الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

فى الدفاع عن اللغة العربية

Share

- 3 -(*)

وركن آخر من أركان النهضة الفكرية والادبية فى ربوع بلاد العرب وليد بيروت وابنها العبقرى أعني به الشيخ الشاعر العالم ناصيف البازجي ( 16 ) يسجل ضمن كتابه الشهير " مجمع البحرين " مقامة من بين المقامات الستين المثبتة وهى المقامة البحرية حيث دافع فى ثناياها عن اللغة العربية بأسلوب رائق شيق جذاب يقول : " قال سهيل بن عباد : شهدت وأبا ليلى عيد النحر في بعض أرياف البحر . وكان ذلك المشهد الميمون حافلا كالفلك المشبحون والناس قد برزوا أفواجا وانتشروا أفرادا وأزواجا حتى اذا سكن اللجب وتميز اللباب من النجب جلس المتأدبون منهم على أديم ذلك التراب ، واخذوا يتذاكرون في حقائق العربية ودقائق الاعراب حتى اذا أوغلوا في تلك اللجح ، وأمعنوا في البراهين والحجج ، طلع شيخ أعمش العين أعنش ( 17 ) اليدين فمسح بيديا أطراف السبال ( 18 ) وأشار الى القوم وقال : الحمد لله الذي جعل العربية أفصح اللغات وجمع فيها اصول البراعات وفصول البلاغات أما بعد فاعلموا يا غرة

أهل المدر ( 19 ) وقرة أهل الوبر ان هذه اللغة المستحسنة فريدة عقد الالسنة , وهي خلاصة الذهب الابريز التى بها ورد الكتاب العزيز ولها الفنون العجيبة والشجون الغريبة والالفاظ القائمة بين الجزل والرقيق والاختصار المؤدى الى المراد من أقرب طريق وفيها الاستعارات والكنايات والنوادر والآيات والبديع الذى هو حلاوتها وحلاها ، والشعر الذي لا نظير له فى سواها ، فضلا عما بها من الحدود والروابط والقيود والضوابط والاعراب الذي يقود المعانى بزمام ويرفع الابهام عن الاوهام ، واني لارى الناس قد نقضوا ذمامها وقوضوا خيامها

ورفضوا أحكامها فضاع مفتاحها وانطفا مصباحها وتكسرت صحاحها حتى لم تبق لها حرمة ولا شأن ولم يبق من يتصرف بها من أهل هذا الزمان ، فضا عندهم الناحي كاللاحي ( 20 ) والشاعر كبعض الاباعي وعالم اللغة أحمق من دغة ( 21 ) ولقد ساءنى ما فعلت بها الايام حتى بكيت على أطلالها التى عفاه عصف السهام ولا بكاء عروة بن حزام قحافظوا على درس طروسها وجاهدوا في سبل احيائها بعد دروسها فانها الدرة اليتيمة والحرة الكريمة واللهجة التى لم ينطق اللسان بمثلها والمطية التى لا تذل الا لاهلها وعلى ان انتصب لافادتكم ما أبقى الدهر لى رمقا ، ولا أخاف بخسا ولا رهقا ( 22 ) الى آخر المقامة .

وعودة ثانية من المشرق العربى الى مغربه حيث موطن الخضراء ومصلحها الكبير الطاهر الحداد (23) الذي ضرب بسهم وامر فى ميدان الاصلاح الاجتماعى وكذلك السياسي والثقافي وانظر ما لاحظه من تدهور للغة تبعا لتدهور الحال في جميع مجالات الحياة ويعلق بقوله " نحب اللغة العربية حبا

جعلنا نعتبرها جزءا من ديننا ، ونحب ديننا حبا يكاد يفضى بنا الى الجنون بل قد أفضى ولكننا حتى الآن لا يوجد لدراسة هذين الاصلين او تعليم العلوم ولو بنايه صغيرة . إذا استثنينا الكلية الزيتونية البائسة والكتاتيب الخاوية والمدارس القرآنية التى هى اليوم مشروعات لعيش الافراد القائمين بها أكثر مما هى لتثقيف الشعب وتعليمه ، والتعليم المذموم في المدارس الابتدائية التى أنشأتها الحماية الفرنسية أتم منها برنامجا فى تحصيل العلوم والشعب التونسى يكره هذه المدارس لخلوها من التعليم القومى ، والصحافة الوطنية والكتاب يؤيدون هذا الشعور فى الشعب ويثيرونه فيه ولكن الجميع يرفعون اصوات الاحتجاج الشديد على الحكومة فى بدء كل سنة مدرسية لضيق هذه

المدارس عن ايواء أبناء الشعب التونسى الذين يبقى غالبهم مشردا في الطرقات محروما من التعليم ومعرضا لشر الاخلاق والجرائم والسجون ، والشعب التونسي يشعر اليوم ان اللغة الفرنسية أقرب الى طرق العيش من اللغة العربيه وهذا هو الواقع وهو معقول الحكم الفرنسي فرضخ الى تعليم ابنائه في تلك المدارس رغما عن شعوره المخالف لها ، لان حياته المادية تتأخر يوما فيوما وتشعره بالحاجة الى الاستخدام الذي تملكه الحكومة والشركات العامة وهي لا تعرف اللسان العربى ، فكانت هذه المدارس كمعامل لتبديل الالسنة والملابس بفائدة المطابع والمصانع الاروبية ولفائدة الرقى الاستعمارى العام في توحيد الممتلكات الفرنسية بالشمال الافريقي ، ونحن الآن قد بدأنا نشعر بحاجتنا الى التخاطب باللغة الفرنسية فى شؤوننا العمومية فاسسنا جرائد وطنية باللسان

الفرنسى تقرأها شبيبة هذه المدارس التى تبلغ اليوم عشرات الالاف والتي لا تجد شيئا وطنيا تقرأه لو لم تكن لها هذه الجرائد ، الا الجرائد العربية الذاويه التى لا تحسن لغتها ، وستذهب هذه الجرائد العربية بموت قرائها وبحتل مكانها الجرائد الوطنية الفرنسية اللغة بطبيعة انتشار اللسان الفرنسي وطبع ابناننا به منذ نشأتهم بالمدرسة على حساب اللغة العربية . . " ( 24 ) وعن مستقبلها يلاحظ الطاهر الحداد بانه " لم يبق للغة العربية فى تونس غير الكلية الزيتونية وهى فيها موؤودة منذ قرون لا تعرف الحياة ولا الحياة يعرفها ، وأهل تلك الكلية يحافظون كل المحافظة على ان تبقى في هذه الحال كأمانه عهد اليهم حفظها من التبدل والتغيير مقابل جرابات ينالونها هناك فيما أشبه الكلية الزيتونية بأسواق المدينة المحدقة بها فى الجمود والعجز عن

التطور واذا كانت الحال متشابهة فلا عجب ان يكون مستقبل اللغة العربية مشابها لمستقبل تلك الصناعات المائتة حولها ثم لا عجب بعد هذا ان تكون حياتنا مشهدا تاريخيا يتحرك امام انظار الباحثين والسواحين الاجانب لا يبعد عن تمثيل أجدادنا الا بقدر ما يقتضيه اندفاعنا المستمر فى هاوية الموت " ( 25 ) .

أخيرا تلك مواقف دفاعا عن لغة البيان وليكن الختام بشاعر الخضراء الطاهر القصار وقد وصف لغة الضاد فى ابهى صورة وانبل موقف وافصح لسان يقول :

لغة البيان ومنطق القرآن                        تدعو لنجدتها بكل لسان

لغة الأباة الشم والعرب الألى                ملكوا المفاخر من بني قحطان

لغة تسامت فوق هامات العلا               في كل عصر بل وكل مكان

لى ان يقول :

لم يبل منها الدهر شيئا انما                 باءت من الابناء بالهجران

تركوا حماها وانثنوا عن حبها              وسلوا هواها بابنة الرومان ..

بثلاثة نسمو ويعظم أمرنا                بلساننا والدين والعرفان . . ( 26 )

الى آخر القصيد وقد حوى دعوة حارة للوقوف بجانب اللغة المعتبرة ركنا لازما للحفاظ على الذاتية والاصالة الحق ، وليس لى فى النهاية الا ان اشير بأن الواجب يدعو الجميع الى السعى والعمل الجدى قصد ارساء اركان اللغة العربية على أسس متينة قوية ثابتة كي يعود اعتبارها وتتبوا المكانة التى نستحق بين لغات العالم وقد بدأت طلائع الظفر بالمقصود تتضح معالمها واصبحت من بين اللغات الرسمية فى المحافل الدولية وفي مقدمتها مجلس الامم المتحدة ومجلس الامن لكن الدعوة الحارة هو الدفاع عنها فى المحافل العلمية والمؤتمرات الدولية سواء الطبية منها أو غيرها وفي ذلك اثبات للذات والوجود والكيان .

اشترك في نشرتنا البريدية