شاهدت فى رحلتى هذه الى الحجاز وهى أول رحلة قمت بها ، تقدمات عصرية باهظة فى شتى المرافق , مما لم تعهده هذه البلاد فيما مضى عليها من القرون . . أمان عم جميع الحاضرة والبادية بحيث لا يوجد له نظير فى العالم . . وتخفيف كثير من الاعباء التى كان حجاج بيت الله الحرام يحتملونها أو يحملونها . . وتسهيلات لم تدخل فى الحسبان والظنون ، لتأدية مناسك الحج والزيارة . . وايراد للبضائع الخارجية التى يحتاج اليها . . ومياه عذبة جارية متدفقة ، وعبون ثره فائضة . . الى غير ذلك . . وهذه اشياء لم تكن عرفت فى هذه البلاد فيما خلا من الازمان . . ولعلنا لا ننسى ، ونحن نذكر راحتنا ومشاهداتنا البهيجية الآن ، ما كان كابده الرحالة ابن جبير فى القرن السادس الهجرى ، وما عاناه من الاتعاب ، والمكوس المرهقة وغيرها . مما شكا امره الى السلطان صلاح الدين الأيوبي ، وهو هو . . . وان فينا الآن لكثيرا ممن قدموا هذه البلاد المقدسة قبل حكم الحكومة السعودية وهؤلاء ، هم شهود عدل لما
يرونه ونراه الآن من العدل والامان والاطمئنان وتقدم البلاد المادى والمعنوى والصحى والعمرانى وغير ذلك من مرافق الحياة والفكر ، وهم شهود عدل اذا تحدثوا عما كانوا راوه من اصداء كل ذلك فيما مضى من العسف والظلم وانتهاك الحرمات وقتل وفود بيت الله وحجيجه . . فالآن ولله الحمد فى عهد الحكومة العربية السعودية زالت هذه الامور الشنيعة عن هذه البلاد زوالا تاما , وجلبت لها سمعة طيبة وسارت لها فى الدنيا ذكرى جميلة عبقة . .
وقد شاهدت فى هذه الايام الأخيرة - أيام جلالة الملك سعود المعظم -
من التوسعة فى الحرمين المحترمين شيئا مدهشا ، بحيث صار المسجدان ضعفى ما كانا عليه فيما مضى . . وبذلك وسعا المصلين من ألوف الحجاج والاهلين . . وزال عنهما الضيق . . هذا الى عمارة عظيمة خالدة تكاد تكون منقطعة النظير فى متانتها ، وجمالها وروعتها . . . ووسعت الطرق الضيقة التى كانت معوجة فى المدينتين المقدستين . . مكة والمدينة . . وعبدت تلك الطرق ووجدت رحاب فسيحة حول الحرمين مما انفق فيه جلالة المليك المعظم مبالغ قلما يصدق بصرف امثالها فى هذا المشروع الخالد ، الخارجون عن هذا المحيط .
وقد شاهدت تقدما صناعيا ، وصحبا وعمرانيا ، ورايت فى جدة مزارع ، وفى المدينة كذلك ، ولئن
كانت البلاد محرومة من الزراعة فيما مضى ، بسبب قلة الامن ، وتعاسة الشؤون الاقتصادية فالآن قد فتحت لها ابواب الرزق . فالمؤمل ان يزداد نشاط الامة فى ازدراع اراضيهم الواسعة ، وان يكثروا من ايجاد المصانع للأشياء التى تستهلكها البلاد حتى تكون نهضتها الصناعية بارزة متفوقة وعلى اساس محكم متين . .
والمدارس بحمد الله تعالى قد ازداد انتشارها . . وكذلك التعليم والامل معقود والرجاء منوط بان يزداد الاقبال على افتتاح دور العلم والمكاتب والكليات والجوامع لبث العلوم الدينية والعلوم الحديثة فى ناشئة البلاد ، حتى ترقى الاوج المنشود المرتقب لها . . بفضل الله تعالى ثم بقيادة جلالة مليكها العظيم حفظه الله وابقاه .

