الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

فى الادب المقارن, مقارنات، بين الأدب العربي والادب الانجليزى

Share

٢

يحتل الشعر العربي مكان الصدارة من الأدب العربي جملة واحدة حتى ان كثيرا من الذين يتصلون بالأدب يعتقدون ان الشعر هو الأدب وان الأدب هو الشعر ، وكثيرا من الذين يريدون ان يتادبوا - لو صح هذا التعبير - يحاولون ، أول ما يحاولون أن يقرضوا الشعر ، او على الأصح ، يحاولون ان يقرضوا ، ما يسمونه شعرا ، وان كان ليس بشعر فى نظر جمهرة الأدباء . وان اخفقوا فى هذا النوع من الشعر ، حاولوا ان يحفظوا شعرا ، وحاولوا ان بتمثلوا به ويتندروا ، حتى يسموا شعراء او ادباء ، كل ذلك لانهم لا يرون الأدب إلا في الشعر ، وتجهد نفسك عبثا ، ان حاولت ان تفهمهم ان الأدب كذلك فى النثر ، أو ان أكثر الأدب هو فى النثر

ولسنا نعرف على وجه التحقيق أمة من أمم الأرض اخرجت قدرا من الشعر بقدر ما اخرج العرب ، فالشعر العربي كثير جدا وافر جدا خصب جدا متنوع اشد التنوع متباين اعظم التباين لا يعرف له مثيل ولا نظير فى شعر أمم العالم جميعا على كثرة عددها واختلاف أجناسها وتعدد لغاتها ، ولسنا نعنى بذلك ان كل الشعر العربي رصين قوي اخاذ نفاذ ، ولكننا نعنى بذلك ان الجيد منه يفوق الجيد من الشعر فى أى لغة كانت غير اللغة العربية وعند أي قوم كانوا غير العرب

وقد لاحظ هذه الكثرة وهذا الانتاج الوافر كثير من ادباء الغرب فوقفوا عند تلك الملاحظة وقفة طويلة وعللوا لها تعليلات مختلفة وراحوا يتلمسون لها الأسباب التى لا تقنع كثيرا . واذا أردت أن تعلم ما قالوا او ما قال عدد عديد منهم فاعلم غير معلم - انهم قالوا ان الشعر رفيق البداوة وزميل الفطرة وعماد الحياة التى تخلو من النظام والتعقيد . وعللوا ذلك بأن قالوا ان الرجل الأول تكلم الشعر أول ما تكلم وغنى به أول الأمر ؛ فما الشعر إلا شقشقة لسان ونفثات عواطف لا تستطيع أن تبين ، ولقد كان الشعر أداة الحديث وعماد الحياة الأولى عند قدماء اليونان وقدماء العرب وقدماء الصين وغير هؤلاء وأولئك عند ما كانت اللغة لم تسبك بعد السبك الكافى ، وعند ما كان الكلام المنطقي المستقيم شيئا يبعد عن طاقة الأنسان في ذلك الزمان . وهم يدعون هذا الرأى الظالم بأن الثمر - فى اللغات الحية جميعا - قد قل محصوله عن ذي قبل قلة ملحوظة محسوسة لان الانسان تمدين ، ولأن الانسان تقدم ، ولأن الانسان ارتقي ، ولأنه أصبح فى استطاعته أن يعبر عما يريد بطريقة أرقى وأعلا ، فيها منطق وفيها حجة وفيها معني كثير وفيها لفظ قليل وفيها فكرة متسلسلة نعرف لها بداية ونعرف نهاية ، وعلى هذا الرأي نشأ النثر

وهم يريدون بذلك أن يقولوا ان العرب انتجوا شعرا كثيرا ، وكثيرا جدا لأنهم لبثوا فى البداوة ردحا من الزمن طويلا وطويلا جدا .

ولسنا بحاجة الى هدم هذا الرأي ونقضه من أساسه ؛ فان التاريخ السياسي الذي يكتبونه بأيديهم ويقرأونه فى مدارسهم ، يكفينا مؤنة هذا كله : فهو يقول لهم ويقول للناس اجمعين ان العرب يحضروا وتمدنوا وكونوا نظما ودونوا كتبا ونشروا علما وأشعوا نورا وتفقهوا وتفلسفوا قبل أي من دول الغرب اجمعين بقرون طويلة مديدة ولم يمنع ذلك شعرهم ان يكثر ويندفق وبنساب ويعذب مصدره ويحلو مذاقه ويحمل وقعه على النفوس

المرهفة الحساسة فيكون فخرا لهم ويظل مصدر عزهم وعنوان عبقريتهم

والتعليل الصحيح - عندي - لهذه الكثرة التى تلفت نظر الأدباء في مشارق الارض ومغاربها ان الشعر مسبار لصفاء النفوس ورفيق لبساطة الحياة وفرق كبير بين البساطة والبداوة - فبقدر صفاء النفس وشفوفها يتحدر الشعر صافيا شفافا لوصف رائع او لاحساسات دفينة او لحكمة بالغة او لخيال جبار بعيد كل ذلك فى لفظ بديع ووزن مستقيم ونغمة تألفها الأذن ولا تتأذى لها .

وكم من اديب فحل لا يستطيع أن يقول بيتا واحدا من الشعر ، وكم من شاعر مجيد لا يستطيع أن يقول شعرا إلا إذا صفت نفسه ودق حسه وتالم فؤاده

أما الشعر الانجليزي في الأدب الانجليزي فلا يحتل هذه المكانة التى يحتلها نظيره فى الادب العربى ولو استطعنا آن يجرد الشعر الانجليزى من شعر شاعر وأخذ كبير لأصبح الشعر الانجليزي شعرا آخر ، ولا حتل مكانة أخرى غير التى يحتلها الان بين الأدب العالمى ، ذلك الشاعر الفحل المجيد هو شكسبير .

يعرف الشعر الانجليزي كثيرا من الشعراء غير شكسبير امثال " بوب " و "دريدن " و " شيلي " و " كيتس " و " بيرون " وغير هؤلاء وأولئك ولكن الحكم الذي قدمناه يظل قائما لا يتزعزع فلو أسقط شعر شكسبير من الشعر الانجليزي لفقد كثيرا من روائه ولفقد كثيرا من نضارته وطلاوته ولاحتل مكانه الشعر الفرنسى ولسبقه الشعر الايطالى والالمانى والروسى أيضا .

ترى ، هل يرجع ذلك الى ضعف عبقرية فى شعراء الانجليز الآخرين أو الى قلة فى انتاجهم او الى عدم ذيوع أسمائهم هنا وهناك لسبب من الاسباب ؟

لا لهذا ، ولا لذاك . ولكن لأن " شكسبير " كان فلتة من فلتات البيئه الانجليزية وفلتة من فلتات العبقرية الانسانية وكان شعره - على كثرة ما كتب - فلتة فى الأدب الانجليزي لا يعرف له انسان شبيها ولا يعرف له

منقب مثيلا فى اداب الامم الغربية طرا . والمدهش ان " شكسبير " كان محظوظا جدا فقد رأى وقد سمع وشاهد اعجاب الشعب جميعا به واستطاع ان يقضى على جميع منافسيه وحساده بسهولة فائقة ، فراح الشعب برمته يشجعه فيكتب وراحت الملكة تعضده فينتج ، وما هى إلا عشر سنوات حتى ترك ثروة ادبية عظيمة ولكن من نوع ممتاز أشد الامتياز جميل كل الجمال خصب زاخر بمدهشات الفن الرفيع العالي : نتاج من اسمي ملكات الانسان .

ولكى تقدر شعر هذا الاديب قدره فاسمع - ولا تعجب - لقول أحد رؤساء الحكومه البريطانيه : " ان شكسبير خير لنا من الهند " واحسب انه لم يبالغ فيما قال وفيما ذهب اليه ابدا من مقارنة عجيبة مدهشة بين رجل واحد بين امبراطورية واسعة الاطراف كثيرة الخيرات دفاقة الارزاق ، فالأدب الرفيع غال والأديب الموهوب لا يقوم ولا يقدر بثمن عند من يفهم .

ولكن هل ينقص قدر الشعر العربي لو اسقطنا منه شعر أبى العلاء كله ، او شعر ابي الطيب كله او شعر عمرو بن أم كلثوم أو شعر البارودى كله أو شعر أبي نواس كله ؟

لست أحسبه ينقص كثيرا ولست احسبه ينقص قليلا ، بل احسبه يظل كما هو شعرا قويا كثيرا خصيبا فيه الحكمة وفيه الامثال وفيه الجزالة وفيه الرصانة وفيه الخيال وفيه التشبه والمجاز والكتابة وفيه البلاغة كلها وفيه ما فيه مما يميزه ويخصصه ويجعله شعرا يساير الزمن ويؤرخ لامم تتاوها امم .

وقد يكون اللوم فى ذلك واقعا على أبى العلاء أو أبى الطيب أو عمرو أو البارودى او ابى نواس وقد لا يكون . ولكن المحقق تماما ان اللغة العربية أقدم وأوسع وأكبر من أن يؤثر فيها انتاج اديب مهما كان ذلك الآثر الذى احدثه " شكسبير " فى لغة أولئك القوم

اشترك في نشرتنا البريدية