الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

فى الذكرى الخمسين لوفاة الطاهر الحداد، موقفه من قضايا جيله

Share

قد يتبادر إلى ذهن بعضهم أن الطاهر الحداد بدأ من حيث فشل محمد على إذ غلب النزعة الدينية التعليمية على الجدلية العلمية ، سؤال يبدو طريفا فى حد ذاته . وهو فى الحقيقة منطلق للحديث اجمالا عن هذا العلم التونسي وعن العلم التونسي الآخر محمد على الحامي ، وعن الجو الثقافي الذي كان سائدا فى تونس في الثلاثينات والنضال الاجتماعى والنضال السياسي .

اننا في الواقع لا نستطيع ان نتحدث عن الطاهر الحداد معزولا عن جوه الثقافي العام ، اذ تعود بعضهم ان يذكر الحداد من زاوية اهتمامه بموضوع له علاقة بالاحداث الاجتماعية أى الموضوع الذى له مساس بالجانب الاجتماعى من الدين . وهذا فى الواقع جانب من عدة جوانب تميزت بها هذه الشخصية الفذة فى تاريخ الفكر والثقافة ببلادنا

ينتمى الطاهر الحداد الى ثلة من شباب تونس الذي أسهم اسهامات جادة فى ميدانى الفكر والثقافة ، ولم يكن منفردا بالكتابة فى الثلاثينات اذ أنه كان يعاصر شخصيات أدبية وفكرية ممتازة نذكر من بينها أبا القاسم الشابي وسعيدا أبا بكر الشاعرين وغيرهما من ادباء تونس ومثقفيها فى تلك الحقبة من تاريخنا

ان ما يتميز به الطاهر الحداد هو أنه جعل الادب رسالة الدنيا ، ومسؤولية الحياة ، ولم ينظر اليه من منظار تجزية الفراغ كما هى العادة عند كتاب وشعراء كثيرين فى زمانه وقبله .

ينطلق الطاهر الحداد من عشقه لتونس ، ومحبته لتربتها ومن تعلقه الشديد بمجتمعه التونسي وغيرته عليه فى زمن كانت تونس في قبضة سلطة أجنبية الامر الذى جعل الطاهر الحداد وثلة من الشباب اليقظ من أدباء تونس يتألمون تألما كبيرا ويشعرون بالغربة ، غربة من كان غريبا فى وطنه ، غربة من لم ينا عن أرضه وانما كان غريبا فى غربته كما يقول أبو حيان التوحيدى فى الاشارات الالاهية متوقعا منذ عشرة قرون هذا التصور لمفهوم الغربة الوجودية

هذا المعنى يتردد كثيرا فى ادب الطاهر الحداد كما يتردد كثيرا فى أدب الشابى وادب سعيد أبى بكر وغيرهم وعناوين قصائد كثيرة لابى القاسم الشابى تدل على هذا المعنى العميق ، معنى الغربة ، وشكوى الغربة من قبل التونسي الذي لا يتحكم فى مصير بلاده وهو يعيش على أديمها فى سجن كبير فنجد : الاشواق التائهة ، والى قلبي التائه ، ونجد قصيدا موشحا بعنوان نشيد الاعمى لسعيد أبى بكر حيث يقول :

قلبوا الطرف اطلاعا    انظروا نقطة المرمي

ومن جملة ما يقول فيه :

وانظروا الغربي فيها         واذكروا انني الاعمى

ويقصد بالاعمى ذلك الذى يتعامى عن مشاهدة المآسي التى كانت تتراءى فى البيئه التونسية ، ويتألم منها الشاعر ويذكر فيها الغريب . كما نجد قصائد من هذا النوع عند الطاهر الحداد منها قصيده المهدى الى تونس

أتونس عندى فى هواك تولع        وانت منى نفسي عليك تقطع

والقصيد من أروع ما نظم وان كان مكتوبا بلغة بسيطة ليست اللغة التى تميز بها الشابى مثلا وهى اللغة التى يقوى فيها الخيال المجنح لان الشابى كان يلجأ الى طريقة الايحاء الشعرى فى حين ان الطاهر الحداد كان أقرب الى البوح الصريح بالمعنى

انطلقت من هذا عن قصد لان منطلقهم هو تعلقهم الشديد بتونس ، وغير تهم على هذه الارض السليبة وعلى هذا المجتمع الذي كان مهددا بالذوبان ، بالتجنيس ، بالتفليس ، بالفرنسة بسياسة القمع وهو ما أنطقهم وجعلهم يسخرون القلم للذود عن تونس والتغنى بالغد المنشود

يقول الطاهر الحداد أبياتا من أروع ما يمكن أن يقال :

شربت حب بلادى مذ نشأت بها            طفلا فعم بأحشائى واوصالي

عرفت منتها الكبرى على ولم               انس الفروض التى تقضى بامثالى

من كل حر اصاب الكرب موطنه            فقام يسعى بأقوال واعمال

هذا هو الطاهر الحداد في الواقع ، المثقف الحر الذي شرب حب بلاده وسخر قلمه للدفاع عنها وللتغني بحبه لها . وهذا هو منطلقه .

ان الطاهر الحداد شخصية متعددة الاختصاصات والاهتمامات

- فهو الشاعر الذي جاء جل شعره فى وصف الحالة التى كانت سائدة بتونس في زمانه فهو شعر ايقاظ واحياء وشعر يخدم النهضه التونسيه

- والطاهر الحداد هو الصحفى الذى كان يكتب المقالات المطولة في مواضيع تعالج قضايا حساسة ذات اهمية كبرى ، فقد كان يكتب الافتتاحيات في مجادلة أكبر وأبرز الاقلام حتى الاقلام الفرنسيه . وهو أمر قد يبدو غريبا لان الطاهر الحداد لم يكن يعرف اللغة الفرنسيه ومع ذلك حاول مثلا قطبا من أقطاب الحركة السياسية الاشتراكية الفرنسيه بتونس . وقطبا من أقطاب الحركة النقابية الفرنسية ) الس . ج . ت ( وهو جواشيم ذوريل . وقد اكتسب الحداد الازدواجية اللغوية بطريقة غير مباشرة أى عن طريق الاتصال والاحتكاك كوسيلة من وسائل التعرف على ثقافات أخرى

- ثم هو السياسي الذي بدأ نشاطه كعضو مكلف بما يسمى الدعاية السياسية للحزب الدستورى القديم قبل انشطاره

- وهو أيضا الذي رافق وعاشر سنتى 1924 و 1925 محمد على الحامي هذا الرجل العصامي الذي كون نفسه وبدا حياته كحمال بالسوق المركزية

بالعاصمة قبل أن يستنجبه قنصل النمسا بتونس آنذاك فيتخذه سائقا له ، ثم هاجر اثر ذلك والتحق بصفوف المجاهدين الليبيين الذين كانوا يواجهون الجيش الايطالى فى حرب تحريرية ، واشتغل مع أنور باشا القائد التركي ، والتحق فى أواخر الحرب العالمية بألمانيا حيث زاول الدراسة الجامعية الحرة بجامعة برلين وعاد نهائيا الى تونس فى سنة 1924 مزودا بتجارب فأراد ان يطبق بعض الافكار التى كانت تخامره وهو فى بلاد الغربة كما يذكر ذلك الطاهر الحداد في كتابه " العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية " وهو كتاب صدر سنة 927 1 وحجز فى المطبعة . وقد بلغنا الكتاب وأعيد طبعه فى تونس المستقلة باشارة من فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة الذى ذكر الطاهر الحداد ومحمد على الحامي في عدة مناسبات واعتبرهما من شباب تونس الذي نعتز به فى مسار الحركة النضالية التحريرية من اجل تونس

بدأ الطاهر الحداد تجربته الاجتماعية مع حزب الدستور القديم ثم ابتعد عنه لاختلاف فى وجهات النظر بينه وبين قادته الذين يبدو أنهم لم يغفروا له ذلك ويظهر ما أسروه فى الحملة المسعورة التى شنوها عليه بعد صدور كتابه " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع "

وكانت للحداد تجربة ثانية هي تجربته الاجتماعية الاقتصادية الثقافية السياسية مع محمد على الحامي وحركته التى هى حركة نقابية وطنية وكل المساهمين فيها كانوا من اتجاهات متباينة لكن الغالب عليهم الاصل الوطني التونسى رغم ما قيل فيها من جانب من ارادوا ان يسلطوا عليها أضواء ماركسية واعتبروها متأثرة بالشيوعية فى ذلك الوقت

وقد بدأت هذه الحركة بمحاولة محمد على تطبيق برنامج اقتصادي تعاونى عن طريق بعث جمعيات تعاونية فى المجال المالي والاقتصادى غير أن هذه المحاولة باءت بالفشل ومن جملة ما يعلل به الطاهر الحداد فشلها فى كتابه " العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية " أن المجتمع التونسي لم يكن متهيئا لها

وان فشل هذه المحاولة الاشتراكية والظروف التى حصل فيها ذلك الفشل ساهمت فى تحويل حركة محمد على من حركة تعاونية اقتصادية الى حركه نقابية ذات بعد سياسي وطني وهو ما اثار مخاوف المقيم العام

منصرون " وغلاة المعمرين وحزبهم الذي كانت له جريدة يدل اسمها على هدفهم الرئيسى وهو ادماج تونس فى صلب فرنسا وجعلها مقاطعة تابعة لها وهذه الجريدة هي " لا تونيزى فرانساز " تونس الفرنسية

ولما تضخم دور محمد على وجماعته وخلخلوا الكيان الاستعمارى بالاعتصابات ) الاضرابات ( والمصادمات الدموية وبالخصوص الاحداث الدامية بمدينة بنزرت في سنة 1924 التى كتب فيها الكتاب المقالات وقال فيها الشعراء القصائد كقصيد سعيد أبى بكر فى رثاء شهداء بنزرت ، دبر المقيم العام مكيدة تألبت بمقتضاها الاحزاب السياسية فى ذلك الوقت على محمد على منهم الوطنيون والدستوريون القدامى . وقضى على الحركة وحكم على قائدها محمد على الحامي بالنفي خارج تونس

وأمام ما حدث للحركة وتغريب قائدها وثلة من رفاقه انطوى الطاهر الحداد على نفسه يفكر في اسباب فشل الحركة ويذكر هذا فى مقدمة الباب الاول من الكتاب فى تحليل اجتماعي سياسي - قبل ان يبدأ فى تاريخ الحركة - عزا فيها فشل الحركة الى فقدان الوعى الاجتماعى آنذاك في المجتمع التونسي الذي اعتبره مجتمعا مشلولا نصفه لا يقوم بدوره الاجتماعى التربوى كما يجب ويعني بذلك المرأة التونسية فى زمانه وكأن بهذا يبشر بالكتاب الآخر الذي أصدره سنة 1930 وهو كتاب : " امرأتنا في الشريعة والمجتمع " ويقول فى مقدمة كتاب : " العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية " كم يتطلب هذا الموضوع ( يعني موضوع ترقية المرأة من كتاب

هذا ما يمكن أن يتبينه كل من يقرأ قراءة متمعنة المقدمة الطويلة لكتاب " العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية "

من هنا جاء اهتمام الطاهر الحداد بموضوع اصلاح وضع الاسرة التونسية فقارب الموضوع من جانب اجتماعي ديني بدون شك

ونحن عندما نذكر الحداد لا نفكر عادة الا فى مشروعه الاصلاحى الديني من جانب الاحوال الشخصية وننسى قسما آخر يكتسي أهمية بالغة من الناحية الادبية والاجتماعية وهو القسم الثاني من كتاب امرأتنا في الشريعة

والمجتمع " وهو بمثابة اللوحات الادبية بقلم كاتب فنان ادخلنا عن طريقها البيوت التونسية فى ذلك الوقت وأطلعنا على بعض المشاهد الحية من حياة الاسر فأرانا مشاهد مأسوية فى وصف الصراع بين الاخوة من امهات مختلفات وبين الزوجات ومكائد بعضهن للبعض وما ينجر عن ذلك من خصام وشجار قد يصل الى حد شد الخناقات والعنف . وهذه المشاهد وان دخلت اليوم طي النسيان وأصبحت من التاريخ فانه من المفيد ان يطلع عليها الشباب التونسى الذى لم يعش تلك الظروف ولم يعش مثل تلك الحالات المأسوية نتيجة الاصلاح الجذرى الذى أقرته مجلة الاحوال الشخصية بحظر تعدد الزوجات خاصة .

وفى القسم الاول يدخل الطاهر الحداد صلب الموضوع الذي ألف من أجله كتابه والواقع - وأقول هذا للتاريخ - ان فصولا وأبوابا طويلة منه لم يؤلفها الكاتب فى سنة 1930 سنة صدور الكتاب بل ألفها من قبل اذ نجده يؤرخ المقدمة بسنة 1929 بينما نشرت له عدة فصول من الكتاب فى جريدة " الصواب " سنة 1928 ومنها مقالات أيضا للصحفى الاديب المرحوم الهادي العبيدى الذى كانت تربطه بالحداد رفقة وعشرة وتقدير متبادل . والغريب أن كل تلك الفصول لم تثر عندما نشرت بجريدة " الصواب " أية ضجة ولم تلق أية مناهضة تذكر رغم ان تلك الجريدة كانت جريدة سيارة يقرؤها جل التونسيين - لانها كانت جريدة وطنية هادفة ذات مستوى طيب ، فيها تنوع من حيث الكتابة السياسية والاجتماعية والأدبية - فى حين آثار الكتاب لما صدر سنة 1930 ضجة كبرى وجابه مؤلفه معارضة عنيفة وقاومه المحافظون وخاصة بعض مشائخ النظارة العلمية ، وخصصت له بعض الصحف افتتاحياتها ومقالاتها الطويلة لدحض اراء مؤلفه وثلبه والتهجم عليه بدون تحفظ ومنها مقالات لبعض الشخصيات المحترمة التى كان لها مساهمات في النهضة وفي الحركة الاصلاحية بتونس واذكر مثالا على ذلك مقالة جد طويلة ملأت صفحة كاملة من جريدة " الارادة " كتبها الشيخ راجح ابراهيم في حديث البسملة معترفا مع ذلك بانه كتب تلك المقالة ولم يقرأ الكتاب . كما ان من بين من ناصر الحداد من يعترف بأنه ناصره ولم يقرأ الكتاب ثقة فيه وتعاطفا معه واذكر منهم الشيخ سالم بن حميدة . وقد كتبت مرة بحثا بعنوان " بين الشيخين راجح ابراهيم وسالم بن حميدة في جدلية بين القديم والجديد " لان الموقفين طريفان ولان الرجلين كانا يسلكان في قضية ترقية المرأة التونسية مسلكين متباينين

كانت سنة 1930 خطيرة في تاريخ تونس وتاريخ المغرب العربى اذ كانت السنة التى ظهر فيها الظهير البربري ، والسنة التى حاول فيها الاستعمار تمزيق اللحمة التي تربط بين الاخوة المغاربة بمحاولة التفريق بين البربري والعربى ، وهي السنة التى احتفل فيها باحتلال الجزائر وبمرور مائة عام على نزول القبوات الفرنسية بشاطئ سيدى فرج بذلك القطر الشقيق ثم هي السنة التى بدأ فيها بعض المستعمرين يهيئون للاحتفال بمرور 50 سنة على انتصاب الحماية ببلادنا . وهي بالخصوص السنة التى انعقد فيها مؤتمر عالمي كنائسي بتونس كان يستهدف تنصير البلاد هو المؤتمر الافخارستي العالمي الذي نظمته الكنائس في محاولة لتنصير المسلمين وشارك فيه الرهبان والباحثون النصارى من كل بلدان الدنيا فتوافدوا على تونس في حملة شبه صليبية ان لم نقل صليبية باتم معنى الكلمة ، وفي امكان كل من يراجع التاريخ - تاريخ الاحداث وما جرى آنذاك - من خلال الصحف التونسية وهي موجودة متداولة ، ومن خلال الوثائق الكنائسية نفسها كمجلة لا تونيزى كاتوليك " التى تصدرها الكنيسة النصرانية بتونس في ذلك العهد ان يبين أن المشاركين في ذلك المؤتمر استرجعوا ذكريات الحملات الصليبية وآخر حملة صليبية فى تونس أى الحملة الصليبية التاسعة التى قادها ملك فرنسا القديس سان لوى الذى أصيب أثناءها بالوباء ومات في قرطاج حيث يظن الآن أن قبره موجود ومن جملة تظاهرات ذلك المؤتمر الذي انعقد في ماي 1930 الاستعراض الصليبي لما لا يقل عن عشرة آلاف شاب وشابة انطلقوا من ملعب " جيو أندري " ملعب الشاذلى زويتن حاليا ترجلا بأزياء الصليبين وعلى ظهورهم الصليب ومروا تحت أقواس النصر التي رفعت عليها الصلبان وكتبت عليها عبارة " بهذا ستنتصر " بالصليب ستنصر ، وواصلوا السير حتى وصلوا الى ما كان يظن أنه قبر سان لوى وقدموا القربان ورموا بالجريد ، ونصبوا الاسرة في جامع الصادقية . كل ذلك كان تحديا للذاتية التونسية وللعقيدة الاسلامية التى هى أحد مقومات الشخصية التونسية . وبدون شك كان رد فعل الصحافة التونسية عنيفا وكثيرا ما كان فخامة الرئيس الحبيب بورقيبة يذكر بتلك الاحداث ويبرز مدى الاخطار الجسام التى كانت تهدد تونس في ذلك الوقت وأذكر انه حضر

لى محاضرة فى يوم من الايام وجرى بيننا حوار طريف جدا وتحدث أثناء النقاش أيضا عن تعليل الخصومة ، والخصومة حول الكتاب أسبابها عميقة وهي فى الواقع ترجع الى ظروف ابتعاد الطاهر الحداد عن جماعة اللجنة التنفيذية لانه ما كان فى وقت من الاوقات يشعر بتناغم وانسجام بين تصوره للنضال وتصورهم له فابتعد عنهم هو وثلة من رفاقه منهم احمد الدرعى الذي ذكر ذلك فى كتابه فاسر جماعة اللجنة التنفيذية ذلك واغتنموا صدور كتاب " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " سنة 1930 لينهالوا عليه انتقادا وتجريحا وتكفيرا

وقد وجد بعضهم فى هذا فرصة ليغسلوا ذنبا وينسوا الناس في ورطة موقفهم المتخاذل من المؤتمر الافخارستي لان هذا المؤتمر كانت له لجنة شرفية من بين اعضائها بعض ثراة القوم آنذاك منهم أحمد باي الذي زار كنيسة " فرفيار " بفرنسا حسب الوثائق الكنيسية نفسها فى شهر جويليه 1930 اى بعد شهر من انعقاد ذلك المؤتمر . ولكنه اضطر أمام مختلف ردود الفعل التى ظهرت في ذلك الوقت الى محاولة تبرير موقفه وتبرئة نفسه بدعوى التسامح الذي هو من أهم المبادئ التى يدعو اليها الاسلام ويحث عليها . والحقيقة أن المسألة ليست مسألة تسامح لان العقيدة والكيان كانا مهددين ، وان الواجب كان يقتضى الوقوف امام كل التحديات والتمسك بكل مقومات الشخصية التونسية والتشبث بها والدفاع عنها وهو ما كان موقف الزعيم الحبيب بورقيبة سنة 1929 في الجدال الذي جرى اثر المحاضرة التى القتها امرأة تونسية سافرة بعد ان ازاحت الحجاب وتحدثت فيها عن وضع المرأة التونسية فى ذلك العهد ونددت بما كانت تعانيه من كبت وببعض العادات السائدة اذ جادلها الزعيم هو وجماعة منهم الطالب محجوب وهذا الجدال نجد صداه فى مقالة من أروع ما كتبه الزعيم الشاب الحبيب بورقيبة بعنوان " الحجاب le voile وكان موقفه مؤيدا للحجاب معللا ذلك تعليلا سياسيا : بأن الحجاب درع لوقاية الذاتية التونسية كالشاشية وغيرها فينبغي التشبث به وعندما تنقذ الذاتية وتشعر المرأة التونسية بالحاجة الى التحرر فعندئذ يحين وقت ازالة الحجاب وهي نظرة مستقبلية

جد حصيفة يقوم شاهدا عليها ما أحرزته المرأة في تونس من ترقية اجتماعية وما تعيشه فعلا اليوم

هذا بسرعة استعراض تاريخي لاهم احداث تلك الفترة من تاريخ تونس والواقع أن الطاهر الحداد لم يغلب النزعة الدينية التعليمية على الجدلية العلمية وكل ما فى الامر ان موضوع الدين جاء - بدون شك - عرضا لان ما اهتم به الحداد لا يمس جوهر العقيدة فهو يشيد مشروعه الاصلاحى على نظرية يجهر بها من البداية وهو ما يبينه بكل وضوح فيقول : إن المواضيع التى أعالجها واهتم بها هى مواضيع لها مساس بحياة الاسرة وبالشؤون الدينية وبالإحوال الشخصية ولا تمس بجوهر العقيدة ، عقيدة التوحيد ولا بمبادئها الاساسية ، وهو اذ يشيد مشروعه من هذا المنطلق يجهر بآراء سابقة لاوانها وهو يعرف ذلك ويقوله ويكتبه وهو ليس غرا اذ يقول : إن الافكار التى يجهر بها ان بدت مزعجة الآن فسيكتب لها البقاء وتدخل حيز التطبيق فى مستقبل الايام كانه يتوقع ما تم تحقيقه فى ميدان الاحوال الشخصية من اصلاحات ثورية فى فجر استقلال البلاد

اشترك في نشرتنا البريدية