شاء الله ان اخرج من دنيا الجراويل ، والفوانيس . والتنظيفات والترفيعات ، والفغر والحمير . . الى دنيا النحاسة ، والتوضيبة والكشيدة . والفرمة ، والحتة والفرخ . . الى دنيا ثالثة : دنيا المينافيستو ، والفاتورة والشتى والستمي والقائمة والاقطارمة والترانسيت .
وهذا يعنى انى استطيع مسك الحبل من الطرفين والوسط . . أى من ثلاث جهات ، وقد ولدت في الدنيا الثالثة فى مستهل العام الماضي ، وأنا - وما آحلى قول ) الانا) إذا كانت من الطراز الذي يستعمله الدكتور زكى مبارك في اسلوبه الغرورى - سكرتير ديوان الجمارك ؛ اتقدم اليك بحديث عن جهة اختصاصى ، فالعمل الجمركى فن من الفنون التى تحتاج الى مؤهلات خاصة ، وخبرة واسعة باعمال التجار ، والبحارة ، والمهربين ، والاسواق وأنواع البضائع الصادرة والواردة وما الى ذلك .
وعندما تسلمت زمام عملى فى السكرتارية كنت خالى الذهن والجيب معا من أية معلومات جمركية ولذا دخلت "الديوان" المختص وأنا أمشى على أربع استحياء وتركمت اكداس الأوراق حولي تنطق بلغه لا افهمها فغضبت طرفى وراح كل من حولى يغرق فى الضحك عندما تجييء عبارة تحمل الشترى او الشمندرة أو المينافيستو أو فسح الباب ، ورحت بدوري أسأل عن معنى الفاتورة والقائمة والسكر انى والمبصر . فلا أتلقى الجواب إلا فى زوبعة . الضحك - وكما تعلمون إني من الجوالين في سوق عكاظ ، وسوق عكاظ هذه لا تعرض فيها الا بضاعة من طراز توابل وأبازير المضبوطة بميزان مستفعلن فعلن . . لصاحبها التاجر (هو ( واضرابه من الشعراء وهي بضاعة تستوردها الادمغة وتعرضها على الأذان
والاسماع وقد ثبت الله قدمي في هذه السوق ، فلما اراد ان اعمل موظف جمركى ظننت ان ديوان الجمارك هذا كديوان بشار بن برد وكشاجم او جرير أو ابي نواس فاستبشرت بادى الأمر حتى توسطت المكتب فاذا بي ارتطم بالفاظ مختارة من وضع عصور ابدة منتقاة من لغات عدة فيها العربي والتركي والانكليزى والفرنساوى .
ولقد كان زملاني من الظرف بمكان فقد اخذوا يداعبونني ويرمقونني ، متوعدين بانهم سيبعدون بى عن ديوان ابى بيعة وابن الرومى وابى فراس الى هذا الديوان الوحيد الفريد ومادمت اعمل لحساب الرزق الحلال والوظيفة من أبوابها فقد خضعت للامر الواقع
ومرت شهور ولكن يدى فى الكتابة على المعاملات كانت -ولا يزال- أبطا من انامل الطفل عندما يتمرن على كتابة الحروف الهجائية - حتى شهر رمضان المبارك من العام نفسه فاذا بزميل من الظرفاء يفاجئني ملوحا بعدد من صحيفة محلية قائلا : - اليك يا حضرة السكرتير..
هذا كاتب من الكتاب يناقش موضوع الفواتير فاقترح ان ترد عليه ولتصوب له اخطاءه ، بوصفك كونك موظفا جمركيا . فما زدت على ان قلت باسلوب فاتر:- الى ان انتهى من الارجوزة التى وضعتها فى الفن الجمركى وإلى مطلعها :
قال نظام درة الجمارك اذا رست سفينة الزمالك
فاعلم بأن أول الاجراء إنزال ما نحمل للميناء
ثم اخذت القواعد الجمركية تتسرب الى رأسى ، وأوضاعها تعلق بتلافيف دماغي وتتوغل فيها بدون آذن ولا استئذان -كما يقول ابن الرومى عن الالحان- محاولة بذلك ان تحتل محل محفوظاتى من الغزل والحماسة وشكوى الزمان وبث الاشجان واحلام الربيع وانفاسه واشواكه وما حفظته او نسجته فى هذا العمر القصير
وبعد حول طبعا وجدت الرغبة تلح بى فى الحديث عن وضعنا الجمركى القاتم ، ذلك لأني أعتقد ان كل واحد منا لو تحدث عن الجو الذي يحيط به لوصلنا الى الصف الاول من حيث لاندرى .
فعلى الرغم من ان التجارة عندنا لا تزال فى دور النشوء فان الحكومه استطاعت ان تنعش السوق التجارية ، وتنمى حركتها انماء انى اكله ضعفين ، لما تقدمه للموردين من مساعدات سخية ، وما تضحى به من معاونات فى سبيل انشاء البيوت والمؤسسات التجارية ، ولذلك ترى لها ولرجالها سهاما فى كل الشركات الأهلية ، إلى ان اصبح لتجار الطليعة فى الأسواق العالمية مقام مرموق وثقة وسمعة تجارية يغبطون عليها . فبجانب أن لهم ارصدة معقولة فى البنوك العالمية ، لهم كذلك وكالات عن شركات وبيوت تجارية عالمية وكل هذا من الأسباب التى نمت حركة التوريدات وانعشتها انعاشا واضح الاثر اذ تمخر البواخر الكبيرة عباب اليم آيبة ذاهبة - من أمريكا واوربا ومختلف البلدان الشرقية الكبيرة الى السواحل السعودية حاملة بضائع من مختلف الأنواع بصورة . مستمرة ودائمة . . وحركة هذه البواخر تزداد يوما عن يوم زيادة مطردة ملموسة . ولذلك وجهت وزارة المالية بدورها عنايتها الفائقة بموانئها والخط الجمركى لاسيما وان الشئ الذى تمتاز به هذه المملكة عن أغلب ممالك البلدان العربية أن البواخر ترسو فى موانىء عدة منها ولهذا وزعت ادارات الجمارك الى مناطق عدة . تسمى كل واحدة منها "امانة" وهذه الأمانات مرتبطة بوزارة المالية كمرجع لها ، وأهمها "أمانة جمارك الحجاز" ومقرها الرئيسى جدة وأهميتها آتية من أنها مرسى للبواخر حاملات البضائع طيلة العام ، والبواخر التى تقل الحجيج أيام الموسم .
وبوازيها فى الأهمية "امانة جمارك الأحساء" وذلك لان مقاطعة الظهران اصبحت حفيلة بالمشروعات التى تقوم بها شركات اجنبية عالمية بموجب اتفاقات خاصة مع وزارة المالية ، التى تقوم الان بتنسيق المووان تدريجيا على الطراز الحديث . .
ولهذا فان مرسي رأس تنورة او ميناءه على الاصح يعتبر حاليا من اهم الموانئ لانه المرفا الذى ترسو به البواخر ناقلات الزيت ، والتى لا تقل حمولة الواحدة منها عن ثلاثين الف طن .
نظام خاص مرعى الاجراء وبموجب مواده وفقراته يجرى تخليص البضاعة ونقلها الى ارصفة الموانئ ؛ وأما عملية الترسيم فعلى أساس التعريفة الجمركية الرسمية ايضا والتي توضح انواع الرسوم الجمركية المقررة : على ان هناك اوامر وتعليمات ونظما فرعية خاصة بكل الاعمال التى لها علاقة بالموانئ مباشرة او غير مباشرة .
ولظروف الحرب الثانية التى القت اوزارها ولا تزال شرورها تعمل فى الاسواق التجارية حتى الان ، ولما تركته وراءها من اوضاع مغابرة للأوضاع التى كانت قبل نشوبها رات "الوزارة" ضرورة درس النظام والتعريفة وتهيئة مشروع جديد لهما يساير الوضع الحالى ، لا سيما بعد انتعاش الحركة الاقتصادية ، والزراعية والعمرانية وما يستلزمه هذا الانتعاش من تقديم التسهيلات للموردين والمصدرين من التجار . .
الا ان الجو التجارى ، خانق قاتم يكرب ويغيظ ، لان الشره ، يبدو مجسما فى المحاولات الائيمة التى ترمى الى استغلال ما قضت المصلحة العامة باعفائه من البضائع ، او فى التناحر البغيض في سبيل التهالك على المصالح الذاتية واليك مثلا مرتجلا من ذلك .
إن النظم الجمركية تقضى باعفاء الآلات والأدوات الزراعية ومواد البناء والمنتوجات الداخلية ، واعفاء هذه الأشياء يرمي الى انعاش الحركة الزراعية والعمرانية ، فهل استفاد الزراع والمعمرون من هذا الاعفاء ؟
إن أسعار هذه الأشياء المعفاة ، لا تزال مكانها ، ولم تخفض قيمها الا نسبيا لا لشئ إلا لأن البعض استغل الأعفاء المؤقت لمواد البناء فورد حقيقة ولكنه خزنها واكتنزها الى ما بعد انتهاء الاجل المفروض ، والبعض الآخر عرضها فعلا ولكن بعد ان اضاف اليها الربح الذي يكفيه حتى ولو كان غير معقول . .
فماذا عساها تصنع جهة الاختصاص ، للضمير الميت والاحساس المريض فى تاجر يفتنه الربح ويجعله يستبيح مثل هذا الاستغلال المقيت ؟...
(له صلة)

