محمد السنوسى وصاحبيه محمد جعيط ومحمد ابن الخوجة معدودون فى حساب الارستقراطية التونسية ، وان أحاديثها الطويلة الاخوانية وافراطهم الشديد فى التحدث عن أصناف الازهار ووصفهم لها وفكاهاتهم التى تحفل بها مقاماتهم السفرجلية لدلالة حقيقية ، وصورة صادقة حية للحياة المترفة التى تحياها الطبقات التونسية المترفة وخاصة هؤلاء الذين يسكنون العاصمة فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر ، وأين مقامات المتأخرين من مقامات المتقدمين من أدباء العصر الحسينى فانها على ضعف الكثير منها - قد صورت لنا المجتمع التونسى فى القرن الثامن عشر خاصة والمجتمع العربى الشرقى عامة ، تصوير أبرزت فيه مساوىء وعيوب هذه المجتمعات كحديث حمودة بن عبد العزيز على لسان بطل مقامته المغربى وذلك حين قال له اصحابه وكانوا يتناشدون الشعر حول بركة الازبكية بالقاهرة (( وأى فضيلة لبلد - أى تونس - تباع فيه الخمور ، ويشاع فى شربها بالفجور وتشاد به الحانات والدساكر اشادة رباطات العساكر . . . )) ( 89 ) .

هذا الوصف لمجتمعنا التونسى فى القرن الثامن عشر يدلنا على طبيعة حياة هذا المجتمع وعلى مدى انتشار التفسخ والانحلال والاقبال على اشباع

البطون ، انصرافا عن الحياة الجادة ، وانتهاكا للقيم الروحية ، ومثل هذه النصوص الكاشفة لجوانب المجتمع الحسينى لا نعثر عليها بسهولة ويسر فى الكتب القديمة التى تؤرخ لتلك الفترة ، على أن نزعة الانحلال لم تكن - كما هو ظاهر النص - خاصة بتونس وحدها بل هى بلية تعم العرب جميعا مغربا ومشرقا بدليل جواب المغرب على الكلام المتقدم : (( ثم رفع رأسه وصعد أنفاسه وقال : أما هذا فنعم ، على أن البلاء قد عم )) فابتلاء المجتمع العربى المسلم بآفة الانحلال اذن عامة لا فرق بين أجزائه ، ولم يسلم منها حتى مدرج الرسول ومهبط آياته ووحيه ، لأنه رأى (( قوما عاكفين على العقار ، وقد اشتغلوا عن أمر الحجاز . فتوقعت والله معاجلة العذاب ، لولا النبى الاواب )) ( 90 )

هذه هي قيمة الصنف الاول من المقامات ولها الى جانب هذه القيمة عنصر الجودة . وفي رأينا أنها تعتبر من أثرى النصوص ، اذ صورت لنا المجتمع التونسى فى جوانبه المختلفة وخاصة الناحية السياسية والاجتماعية ( 91 ) لا فرق في ذلك بين المقامات التى اتخذها اصحابها وسيلة أداء لتحقيق أغراضهم فى هذه الناحية أو التى لم تكن كذلك ، لاننا نستطيع من خلال نصوص كلا النوعين أن نتعرف على حالة العصر وأخلاق أهله ، ومنازعهم ، وصلتهم بممدوحيهم ، ومن يتقربون اليهم ، كما نستطيع بالاضافة الى ذلك أن نتحسس المثالية الفنية المنشودة التى هى غاية الكاتب المتأدب وهدفه الذى اليه يتقصد ، ولقد وجدناها صدى للمثل الفنية القديمة ، واتباعية معطلة افقدها الاجترار سر الجمال الفنى وسلب منها عنصر الحياة والخلود العبقرى .

فن المقالة

كان النثر الفنى بتونس حتى سنة 1290ه - 1873 م، نثرا تقليديا كما سبق أن أشرنا اليه يعتمد على السجع والمحسنات البديعة ، وكانت فنونه محدودة لا تتجاوز فن الرسالة والمقامة وفن التقريظ . وحين دخلت الطباعة تونس وظهرت جريدة الرائد التونسى وهى الصحيفة الوحيدة التى ظهرت فى هذه الفترة ، ظل تأثيرها بعيدا عن الحركة الادبية ، اذ لم تؤثر فيها لا من الوجهة الفنية ولا من الناحية الموضوعية . وكان السبب فى ذلك يرجع الى أنها - فى عهدها الاول - اقتصرت على نشر ما يخص الدولة من قوانين ونحوها من أخبار خارجية وداخلية وحتى اذا ما نشر فيها بعض المقالات فانما هى مقالات علمية فى التاريخ أو الجغرافية مترجمة أو منقولة عن صحف أخرى أجنبية ( 92 )

وما ان جاء خير الدين الى الوزارة وأصبح رئيسا للوزراء سنة 1291 ه - 1874 م حتى أحدث انقلابا فى الحياة الاجتماعية والفكرية ، وأصبحت موجة الاصلاح بفضل هذا المصلح الكبير تغزو الحياة التونسية من جميع جوانبها ، وأصبح الرائد التونسى مرآة لهذه الوجهة الاصلاحية ( 93 ) ، ولم يعد الكاتب الحسينى حبيس عواطفه الفردية كما كانت حاله من قبل ( 94 ) ، ولم يعد يتردد فى الاصداع برأيه والدفاع عنه ( 95 ) ، واتضح جليا أن اقلام الادباء لم تعد فى خدمة أرباب القصور بل اصبح أصحابها يستهدفون أولا ، القارىء التونسى من عموم المواطنين . ونتيجة طبيعية لهذا الاتجاه بدأ الكاتب التونسى يتحرر من قيود السجع وثقل الصناعة البديعية ، ويخرج بالنثر الفنى من حيز الاسلوب المتوارث الى ميدان فن النثر الترسلى الجديد وهو الايذان الصحيح بميلاد مبدأ معايشة الاديب التونسى عصره ومثل ما حصل من تطور فى الاساليب النثرية فى الشرق ( سوريا والعراق ومصر ) على صفحات الجرائد والمجلات ، حصل ايضا مثله في تاريخ متقارب عندنا بتونس وعلى صفحات الرائد التونسى خاصة الا أن الملاحظة هو أن هذا التطور أنضجته أقلام تونسية صليبة ، وتمثل خاصة في ميلاد فن المقالة الفنية ، ولا شك ان ظهورها استجابة طبيعية لظرف تونس فى النصف من القرن التاسع عشر ذلك أن الاحداث السياسية مثل ثورة على بن غذاهم والثقافية والاجتماعية مثل اصلاح جامع الزيتونة وانشاء المدرسة الصادقية وغير ذلك من أوجه الاصلاح كل ذلك جعل الكاتب التونسى يدرك أن الحياة الادبية أرحب مما كان يتصورها سلفه ، وأن الادب الحق ليس أدب الزخرف اللفظى والتزويق المفتعل ، وأن الانشاء الحق ما اعتمد فيه صاحبه على الفكرة قبل اللفظ ، وعلى الصدق فى ابراز المعانى وتجليتها قبل التعلق بالسجع وضروب البديع ولا شك أن لخير الدين الفضل الاكبر فى الوصول بالكاتب التونسى الى هذا التصور والادراك العميق ، ذلك انه أول وزير تونسى أعار اهتماما - فى فترة حكمه - لرأى الرعية ، وسعى الى تحقيق رغائبها ، ووفق بالإضافة الى ذلك فى ايداع هذا الروح نفسه فيمن حوله ممن ساعدوه فى حركته الاصلاحية وخاصة محررى الرائد الذين كانوا يكتبون بتوجيه خير الدين ويروح منه ( 96 ) ومن هنا برزت المقالة الفنية ناضجة مكتملة وهي تدور من حيث الاغراض على السياسة ، والاجتماع ، وفن الوصف ( 97 ) .

ومنذ سنة 1293 ه - 1876  وهي السنة التى تقدم فيها محمد السنوسى للاشراف على تحرير الرائد التونسى ، أصبحت المقالة الفنية تصطبغ بصبغة عامة تعالج في كثير من الاحيان الحالة التونسية الراهنة ، وقد تتجاوزها الى

الحديث عن وجهة نظر سياسية لدولة من الدول كمقالة النظر فى العواقب التى تذرع كاتبها بهذا العنوان ليتحدث عن السياسة الروسية ( 98 ) ويلاحظ أن الجانب الاجتماعى كان يحظى لدى كتاب الرائد التونسى بعناية واهتمام اكبر ومن صور عناوين مقالاتهم : الاتحاد - السعى - الرأى - الوفاء وكثيرا ما تحلى هذه المقالات بنصوص من القرآن والحديث النبوى ، والاستشهادات بأقوال الماضين  المحكمة من النثر والشعر ( 99 ) . وكان الغاية من هذه المقالات ، انما هي توعية المواطنين وحملهم على الشعور بأنهم لبنات حية فى البناء الاجتماعى لاغنى عنهم وأن صلاحهم انما هو صلاح للمجتمع وفسادهم فساد له ونكسة تمس عموم المجتمع وكأن كتاب المقالة يضعون فى اعتبارهم وهم يكتبون - بالاضافة الى القارىء العادى - رجال السياسة والحكم ، ومن فى معناهم من اولى الامر كما نتبين ذلك من مقالة ( التدبير نصف المعيشة ) ( 100 ) ومقالة العدل اساس العمران ( 101 ) .

والاسلوب الذى سارت عليه المقالة الفنية هو الاسلوب الترسلى البعيد عادة عن كل تكلف أو تصنع ولا يتوخى فيه الكاتب غير اللفظ المساعد على تصوير الخوالج النفسية وابراز ما يراد من أفكار دون تعثر فى لفظ غريب أو صناعة مقبتة تجعل - مثلما كان من قبل - بين روح الكاتب والقارئ حجابا مستورا . وانك لتقرأ على صفحات الرائد هذا اللون من النثر الفنى الجديد فتشعر أن كاتبه قريب من نفسك وروحك ، تحدثك عن قرب كما أن لو كان يحدثك أقرب الناس اليك في اطمئنان ، واتزان ، وطبيعة ان صح هذا التعبير . ولك أن نقرأ ما كتبه بعضهم تحت عنوان " حسن الخلق " فتحس حقا ان عهدا جديدا  فى حياة النثر الفنى قد بدأ ، يقول كاتب هذا المقال ( 102 )

(( ان احتياج الانسان الى الاجتماع مع بنى جنسه والتعاون معهم على ما فيه صلاح معاشه ومعاده من ضروريات حياته . وهذا الاصل يحتاج الى أدوات ذاتية فى الافراد .

أما الذاتية فأهمها تأليف الناس ببعضهم على بساط واحد ، تحت حكم واحد معين لجميعهم بحكومة تجمع أمرهم ، وتذود عنهم مظلمة بعضهم لبعض ، ومع ذلك لابد من أن يكون فى الافراد تطاوع وانقياد لبعضهم ليحصل جاهلهم على العلم من العالم ويحصل فقيرهم على ما يلزمه من الغنى ، وهكذا حتى يكونوا متعاونين على مقصد واحد . وهذا التعاون مع كثرة المخالطة لابد له من حسن نعامل بينهم وأمنية كافية وميل نفسانى . . ))

أرأيت الافق البعيد الذى أصبح ينظر فيه الكتاب المترسلون أواخر القرن التاسع عشر فقد اصبح من اغراضهم هو ايجاد لحمة تربط بين البشر وتأليف بعضهم ببعض ( على بساط واحد ) كى يتحقق ( الاجتماع مع بنى جنسه والتعاون معهم ) ثم لا يكفي هذا وحده بل لابد من السلطان الذي هو الوازع ومن تطاوع فى الافراد وهذا ضرورة حتمية ( ليحصل جاهلهم على العلم من العالم ويحصل فقيرهم على ما يلزمهم من الغنى )

وهكذا نرى أن عواطف الكاتب لم تعد كما كانت من قبل فردية خاصة بل اصبحت عاطفة اجتماعية انسانية وما كان لمثل هذه العاطفة أن تبرز لولا صلاح الحكم اذ ذاك ووجود الرائد الذي استعمل وسيلة أداء لما يجول فى نفوس زعماء الاصلاح وتبليغه لابناء تونس فكان الحرص على أفهام المواطن العادي والخاص سواء سببا هاما فى تطويع الاساليب النثرية وجعلها واضحة المعالم على نحو يساعد عامة القراء على الفهم والوعى وبذلك ودع الكاتب التونسى الاسلوب التقليدي المسجع مستبدلا به الاسلوب الترسلى السهل لانه لم يعد يعيش لعواطفه الذاتية  ورغائبه الفردية يدور لها حيث ما دارت ، ويقف حيثما تقف به بل أصبح رهين شعور يفرض عليه التزاما معينا نحو البيئة التى ينتمى اليها ، وتبعا لذلك وجد الكاتب التونسى نفسه ملزما ببذل جهد كبير فى تصوير الفكرة وتقريبها الى أذهان عامة الناس ، وبذلك أصبح وهذا نتيجة لعوامل بيئية مختلفة - يحمل روحا اجتماعية فى غابتها سامية فى أهدافها ، ساعيا الى ربط الفرد بالدول والدولة بالفرد ولا قصد من وراء هذا السعى الا توخى المصلحة العامة فى البلاد

وقد ظلت المقالة الفنية تتطور بتطور العصر فى اتجاه الكشف عن علاقة الفرد بالجماعة وعلاقة الجماعة بالدولة خدمة لهدف أسمى هو فوق كل الاهداف و الاغراض ويمكن نعته بالمثل الاعلى العام والخاص أيضا بالحياة الوطنية ، حاضرا ومستقبلا ، وللقارىء أن يقرأ مقالة (( حسن الذكر )) يقول كاتبها :

(( لا شك أن ما ادخره الانسان لحاله ومآله هو حسن الذكر الذى يتخلد الى الابد ولا يأتي عليه الدهر بما يطمس أثره . وقد أودع الله فى النفوس الكريمة محبة حسن الذكر ليرتب على ذلك مصالح فى عمران الارض ، اذ من الناس من يكون فى غنية عن المال أو الجاه الذى يستعبد كل أحد ، وهو محتاج اليه فى بعض الاعمال ويراد منه ما لم يرد من غيره فى اتعاب بدنه وفكره فى خدمة ذلك العمل ، لا سيما ان كان العمل من المصالح الاهلية العامة فمثل هذا لا يمكن استعماله بالمال والحالة انه غنى عن المال ولا طريق الى اثارة عزائم همته

الا كرم نفسه وسعيه فى تخليد المآثر والذكر الحسن ، وهو أمر لا يكفى فيه وجود المال عند صاحبه بحسن العمل :

(( انما المرء حديث بعده      فكن حديثا حسنا لمن وعى )) ( 03 )

وفي هذه المقالة يلاحظ أن الكاتب التونسى قد ألغى من حسابه الاقلمية الضيقة فى تفكيره ودعوته الاصلاحية ، اذ اصبحت مراميه انسانية ، بعيدة هي سعادة البشر عامة وعمران الارض كلها لا تونس وحدها ، واثارة حافز التغير فى طباع التونسيين وابعادهم عن الانانية الفردية والتفانى فى خدمة القصور واضفاء صفات التأله على من لا يعنيه سوى صولجان السيادة ومراودتهم على تعشق فكرة الخلود التى لا تتيسر الا بحسن الذكر . وحسن الذكر لا يحصل الا بالعمل من أجل (( المصالح الاهلية العامة )) التى لا يكون الباعث عليها المال حب المصلحة الآتية وانما أساسها كرم النفس (( والسعى فى تخليد المآثر )) . وهذا الاتجاه في حد ذاته يمثل تطورا فكريا هاما فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر وهذا اتجاه حرر فيما بعد الكاتب العربى فى تونس وفى كثير من البلاد الاسلامية واخرجه من دائرة ما اسماه مارون عبود بأدب الظل الى ميدان فكرى رحب لخدمة عامة المجتمع وتبنى القضايا الانسانية العامة بقطع النظر عن الحدود والجنس . وفي غمرة هذه النفحة الجديدة أصبح الكاتب حريصا على افهام قرائه وتوضيح ما يريد توضيحه لهم ، هدفه الذى لا ينساه ولا يحيد عنه فكان نتيجة لذلك ظهور ادب الفكرة ( 104 ) متمثلا خاصة فى فن المقالة على صفحات الرائد ، وفى ماكتبه خير الدين وشيخ الاسلام بيرم الخامس ومحمد السنوسى والخضر حسين فيما بعد القرن التاسع عشر ولا سيما تلاميذ خير الدين الذين تزعموا ثورة الاصلاح والدفاع عن البلاد وكانت جمعية الخلدونية وجريدة الحاضرة خاصة أصفى مرآة عكست آراءهم وصورت النضج الفنى الذى بلغه فن النثر عامة وفن المقالة بالخصوص .

60 - مجلة الفكر ديسمبر سنة 1966 ص 39 61 - الفلك المشحون لابن سعيد مخطرط بالاحمدية ص 48 وما بعدها ومجمع الدواون 145/1 62 - ديوان محمد طريقة مخطوط بالاحمدية ص 150،148 63 - مجمع الدواوين ، 259:1 64 - المصدر نفسه ، 182:2 65 - المصدر السابق ، 299:1 66 - المصدر السابق ، 257:1 67 - المصدر السابق ، 256:1 68 - المصدر السابق ، 198:1 69 - المصدر السابق ، 163:1 70 - المصدر السابق ، 141:1 وما بعدها 71 - تاريخ ابن أبى الضياف ، 58:4 ، 59 72 - مجمع الدواوين ، 161:1 وما بعدها 73 - المصدر نفسه ، 221:1 وما بعدها 74 - مجلة الثريا مقال تراثنا الادبى لمحمد ماضور ديسمبر 1943 ص 31 75 - مجمع لدواوين مقامة حمودة بن عبد العزيز الخمري 2،130 ومقامة مجموع المؤلف في المصدر نفسه ص 275ومقامة ابن أبى الضياف بالمكتبة الوطنية 3586 ص 2 76 - انظر مقامة حمودة بن عبد العزيز بمجمع الدواون 2،145 والمقامة  المجموعة في مدح أحمد باشا المشير ص 257 77 - مجمع الدواوين2 ، 277 ، 278 وفى هذا النص خطأ نحو صوابه شرحا  طبيا  78 - المقامة العبائية للغراب فى بهجة النفس والعين مخطوط بالخلدونية رقم 3263 ص 30 وما بعدها 80 - مقامة بن عبد العزيز حمودة بمجمع الدواون ،148:2 ، 149 81 - مقامة ابن ابي الضياف ص 1 ، 7 82 - كنش محمد السنوسى ص 33 وما بعدها ، 83 - المصدر نفسه ص 62 وما بعدها 84 - المصدر السابق ص 64 وما بعدها 85 - المصدر السابق ص 33 وما بعدها 86 - كذا بالاصل والصواب ناهلا

87 - كنش محمد السنوسى ، ص 34 ، 35  88 - المصدر السابق ص 37 8 - ممع الدواون من مقامة حمودة بن عبد العزيز 134:2 90 - المصدر نفسه ،134:2 ، 135 91 - مجلة الثريا ديسمبر 1943 ص 31 ، وانظر أيضا مقامتى أحمد الدوالى ، مخطوط بالدار الوطنية من مكتبة حسن حسنى عبد الوهاب تحت عدد 18303 . كان أحمد الدوالي حيا سنة 1277 ، ومقامته الاولى هي المقامة الفخرية في فضل الدولة الحسينية كتبها بمناسبة ولاية المشير الثانى محمد باى العرش سنة 1275 وبعد قضائه على ثورة غومه بناحية الاعراض بالحامة وقد ذكر فيها طائفة من اسماء رجال دولة هذا الباى اما المقامة الثانية فقد كتبها حين منح الباى قانون عهد الامان وتأليف المجالس . والمقامتان على ضعف أسلوبهما وركاكة لتعبير فيهما وضعفهما فنيا فانهما - حقا - وثيقتان هامتان لتصور الحياة التونسية بمختلف مظاهرها فى منتصف القرن الثامن عشر والتاسع عشر . ومن المقامة الثامنة نعلم أن أحمد الدوالى من أنصار عهد الامان . 92 - الحركة الادبية والفكرية لمحمد الفاضل بن عاشور وانظر أيضا الرائد سنة 1860 عدد 1 والاعداد التالية بعده على أن هناك بعض المقالات المنشأة فى تلك الاعداد ص 15 ص 27 93 - أركان النهضة الادبية لمحمد الفاضل بن عاشور 94 - الحركة الادبية والفكرية ص 26 95 - مثلما فعل بيرم الخامس حين تولى الوزارة خير الدين فكتب معلنا عن مناصرته لخير الدين ومهاجما لانصار الوزير السابق مصطفى خزندار فكان أول تونسي جاهر بآرائه السياسية فى الجرائد تحت امضائه ه انظر ترجمة بيرم الخامس صفوة الاعتبار ج 5 - ه 96 - الحركة الادبية والفكرية ص 23 وما بعدها 97 - المصدر السابق ص 27 98 - المرجع السابق ص 28 99- الرائد التونسى سنة 1293 عدد 36 ص 1 100- المرجع السابق عدد 4 ص 1 107 - المرجع السابق عدد 6 ص 1 102 - المرجع السابق عدد 42 ص 1 103 - مجلة الفكر السنة12 - 1966 ص 35

اشترك في نشرتنا البريدية