-٢-
لسنا والحمد للله من الذين ضعفت شخصياتهم ، وفنوا فى الغير او يميلون الى الفناء فى الغير فيدون كل شئ اجنبى جميلا او لا يرون الجمال ، والجودة والاتقان الا فى الانتاج الأجنبي فقط . ولسنا كذلك من الرجعيين فى الادب والفن بوجه خاص ، ولكننا وقد نمت شخصيتنا واكتملت ، او هى قاربت الاكتمال ، لم نعد نخش الضعف على انفسنا ، ان نظرنا فى الانتاج الاجنبى والجديد على السواء ، ونمت شخصيتنا واكتملت او هى قاربت الاكتمال فلم نعد نخش الابتعاد عن الانتاج الشر ، فى الادب والفن مخافة ان تطول بنا الطريق وتلتوى بنا السبيل فلا نستطيع تصعيدا ولا هبوطا .
ولكننا اصبحنا فى حالة من النمو العقلي يمكننا من دراسة الادب الاجنبى فنستملحه ونستهجنه ونقترب منه ونبتعد عنه ونجتذب اليه وننفر منه دون ان يلحقنا أذى او يلم بنا مكروه .
ونستطيع ان نقول فى شىء كثير من الاتزان وبعد دراسة مجملة ومفصلة . وبعد محاسبة النفس حسابا عسيرا عما تقول ان الشعر العربى يفوق الشعر الانجليزى كثيرا ، وكثيرا جدا ، وان النثر الفني الحديث فى اللغة الانجليزية يفوق النثر الفنى الحديث فى اللغة العربية فقد استوعب النثر الانجليزى العلوم والفنون الحديثه بطريقة فنية عاتية فى حين ان النثر الفنى الحديث انما شرع قريب فى التجول فى هذه العلوم وهذه الفنون .
أما الشعر - وهو موضوع هذا المقال - فيكثر الجيد الرصين منه فى الشعر العربى ويكثر منه التافه الغث فى الشعر العربى ايضا ويكثر منه الجيد الرصين فى الشعر الانجليزى والتافه الغث فى الشعر الانجليزى كذلك ، ولكن الجيد فى الشعر العربى لا يمثله ولا يدنو منه الجيد فى الشعر الانجليزى والرخيص التافه عندنا يزيد فى رخصه وتفاهته وقلة غنائه عما يرخص ويتفه وتقل قيمته عندهم .
والشعر لا يصل الى درجة الجودة الا اذا لمست فيه هاتين الخصلتين : عاطفة قوية وشعورا واحساسا تضيق به نفس الشاعر ، ويمتلئ به جوانبه فيفيض به لسانه محدثا اصدق حديث معبرا خير تعبير وهو فى هذه الحالة لا نستطيع الا ان يعبر ولو حبل بينه وبين التعبير لتالمت لذلك نفسه ولتعب لذلك صدره ولمسه من ذلك علة من العلل او داء من الادواء .
أما تلك العاطفة ، واما ذلك الشعور فلابد ان يصل الى الناس فى لفظ دقيق محدود المعنى معروف الدلالة مرتب بحيث يحدث نغما موسيقيا يتناسب مع العاطفة او يتناسب مع الشعور حدة ورقة وعنفا وهدوء ولينا ورفقا وانبساطا واكتئابا واملا ويأسا وفرحا وحزنا وقل غير ذلك من حالات النفس الانسانية التى حيرت العقول والافهام .
ولو خلا الشعر من هذين الشرطين او من احدهما لهبطت درجته ولقلت قيمته ولهان امره فاصبح صنعة رخيصة يتناولها اقل الناس حظا من ملكات ولكان الشعر صف كلمات وتكميل انغام ومحاولة عابثة مضحكة لا تثير فى الناس احساسا ولا تدفعيم الى غير ماهم فيه من حياة رتيبة مؤلمة

