الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

فى التاريخ المقارن :، حركات الخوارج فى المغرب وفي منظقة الخليج، خلال العصر الاسلامي الاول

Share

ان الصلات بين حركات الخوارج فى المغرب الاسلامى ، وفى منطقة الخليج العربي عريقة ومتينة ؛ فظروفها السياسية والاقتصادية متشابهة رغم البعد الجغرافي ، والتباين الموجود أحيانا فى المناخ الجغرافى البشرى ، والجغرافى العمرانى .

ان الهدف الاساسي من وراء هذه المقارنة يكاد ينحصر فى بحث الاسباب الاقتصادية والاجتماعية الكامنة وراء اندلاع هذه الحركات فى منطقتين جغرافتين تمثلان أطراف العالم العربى الاسلامى خلال القرنين الاول والثاني للهجرة ؛ فليس قصدنا إذن - التعرض الى مراحل هذه الحركات ، وأحداثها السياسية ، وشعاراتها الدينية ، فهي معروفة تكاد جميع المصادر القديمة والدراسات الحديثة تقتصر على ذكرها فى معالجتها لهذه الحركات ) 1 (

وانما نهدف أولا وبالذات الى ربط بروز هذه المعارضة السياسية - الدينية بالتحول الاقتصادى والاجتماعى الذى بدأت تبرز معالمه منذ عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ، وتبلورت مع اتساع نطاق الفتوحات الاسلامية وتحول العالم الاسلامي الى مركز رئيسى للدورة التجارية العالمية ، وأدى ذلك الى ازدهار عمرانى ، وتجمع ثروات جديدة ، وبروز فئات اجتماعية ، ولاسيما فئتى أصحاب الملكيات العقارية الضخمة والتجار

ان حركات الخوارج فى شرق الجزيرة وجنوبها ، أوفى المغرب الاسلامى لم تكن نتيجة رد فعل ديني بحث تزعمته فئة القراء فى الكوفة ، وصفين ، او نتيجة حماس للدعوة الجديدة انتشر فى صفوف أولئك الذين لمسوا التناقض بين واقع المجتمع الاسلامى الناشىء ، وتعاليم الكتاب والسنة ، وشعروا بالقلق

تجاه ظاهرة تقلص الطابع الديني الذي طغى على مظاهر الحياة الاسلامية المتقشفة فى المدينة فى حياة الرسول ، وفي خلافة أبي بكر وعمر ، بل هي مرتبطة بتحول أعمق وأشمل ، مس أولا وبالذات حياة فئات جديدة في المجتمع الاسلام الناشئ ، مس اسلوب عيشهم اليومى ، نظرا لما تجمع فى ايدى ذلك الفئات من ثروات مصدرها الاساسى فى بداية الامر غنائم الفتوحات ، ثم التقدم العمرانى والاقتصادى

ولا مناص في سباق هذه الملاحظات التنظيرية من الاشارة الى النقط التاليه : أولا : انه من الصعب جدا الفصل بين العامل الدينى والعامل الاقتصادى الاجتماعي في دراسة هذه الحركات ؛ فالتفكير الدينى هو الميزة الاساسية للعصر ، وبالتالي لكل الحركات مهما تنوعت أسبابها الحقيقية

ثانيا : أما القضية الثانية التى تعترض سبيل الدارس لطبيعة حركات الخوارح ، وبواعثها الحقيقية ، فهى قضية العصبية القبلية ، انها ظاهر بارزة ، جلية السمات في انتفاضات الخوارج ببلاد المغرب ، أو فى منطقة الخليج ، وقد أخطأ بعض الدارسين لهذه الحركات فحصوا أمرها فى صراع قبلى اتخذ طابعا دينيا بعد مجيء الاسلام ، وسنرى أنه تعليل ضعيف يجعل من العوامل الثانوية الهامشية أسبابا رئيسية ، بل قل وحيدة ، والاحداث التاريخية التى عاشتها هذه الحركات فى منطقة الخليج بالذات تدحض هذا التفسير

ولكن هل معنى هذا أن العصبة القبلية لم يكن لها دور يذكر فى هذه الدعوة بتياراتها المختلفة ؟

اننا لا ننكر أبدا الدور الفعال للعصبية القبلية فى تاريخ حركات الخوارج ولا سيما في المغرب ، فقد كانت تمثل الدعامة السياسيه والعسكرية لدعوه الخوارح الدينية ) 2 ( ، ولكننا نذهب الى أن تحمس القبيله ، أو بعض عشائرها الى دعوة الخوارج الدينية ، ومقاومة النظام القائم باسمها مرتبط بالتعبير عن نقمة ضد واقع سياسي اجتماعى يحميه ممثلو النظام المركزى فى دمشق أولا ، ثم فى بغداد ثانيا .

ونلاحظ هنا أن العصبية القبلية تمثل وحدة نسبية وسياسية ، وبالتالي عسكرية ولكنها لا تمثل وحدة اقتصادية واجتماعية منسجمة ، فاننا نجد داخل العصبية القبلية تناقضات اجتماعية ، ومصالح متضاربة تخفف الدعوة الدينية من حدتها ، وتجعلها تتوارى ، لانها تفرد الوجهة الى الحق حسب تعبير أبن خلدون ، ولكنها لا تذيب الفوارق ولا تزيل التناقضات ( 3 ) ، ولعل هذا الامر هو ما يفسر لنا وجود قوى من قبيلة واحدة فى واجهتين متقابلتين ، وهو واقع يفند في نفس الوقت الرأى الذى يركز على ظاهرة الصراع القبلي في تعليل حركات الخوارج . أشار الطبرى فى أحداث سنة 77 ه الى اخبار قتال المهلب من أبي صفرة للازارقة فى كرمان قال : " خرجت كتيبة من كتائبهم لكتيبة من كتائبنا ، فاشتد بينهما القتال ، فأخذت كل واحدة منهما لا تصد عن الاخرى فاقتتلا حتى حجز الليل بينهما ، فقالت احداهما للاخرى : من أنتم فقال هؤلاء : نحن من بني تميم وقال هؤلاء : نحن من بنى تميم فانصرفوا عند المساء " ) 4 ( ، ونجد اشارة لمعارك جيش المهلب مع الخوارج فى الاهواز بعد مقتل نافع بن الازرق ، وخلافته من طرف عبيد الله بن الماحوز التميمي تفيد انه خرج اليهم فى تعبئة ، " وجعل الازد وتميما ميمنة ، وبكر بن وائل وعبد القيس ميسرة(5) ونحن نعلم الدور الفعال الذى قامت به هذه القبائل فى نصرة حركات الخوارج بشرقى الجزيرة

ونود التنبيه الى ظاهرة نلمسها فى وضع العصبيات القبلية بشرقى الجزيرة بعد حركة الفتح ، وانشاء الامصار ، وخاصة الكوفة والبصرة لم تعرفه العصبيات القبلية فى المغرب ، ونعني هنا هجرة عشائر ، وفئات كبيرة من القبيلة الواحدة الى البلاد المفتوحة والاستقرار بها ، ولا شك أن مميزات العصبية القبلية قد ضعفت في صفوف الفئات المهاجرة ، وأصبحت لها مصالح

جديدة تختلف عن مصالح بقية أبناء القبيلة الذين لم يغادروا منطقتها الجغرافية .

أما القبائل البرية فلم تعرف هذا النوع من الهجرة وقد حافظت غالبا على منطقتها الجغرافية ، وعلى هياكلها القبلية ، والاقتصادية والاجتماعية ونعتقد ان عدد المهاجرين من البربر المسلمين الى الاندلس ، او النازحين الى المدن الجديدة مثل القيروان ، وفاس ، أو حتى الى عواصم بربرية خارجية مثل سجلماسة ، وتاهرت كان ضئيلا بالمقارنة الى هجرة قبائل شرقي الجزيرة الى البصرة ، وبلاد فارس بصفة خاصة .

ثالثا : ان هذا الصراع القبلى يتحول لدى مدرسة كاملة من المستشرقين الفرنسيين بالخصوص ولدى من تأثر بهم من بعض الباحثين المغاربه الى صراع بين العنصر البربرى والعنصر العربى ، فنجاح حركات الخوارج فى المغرب يعود فى نظر هؤلاء ) 6) الى سبب بسيط ، ووحيد هو مقاومة السكان الاصليين للبلاد : البرير للعرب الدخلاء ، وهو تفسير غريب ، وقد تتستر وراءه أحيانا نوانا أبعد ما تكون عن الموضوعية التاريخية ، فأحداث الواقع التاريخي تدحض هذا الرأى

وسنرى ان نجاح الدعوة الخارجية ببلاد المغرب واعتناق عدد من القبائل لها ، و لا سيما البترية منها يعود أساسا الى مقاومه نظام سياسي واقتصادى معين ، وهو ما حدث فى شرق الجزيرة وجنوبها

والخطأ المنهجى البين الذى وقع فيه أصحاب هذا الرأى هو عزلهم لاحداث المغرب الاسلامي عن أحداث المشرق فى دراسة حركات الخوارج وغيرها من قضايا التاريخ الاسلامى ، لانهم لو تتبعوا انتفاضات الخوارج المختلفة فى منطقة الخليج لفهموا ان اسباب نصرة البربر المسلمين للدعوة الخارجية فى المغرب تكاد تكون نفس أسباب نصرة عدد من القبائل العربية لها فى منطقة الخليج ، فهي معارضة لحكم سياسي اجتماعى معين ، وليست قضية عنصرية بربرية ضد عنصرية عربية ، أو دوافع " الشعور الوطني البربري ضد حكم الغرباء

وهل يجوز لنا منهجيا ان نستعمل هذا المصطلح " الشعور الوطني في المجتمع الاسلامى المغربى فى هذه الفترة التاريخية ؛

نريد - بعد هذه الملاحظات - أن نتعرف الى بعض مظاهر التحول الاقتصادى والاجتماعى الذى بدأ يبرز منذ خلافة عثمان ، وقد لخصه المعارضون انذاك لسياسة عثمان في جملة ردوا بها عليه أثناء محاولته تبرير موقفه ، وهو محاصر فى قصره من طرف الثوار " لانك غيرت وبدلت " ) 7 ( ، وما عرفوا عهدئذ أن ما غيره وبدله مظهر بسيط لا مناص منه من مظاهر التحول الحذرى المشار اليه ، وهو تحول جاء نتيجة حتمية لظروف موضوعية ، وخضع لدينامية جديدة هى دينامية العالم الاسلامى الجديد الذي بدأ يحل عمرانيا واقتصاديا محل قوتين اقتصاديتين من قوى العالم القديم : القوة البيزنطية والقوة الساسانية .

ولكن ماذا غير الخليفة الثالث ، وماذا انكر الناس عليه يا ترى ؛ يخبرنا ابن قتيبه قائلا : " وذكروا أنه اجتمع ناس من اصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنه صاحبيه ، وما كان من هبته خمس إفريقية لمروان ، وفيه حق الله ورسوله . ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين ، وما كان من تطاوله فى البنيان حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة : دارا لنائلة ، ودارا لعائشة وغيرهما من اهله وبناته وبنيان مروان القصور بذى خشب ، وعمارة الاموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله ، وما كان من إنشائه العمل والولايات فى أهلة وبنى عمه من بني أمية أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ، ولا تجربه لهم بالامور ، وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلى بهم الصبح وهو امير عليها سكران أربع ركعات ، ثم قال لهم : ان شئتم أزيدكم صلاة زدتكم ، وتعطيله إقامة الحد عليه ، وتأخيره ذلك عنه ، وتركه المهاجرين والانصار لا يستعملهم على شئ ولا يستشيرهم ، واستغني برأيه عن رأيهم وما كان من الحمى الذى حمى حول المدينة ، وما كان من ادارة القطائع والأرزق والاعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبى عليه الصلاة

والسلام ثم لا يغزون ولا يذبون ، وما كان من مجاوزته الخيزران الى السوط ، وانه اول من ضرب بالسياط ظهور الناس ، وانما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران " ) 8 (

نلاحظ من خلال نص ابن قتيبة أن أهم مظاهر التحول الجديد الذى انكره الناس على عثمان ما يتصل منها بالملكية ، ومظاهر الثراء لدى فئة اجتماعية جديدة سماها طه حسين " طبقة الارستقراطية العليا ذات المولد والثراء الضخم والسلطان الواسع " ) 9 ( ، ونذكر بعض النماذج عن اهمية الثروات أصبحت بأيدى المنتسبين الى الفئة الارستقراطية نتيجة التحول الاقتصادي الخاضع لدينامية جدلية موضوعية ، فقد أوصى عبد الرحمن بن عوف في سبيل الله بخمسين ألف دينار ذهبا ، " وترك ميراثا عظيما ، فكان له الف بعير وثلاثة آلاف شاة ، وكان يزرع فى الجرف على عشرين ناضحا وترك اربع زوجات ، وكان نصيب كل واحدة منهن من الثمن يقوم بما بين الثمانين ألفا إلى مائة ألف . قال الرواة : وترك عبد الرحمن ذهبا قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدى الرجال منه ، ولم يكن عبد الرحمن فذا فى ذلك وانما كان أمره فيه كأمر غيره من كبار الصحابة وسادة قريش " ) 10 ( واقتسم ورثة الزبير بن العوام بعد خلاص ديونه خمسه وثلاثين مليونا درهما وتصل رواية المكين إلى مبلغ اثنين وخمسين مليونا وقد كان يملك خططا في الفسطاط والاسكندرية ، وخططا فى البصرة والكوفه ، واحدى عشر

دارا فى المدينة ، ولما مات طلحة بن عبيد الله كانت تركته ثلاثين مليونا من الدراهم .

ان هذه النماذج لا تمثل أمثلة نادرة ، بل تعكس الوضع الاقتصادى والاجتماعى الذى تتمتع به الفئات الاجتماعية الجديدة فى المدن الاسلامية مشرقا ومغربا ، وارتبطت مصالح هذه الفئات ارتباطا وثيقا بنظام الحكم ، بل أصبحت تمثل احدى دعائمه الوطيدة ، فلا غرو - إذن - أن تكون المعارضة السياسية الدينية الموجهة الى الخلافة الاموية ، أو العباسية تعبيرا فى نفس الوقت عن نفسة ضد هذه الفئات ، وهى - فى نظرنا - جانب خطير من قصة الصراع بين المدينة والريف التى عرفها التاريخ الاسلامى الوسيط ، لان تجمع الثروات فى المدن زاد الهوة عمقا بين المستوى المعيشي لسكان المدينة وسكان البادية . وقد حاولت فئات الاغنياء فى المناطق التى فتحها المسلمون ان تحمى مصالحها الاقتصادية ليس عن طريق اعتناق الاسلام السني الرسمى - إن صح التعبير - . فحسب ) 11 ( ، بل عن طريق مناصرة النظام وخدمة هياكله الادارية والاقتصادية ، ومقاومة احزاب المعارضة السياسية الدينية المهددة لنظام الخلافة ، وبالتالى لمصالحها ولعل أوضح مثال على هذا دور فئة الدهاقنة فى العراق ، وبلاد فارس فى العصر الاموي . ولا بد للدارس أن يتساءل - على الاقل - عن مدى تأثير اعتماد الادارة الأموية على الارستقراطية الساسانية القديمة ، وإسناد الوظائف الادارية والمالية اليها فى معارضة بعض القبائل العربية ، ومساندتها لحركات الخوارج فى منطقة الخليج ؛

إن ظهور الملكيات العقارية الشاسعة ، وما أدى اليه من تجمع الثروات مرتبط بحركة الفتح ، فقد سلكت الخلافة الاسلامية سبيلين للحيلولة دون محاولات الانتفاض ، أو محاولات استرجاع الاراضى المفتوحة من قبل سكان الولايات الجديدة : أولا تأسيس الامصار ، وتشجيع هجرة العرب اليها والاستقرار بها ، وثانيا السماح للعرب بملكية الاراضى خارج الجزيرة ) 12 ( ، ومن المعروف انه لم يسمح للعرب بملكية الاراضى خارج الجزيرة قبل خلافة عثمان

ونلمح هنا إلى ان السماح للعرب بملكية الاراضى فى البلاد المفتوحة لم يكن انقلابا اقتصاديا أحدثه عثمان على حد تعبير الدكتور طه حسين (13) بل جاء نتيجة طبيعية لوضع سياسي واقتصادى جديد من جهة ، والى ان هؤلاء العرب لم يكونوا بدوا من سكان المناطق الريفية الشاسعة فى الجزيرة وقد بقي هؤلاء يعيشون على هامش هذا التحول الاقتصادى والاجتماعى - ، بل هم سكان مكة والمدينة من أقرباء الأمويين وانصارهم بالخصوص من جهة ثانية .

ولكن توقف الفتوحات ، والتطور الجديد فى الملكية العقارية اثرا فى هو موارد الدولة الاسلامية فى الوقت الذى أصبحت فيه هياكلها الادارية والعسكرية في حاجة أكيدة إلى الاموال ، فقد أدى التطور الجديد فى ملكية الاراضى الى نقص فى دخل الخراج ، وهو يمثل مع الجزية الدخل الاساسى للخلافة

وهكذا أصبح عمال الدولة الاموية يستنبطون شتى الاساليب لجمع الجباية بصرف النظر هل تتماشى تلك الاساليب مع مبادئ الاسلام ام لا ، فقد حاول كل من عبد الملك بن مروان وعامله فى العراق الحجاج بن يوسف الثقفي الحد من حركة اعتناق الاسلام حتى لا يؤدى ذلك الى تقلص مورد مهم من الموارد المالية للخلافة آلاموية ، وبلغ الامر الى درجة فرض الجزيه على الموالى الذين اعتنقوا الاسلام فى المشرق ) 14 ( ، أو تخميس البربر فى المغرب

الاسلامي في عهد غبيد الله بن البحاب عامل هشام بن عبد الله فى القيروان فليس من الصدفة - إذن - أن نجد عددا كبيرا من الموالي يعتنق الدعوة الخارجية ، ويتحالف مع العرب ، أو مع البربر المسلمين المناهضين لهذه السياسة الاقتصادية والاجتماعية .

وتفنن عمال الخلافة الاموية وقوادها فى استعمال الطرق لجمع الاموال ، وخدمة أراضى الارستقراطية الجديدة فنجد الحجاج بن يوسف قد اخرج الموالي من حواضر الامصار ، وأعادهم الى قراهم وبلدانهم ، وقال للموالى : " انتم علوج وعجم ! وقراكم أولى بكم " ، ونقش على يد كل رجل منهم اسم البلدة التى وجهه اليها ، واصبحت المدن الاسلامية تباح ، وتنهب ولم تنج المدينة نفسها من ذلك ، فقد اباح القائد الاموى مسلم بن عقبة سنة 63 ه " المدينة ثلاثا تقتلون الناس ويأخذون الاموال " ) 15 (

قد يتساءل المرء هنا قائلا ان النصوص القديمة تؤكد مظاهر السياسة الاقتصادية والاجتماعية التى عرفتها الخلافة الاموية ، وما تولد عنها من ظهور فئات أرستقراطية حديدة فى الامصار الاسلامية بالخصوص ، ولكن كيف نتضح العلاقة بين هذه السياسة ومعارضة الخوارج فى المشرق والمغرب ؟

ان هذه النقطة بالذات هي التى تشغل بالنا فى هذه الدراسة لان اثبات تلك العلاقة الجدلية بصفة جلية هو ما ترتكز عليه رؤيتنا لطبيعة هذه الحركات .

إن أغلب المصادر القديمة السنية منها والخارجية تسهب الحديث - دون ريب - عن المبادىء الدينية للخوارج الذين ثاروا من أجل تطبيقها فى مجتمع

اسلامي ضل حكامه ، ويعدوا عن الاسلام الحقيقي ، ولكننا نجد اشارات واضحة ودقيقة تكشف عن العوامل الاجتماعية الكامنة وراء انتفاضات الخوارج مشرقا ومغربا .

ولنحاول التعرف الى المناخ السياسى والاقتصادى فى منطقة شرقى الجزيرة حيث وجدت دعوة الخوارج تربة خصبة منذ النصف الثانى من القرن الاول الهجرى ، وستصبح بلاد المغرب بعد مدة قصيرة مناخا خصبا لها

ان منطقة البحرين حسب المصطلح الجغرافي الاسلامى القديم ) 16 ( كانت خاضعة لهيمنة الامبراطورية الساسانية عند ظهور الاسلام ، ولكن سكانها اسلموا سرعة ، واعترفوا بالدولة الاسلامية الناشئة فى المدينة منذ السنة الثامنة للهجرة ، يقول ياقوت الحموى : " وأما فتحها فانها كانت فى مملكة الفرس ، وكان بها خلق كثير من عبد القيس وبكر بن وائل وتميم مقيمن فى باديتها ، وكان بها من قبل الفرس المنذر بن ساوى بن عبد الله بن زيد الأسبذى . . فلما كانت سنة ) 8 ( للهجرة وجه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، العلاء بن عبد الله بن عماد الحضرمي حليف بني شمس الى البحرين ليدعو أهلها الى الاسلام ، أو الى الجزية ، وكتب معه الى المنذر بن ساوى ، والى سيبخت مرزبان هجر يدعوهما الى الاسلام ، أو الى الجزية فأسلما ، وأسلم معهما جميع العرب هناك ، وبعض العجم " ) 17 ( . ويعلمنا أيضا أن العلاء بن الحضرمي بعث الى الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، مالا من البحرين يكون ثمانين ألفا " ما أتاه أكثر من قبله ولا بعده " ) 18 ( ، فالقبائل العربية المقيمة فى شرقي الجزيرة كانت ترزح دون شك - تحت عبء اضطهاد الامبراطورية الفارسية ، شأنها فى ذلك شأن خضوع كثير من مناطق القبائل البربرية للنظام العسكرى والجبائى البيزنطى . ويشير نص ياقوت الى ان القبائل العربية كانت مقيمة فى مناطق البادية ، فهى - اذن - قبائل ريفية تحمست لمبادىء الاسلام ، ولكن سرعان ما يخيب ظنها بعد سنوات قليلة يتحول خلالها النظام الاسلامي المتقشف البسيط في المدينة الى ملك وراثى فى أسرة بني أمية بدمشق ، ويبقى سكان البادية بشرقى الجزيرة وجنوبها خاضعين

لنظام جبائى أموى ثقيل ، ويعيشون على هامش ذلك التحول الاقتصادى والاجتماعى فى مراكز الثروة الجديدة ، ولا شك أن مركز البصرة الجديد قد كانت له نتائج سلبية فى النشاط التجارى الذى عرفته موانئ شرقى الجزيرة على شواطئ الخليج

ومن المعروف ان قبيلتى آل عبد القيس ، وآل تميم قد ساهمتا مساهمة فعالة فى فتح بلاد فارس سنة 17 هجرية بقيادة العلاء بن الحضرمي ) 19 ( وقد استفادت الفئات المشاركة فى الفتح من الغنائم ، وقد استقر قسم منها فى البلاد المفتوحة ، ولكن الفئات التى بقيت مقيمة فى مناطقها الجغرافية اصبحت تعيش منذ منتصف القرن الاول الهجرى فى شبه عزلة اقتصادية بالمقارنة إلى نشاط الامصار ، فحركة نجدة بن عامر الحنفي في اليمامة ابتداء من سنة 64 هجرية لم تعتمد على العصبية القبلية لبكر بن وائل ، وحنيفة بصفة عامة ، بل على سكان البادية بصفة خاصة ، وقد تحالفت في نصرة حركته فئة الموالى مع سكان الريف من العرب ، ونجد قائد الجيش الاموي عمر بن عبيد الله - بعد أن ينتصر على امام الخوارج ابى فديك في المشقر - يقتل جميع الموالى من أنصار الدعوة الخارجية ، ويطلق العرب ) 20 ( . وهنالك كثير من الاشارات فى خطب زعماء الخوارج بمنطقة الخليج تعبر في وضوح عن العوامل الاجتماعية لحركاتهم ، فهذا عبيدة بن هلال يتكلم معددا عيوب سياسة عثمان بن عفان فيقول عنه : " . . ثم أخذ فىء الله الذى أفاءه عليهم ) يعني عامة المسلمين ( فقسمه بين فساق قريش ومجان العرب " ) 21 ( ، ودخل أبو حمزة الخارجى المدينة سنة 130 هجرية فرقى المنبر ، وقال : " يا أهل المدينة ! مررت زمان الاحول ، يعني هشام بن عبد الملك وقد أصاب ثماركم عاهة فكتبتم إليه تسألونه أن يضع عنكم خراجكم ففعل ، فزاد الغني غني والفقير فقرا فقلتم له : جزاك الله خيرا . . . " ) 22 ( .

وقال في نفس الخطبة : " يا أهل المدينة بلغني أنكم تنقصون أصحابى قلتم شباب أحداث ، وأهراب حفاة ! ويحكم ! وهل كان أصحاب رسول الله ، صلى

الله عليه وسلم ، الا شيانا أحداثا ، وأعرابا حفاة ؟ . . " ) 23 ( إنه ليس من الصدفة أن يكون أنصار الدعوة الخارجية من الاعراب الحفاة ، فهم - اذن - بعيدون عن فئات الاستقراطية العربية الجديدة . ولما التقى جيش أبى حمزة بوادى القرى مع الجيش الاموي بقيادة عبد الملك بن محمد بن عطية السعدى قال أبو حمرة لأصحابه : " لا تقاتلوهم حتى تخبروهم ، فصاحوا بهم : ما تقولون فى القرآن ، والعمل به ؟ فقال ابن عطية ، نضعه فى جوف الجوالق فقال : فما تقولون في مال اليتيم ؟ قال ابن عطية ، نأكل ماله ونفجر بأمه " ( 24 )

واذا عدنا إلى بلاد المغرب باحثين عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية الكامنة وراء ثورات الخوارج فاننا نجد أدلة متعددة على ذلك تؤيد نظرتنا لهذه الحركات ، وتدحض تلك النظرة الضيقة البعيدة عن الروح الموضوعية والمنهجية التاريخية الحديثة ، والتى حاول بعض المستشرقين الفرنسيين إرساء أسسها فى دراسة التاريخ الاسلامى المغربى

وسنقتصر هنا على النص الثمين الذى رواه لنا ابن الاثير قائلا : " ثم لم يزل أهل افريقية من أطوع أهل البلدان وأسمعهم الى زمان هشام بن عبد الملك حتى دب اليهم أهل العراق واستثاروهم فشقوا العصا ، وفرقوا بينهم الى اليوم ، وكانوا يقولون : لا نخالف الأئمة بما تجنى العمال ، فقالوا لهم : انما يعمل هؤلاء بأمر أولئك ، فقالوا : حتى نخبرهم فخرج ميسرة ( زعيم الخوارج في منطقة طنجة ) فى بضعة وعشرين رجلا فقدموا على هشام فلم يؤذن لهم فدخلوا على الأبرش فقالوا : ابلغ أمير المؤمنين أن اميرنا يغزو بنا وبجنده ، فاذا غنمنا نفلهم ، ويقول : هذا أخلص لجهادنا واذا حاصرنا مدينة قدمنا وأخرهم ، ويقول : هذا ازدياد فى الأجر ، ومثلنا كفى أخوانه ثم إنهم عمدوا الى ماشيتنا فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها يطلبون الفراء الأبيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة فى جلد ، فاحتملنا ذلك ، ثم إنها سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا ، فقلنا : لم نجد هذا فى كتاب ولا سنة ، ونحن مسلمون ، فأحببنا أن نعلم أعن رأى أمير المؤمنين هذا أم لا فطال عليهم المقام ونفدت نفقاتهم ، فكتبوا أسماءهم ودفعوها الى وزرائه

وقالوا : إن سأل عنا أمير المؤمنين فأخبروه ، ثم رجعوا إلى إفريقية فخرجوا على عامل هشام فقتلوه ، واستولوا على إفريقية ، وبلغ الخبر هشاما فسأل عن النفر فعرف أسماءهم فاذا هم الذين صنعوا ذلك " ) 25 (

إن العوامل الاقتصادية والاجتماعية التى كانت وراء أول انتفاضة خارجية مسلحة بالمغرب الاسلامي سنة 122 ه واضحة فى هذا النص ، وما أبداه زعماء الحركة من تثبت واحتياط يقيم الدليل واضحا على أن المسألة ليست قضية عنصرية بربرية ضد عرب دخلاء ، بل هي تعبر عن معارضة لسياسة مالية واجتماعية معينة قاومها خوارج منطقة الخليج بالسلاح قبل خوارج المغرب بما يربو عن نصف قرن ؛ فشكوى وفد خوارج المغرب الى هشام بن عبد الملك يذكرنا بشكوى أبى الصيد أحد موالي خراسان من تصرف العامل الأموى بها الجراح بن عبد الله الحكمى ، فقد قال للخليفة عمر بن عبد العزيز : " يا امير المؤمنين عشرون ألفا من الموالى يغزون بلا عطاء ولا رزق ، ومثلهم قد أسلموا من الذمة يؤخذون بالخراج " ) 26 (

ونلاحظ فى هذا السياق أن العلاقات بين حركات الخوارج فى المغرب الاسلامى . وفي منطقة الخليج العربى لم تقتصر على تشابه الظروف السياسية والاقتصادية ، وتوفر مناخ جغرافى بشرى معين فى بعض الحالات والفترات فحسب ؛ بل هناك صلات منظمة خضعت لمخطط عام دقيق وضع أسسه شيوخ الدعوة فى البصرة ، فقد تخرج كثير من دعاة المذهب فى شرق الجزيرة وجنوبها على أبى عبيدة مسلم بن أبى كريمة التميمي ( توفى حوالى سنة 145 ه / 762 م ( ، وهو شيخ أبرز دعاة الخوارج إلى المغرب ، وقد أرسل اليه حملة العلم المشهورين ) 27 ( ، وقد استفادت الدعوة فى المغرب بتجاربها فى منطقة الخليج ، واصبح المغرب يمثل تربة خصبة لكل الحركات التى فشلت في المشرق محاولة تجديد عملها فى وسط ساعدت سياسة الخلافة على قبوله لمبادىء هذه الحركات ، بالاضافة الى عوامل أخرى ، ولعل أبرز مثال على ذلك

مهجرة عدد من أنصار المذهب الاباضى فى حضرموت الى المغرب بعد انتصار الجيش الاموي بقيادة عبد الملك بن محمد بن عطية السعدى على أبى حمزة الخارج ، ثم سقوط الامامة الاباضية بحضرموت بعد مقتل عبد الله بن يحيى طالب الحق الذي حمرة الخارجي بالخلافة سنة 128 ه ) 28 ( ، فلا عجب بعد ذلك أن يعلق خوارح منطقة الخليج أهمية كبرى على تأسيس الامامة الاباضية الرستمية بتاهرت سنة 161 ه / 77-778 م ، فقد رأوا فيها فى بداية الامر نواة لخلافة إباضية كبرى فسارعوا لمساعدتها مذهبيا واقتصاديا ) 20 ( ، واستمرت العلاقات بين بقايا الفرقة الاباضية فى منطقه الخليج ، وفي بلاد المغرب بعد سقوط الدولة الرسمية ، وانتقال الدعوة من طور الظهور الى طور الكتمان

اشترك في نشرتنا البريدية