١
استطيع ان اجزم ، فى شئ غير قليل من الجد ، ان المقارنة بين ادب وادب امر عسير ، غير يسير ، فهو عمل يحتاج الى دراية واسعة ، واطلاع وافر ووقت طويل ومجهود كبير ، وخاصه اذا كانت تلك المقارنة بين ادبي لغتين عظيمتين ، يتادب بادبها عدد كبير من ملايين الناس المتمدنين ، الذين مر على تاريخهم اجيال ، وقرون وعصور .
ولكن ذلك ليس يعنى ان جمهرة الادباء يتنكبون هذا النوع من البحث فلا يتعرضون له ، ولا يطرقونه ، إلا فى نوع خاص من البحث النقى ، والتحقيق الكامل ، والتعمق البعيد فى اسفار ومجلدات ، ولكن ذلك يترك الباب مفتوحا للفتات قصيرة ، وكلمات عاجلة فى صفحات المجلات الاسبوعية او الشهرية بل وعلى صفحات الجرائد اليومية كذلك .
يشبه كلا الأدبين ، العربي والأنجليزي ، صاحبه من وجهة أساسية فطرية ، ومن ناحية ان الادب مرآة صافية صادقة ، ينعكس على صفحتها عواطف أمة من الامم وجماعة من الناس ، وآمالها والامها وعقليتها ، وطريقة معيشتها بل طريقة تفكيرها وعاداتها وأساليبها فى الحياة وآراؤها فى الصغيرة والكبيرة مما يعرض لها وتحتك به وتتفاعل معه ، وإن ذلك لكثير لا يقع تحت حصر ولا يلم باطرافه تعداد .
ويختلف الأدب العربى عن الأدب الانجليزى فى طريقة التعبير عن تلك الأشياء التى ذكرت ، وعن غير تلك الأشياء التى ذكرت كذلك . ويختلف كل منهما عن الاخر بقدر اختلاف البيئة التى نشأ كل منهما فيها ، وبقدر اختلاف الظروف والمناسبات والملابسات ، وبقدر اختلاف وجهة نظر كل امة وبقدر اختلاف الاحداث التى مرت على كل جماعة فصهرتها وشكليها فى الصورة التى هى عليها الآن .
واول مشابهة بين الادبين ، بعد هذا التعميم الذى قدمت ، ان الرجل العربي ، يعتقد اعتقادا جازما ان الادب فن جميل لا مندوحة عنه ، ولا مهرب منه ، يخفف عن المهموم همه ، وعن المكروب كربه ، يثير العواطف ، ويصقل النفوس ، ويهذب الاحساسات ويرقق القلوب ، ويتحدث الى ادق ملكات الانسان ، والى اخص ما يتميز به الانسان الكامل من مميزات ، وهو يعتقد فوق ذلك ان الانسان الذي يسمع الادب ولا يتأثر به ولا يتلذذله بل ولا تتحرك عواطفه له ، انسان ناقص ، او انسان شاذ ، على اخف الاوصاف يحتاج الى علاج ، وان لم يثمر فيه العلاج ، فهو يحتاج الى ان يعتزل الناس أو يعتزله الناس ان لم يرد لنفسه عزلة
والرجل الانجليزى يشعر نفس هذا الشعور ، ويعتقد هذا الاعتقاد فالشعب باكمله يميل الى الادب ، والشعب باكمله - الا الشواذ الذين أشرت اليهم يتاثر بقصيدة من الشعر ، أو رواية من رواياته الكثيرة فتطبع وتطبع ، وتنتشر وتنتشر ولتمثيلية من تمثيلياته فيحضرها ويشهدها ملايين من القوم ، ويثرى الكاتب ويثرى ويذيع صيته ويذيع
اما فى الموضوعات التى تناولها كل من الادبين العالميين ، فتختلف اختلافا واضحا اظهر ما في الأدب العربي القصيدة والمقامة والمقالة ، واظهر ما فى الادب الانجليزى القصيدة والمقالة والرواية والتمثيلية ، والقصيدة فى الأدب العربى تناولت اغراضا شتى آظهرها وأعمها وأكثرها انتشارا وذيوعا المدح حتى
لقد خيل لبعض الناس ، ان الشعر العربى لا يكتب إلا المدح ، ثم يليه الهجاء ثم الفخر والحماسة ، ثم الغزليات ، وبعد ذلك يأتى الوصف والسياسة العامة ، اما الشعر الانجليزى فيقل فيه المدح والهجاء قلة ظاهرة ويسود فيه الوصف الحر الطليق من كل قيد الدقيق الى دقة الرسم والتصوير ، ويكثر فيه كذلك الفكرة العامة التى تحاول ان تحل كبريات المشاكل الانسانية والعالمية
والقصيدة العربية قد تجمع بين الفنون المختلفة المتقدمة الذكر فكثيرا ما تبدا القصيدة بوصف الديار والاكام والنياق والغزلان او بوصف الشوق ولواعجه ، والفراق ومرارته او غير هذين الضربين ، ثم ينتقل الى الفخر بالاحساب والانساب ، والعزة والآنفة والمجد والسلطان ، ثم يذهب الى المدح ويسرف فيه ويغدق منه ، ثم ينتهى بحكمة بالغة او حكمة قوية لبعض الشئ أو موعظة غالية ثمينة .
والقصيدة فى الادب الأنجليزى ؛ لا تتناول الا موضوعا واحدا أغلب الاحيان او موضوعين اثنين ان ضاق المجال وتيسرت سبل الانتقال فهو قد يهجو او يمدح فى البيت الاول وقد ينتهى بذلك فى البيت الاخير وقد يتعرض الشاعر بالوصف لوقته بحرية ، أو للانواء والامواج أو لجمال الجبال والغابات فيبدأ بموضوع وينتهى بموضوع كذلك دون لف كثير او دوران
أما القيود فى الشعر العربي فهى كثيرة عنيفة فالوزن والقافية لابد منهما ورصانة الالفاظ والخيال الجبار ، أمور لابد ان تراعي بدقة يعرفها الشعراء والوزن والقافية يسايران القصيدة مهما كثرت ابياتها وتعددت وبدون ذلك لا يسمى الشعر شعرا ولا يابه له كثيرا ، ولقد حاول بعض المحدثين التحلل من بعض تلك القيود قليلا فاخفقوا فى كثير من الاحيان وأصابو نجحا فى قليل منها .
اما الشعر الانجليزى فارتبط بقيود قليلة فذة قصيرة من الزمن ثم لم يلبث ان تحلل من كثير من ذلك القليل واكتفى الشاعر ان يكون معبرا عن فكرة ، فى لفظ موسيقى جميل ؛ ووزن سهل ميسور ، ومعنى يحاول ان يعبر عنه بقدر ما تواتيه ملكاته وعباراته .
من أجل ذلك كان اللفظ والوزن والقافية والعاطفة أظهر ما يصطبغ به
الأدب العربى . وكان المعنى أو الفكرة ، والموسيقى أبرز ما يتصف به الادب الانجليزى ، ومن أجل ذلك ايضا وقف الشاعر العربى عند القصيدة وانتقل الشاعر الانجليزى الى التمثيلية ، ومن أجل ذلك كان الشعر العربى عاطفة لذيذة او قوية ملتهبة تصل الى اعماق النفوس فتؤثر فيها وتحييها . وكان الشعر الانجليزى فكرة قوية ناضجة متسقة ؛ تصل الى العقول فتغذيها وتدفعها الى التبصر فى كل شئ والتامل في كل موضوع . . ومن أجل ذلك كان العربى يخضع للعاطفة فيثور بسرعة ويغضب بسرعة ، ويرضى بسرعة ، وكان الانجليزى بفكر طويلا ويتدبر طويلا . ومن أجل ذلك كانت الفكرة تلى العاطفة عند العربى ، وكانت العاطفة تلى الفكرة عند الانجليزى ، ولذلك ليس بدعا كلا من الجماعتين قد انطبع على غرار يخالف الجماعة الأخرى بقدر ما تختلف الفكرة عن العاطفة ، وبقدر ما تؤثر كل منهما فى الانسان

