على عشية يوم عابس متجهم ، وفي لحظات محزنة قاتمة ، شيع جمع قليل من الرفاق جثمان المصلح الشهيد الطاهر الحداد . كان ذلك يوم الثامن من ديسمبر 1935 فمن هو هذا الرجل الذى نحتفل اليوم بذكراه بعد مرور 45 سنة على وفاته ؟ ! وما هى اسباب انزواء الكثير عنه وابتعادهم دونه ، وما سبب سخطهم عليه ومواقفهم ضده ؟ لماذا كل هذه الحملة الشنيعة عليه وتكفيره ورميه بأقذع أنواع السب والشتم والاشارة المخزية ؟ ! لقد محضهم النصح فأبوا وارشدهم فزاغوا ؛ كان على الفطرة فى تسامحه وحسن اخلاقه فى جده واجتهاده ، فى كل ما يقوم به من عمل ، لا يرمي من وراء ذلك نفعا او اعتلاء مرتبة ، أو حب ظهور . وكلما تمر السنون يزداد اليقين افصاحا عما كان لهذا العبقرية من مواقف خلدها التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز . واني بهذه المقدمة لا ازيد شيئا كثيرا عما قام به رفيقه الاول وملازمه الاوحد فى السراء والضراء مثال الصداقة البريئة التى لا تقل فيها المحن والارزاء واعني به المرحوم أحمد الدرعى فقد كفانا مؤونة البحث عن تحديد معالم هذه الشخصية الفذة في تاريخ وطننا العزيز بكتابيه " حياة الطاهر الحداد " ( 1 ) " ودفاعا عن الحداد " ( 2 ) لكن ما انا مقبل عليه من عمل هو اجتهاد شخصى ( * )
فى التعرف على كنه هذا المصلح من حيث نظرته الى الاجتهاد والاسلام فى فترة كانت فيها البلاد التونسية ترزح تحت نير المستعمر الغاشم وسلط الباي الظالمة مع هذه التيارات الرجعية المتباينة والتى يمثلها بعض رجال الدين المتعصبين ، والذين رأوا فى الحفاظ على القديم ضمانا لمصالحها الدنيوية الخسيسة . كان الحداد يرى رأى العين بنفسه أمة ممزقة الاوصال ننهشها انياب الذئاب من كل جهة وفي كل مكان ، أمة أصبح الفقر والجهل من أهم خصائصها ، أمة مكبلة بقيود من الاغلال الحديدية الحادة ، فتأثر للحال وغضب وثار ، ولكنه غضب فى رصانة ، وثورة عن حكمة وبعد نظر فكانت مواقفه المشهودة منذ مطلع شبابه وقد ضحى بكل غال ونفيس من أجل هذه الامة الكريمة . واذا ما وقف البعض من هذا الاندفاع عن كونه اندفاع شاب متحمس " او " الحداد كفاح اجتماعي بدون بوصلة سياسية " فان الواقع والتاريخ يقران عكس هذه الاحكام السريعة وكما قال الشيخ الاديب محمد النخلى ( 3 ) :
ليس الحداثة فى سن بمانعة
قد يوجد الحلم فى الشبان والشيب
فلم يكن الحداد من المتهورين المتحمسين بالصدفة ، ولم يكن من اولئك الذين يبحثون عن الاصلاح من اجل الزعامة او امتلاك ثروة أو جاه ، كلا بل هي بذرة الاصلاح الكامنة فى نفسه منذ أيفع ، وهي بذرة الخير فى الروح من أجل الغير والاخذ بيده كي يصل شاطئ السلامة آمنا - وبالجملة فليس لنا امكانية التوضيح والتفصيل قبل عرض موجز عن المراحل الهامة التى مرت على حياته ومن ثم نستطيع التحليل ثم الاستقراء والاستنتاج
خمس عشرة سنة من حياة الحداد كلها نضال ودفاع عن حقوق الشعب المسكين ثم عن العمال الكادحين وأخيرا عن حال المرأة السليبة من كل صفة من صفات الكرامة الانسانية - ولم تكن هذه المراحل محض الاختيار بقدر ما هى بحكم الظروف السياسية والاجتماعية التى تعيشها البلاد فى فترة العشرينات واوائل الثلاثينات
فالفترة الاولى انتهى أمرها بعد يأس الحداد من الاصلاح السياسي واعتباره وسيلة لا غاية إذ بمجرد ما لاحظ ذاك التعنت من رجال الحزب القديم وعملها السلبى القعيد ، حول طاقته رفقة محمد على الى الكفاح النقابي لكن هذه المقاومة لم تدم طويلا اذ زج بالرفاق المصلحين فى السجن ، وابعد محمد على ، وكانت النكبة وانفض القوم عن الحداد ووجد نفسه وحيدا فى صراع طويل المدى مع الرجعية وأذنابها ومع الاستعمار وأعوانه ومع رجال الدين المتزمتين ، ولكنه وبحكم طاقته الخلاقة وحيويته المتدفقة لم يبق مكتوف الايدى ورأى ان الجهاد عليه محتم بكل الوسائل فكان كتابه " العمال " ( 4 ) ثم كتاب " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " ( 5 ) والذي حوى العديد من المقالات التى سبق ان نشرها فى الصحافة بعد المعركة السياسية والنقابية ، وكانت الضجة وكان المؤيد والمخالف
هذه عجالة موجزة عن أهم المراحل التى مرت على الحداد اثر تخرجه من جامع الزيتونة حاملا لشهادة التطويع وكان ذلك سنة 1920 ومن هنا نستطيع ربط الاسباب بالنتائج من حيث تكوين الحداد الزيتوني ومن حيث مدى استعداده لمواجهة أهم المشكلات التى تعترض سبيل الشعب التونسي
ولست هنا بمطيل عن قيمة تكوينه العام وثقافته الواسعة فقد كفانا الدرعى مؤونة الوصول الى النتيجة وكذلك ما قام به الحداد ذاته من اعمال فى ميدان الصحافة والتأليف ، لكن ما انا راغب فى اثباته مباشرة وحتى لا أطيل هو هذا التعمق فى البحث والاستنتاج لدى الحداد اعتمادا على النص القرآنى والسنة النبوية والقياس ؛ وقبل تحليل هذا الجانب ، يجدر بنا ان نشير الى الجانب الديني عنده وكيف ينظر الى الاسلام كدين صالح لكل زمان ومكان ، وما كانت هذه المواقف التى وقفها والآراء المعبرة التى أوردها الا تقييما للظروف التى أحاطت به ، زد على ذلك موقف البعض من أفكاره وآرائه الاصلاحية الرائدة خنقا للفكر وقتلا للروح وقد قاوم الحداد هذه الآفة الى آخر رمق من حياته دفاعا عن الاسلام ومبادئه السامية النبيلة . الم يكن الاسلام من خلال كتاب الله العزيز رائد الدعوة الى التأمل واعمال الفكر قال جل شأنه أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها .
هى التعرف على كنه هذا المصلح من حيث نظرته الى الاجتهاد والاسلام فى فترة كانت فيها البلاد التونسية ترزح تحت نير المستعمر الغاشم وسلطة الباي الظالمة مع هذه التيارات الرجعية المتباينة والتى يمثلها بعض رجال الدين المتعصبين ، والذين رأوا فى الحفاظ على القديم ضمانا لمصالحهم الدنيوية الخسيسة . كان الحداد يرى رأى العين بنفسه أمة ممزقة الاوصال تنهشها انياب الذئاب من كل جهة وفي كل مكان ، أمة أصبح الفقر والجهل من أهم خصائصها ، أمة مكبلة بقيود من الاغلال الحديدية الحادة ، فتأثر للحال وغضب وثار ، ولكنه غضب فى رصانة ، وثورة عن حكمة وبعد نظر فكانت مواقفه المشهودة منذ مطلع شبابه وقد ضحى بكل غال ونفيس من أجل هذه الامة الكريمة . واذا ما وقف البعض من هذا الاندفاع عن كونه " اندفاع شاب متحمس " او " الحداد كفاح اجتماعي بدون بوصلة سياسية ، فان الواقع والتاريخ يقران عكس هذه الاحكام السريعة وكما قال الشيخ الاديب محمد النخلى ( 3 ) :
ليس الحداثة فى سن بمانعة
قد يوجد الحلم فى الشبان والشيب
فلم يكن الحداد من المتهورين المتحمسين بالصدفة ، ولم يكن من اولئك الذين يبحثون عن الاصلاح من اجل الزعامة او امتلاك ثروة أو جاه ، كلا ! بل هى بذرة الاصلاح الكامنة فى نفسه منذ أيفع ، وهي بذرة الخير فى الروح من أجل الغير والاخذ بيده كى يصل شاطئ السلامة آمنا - وبالجملة فليس لنا امكانية التوضيح والتفصيل قبل عرض موجز عن المراحل الهامة التى مرت على حياته ومن ثم نستطيع التحليل ثم الاستقراء والاستنتاج .
خمس عشرة سنة من حياة الحداد كلها نضال ودفاع عن حقوق الشعب المسكين ثم عن العمال الكادحين وأخيرا عن حال المرأة السليبة من كل صفة من صفات الكرامة الانسانية - ولم تكن هذه المراحل محض الاختيار بقدر ما هي بحكم الظروف السياسية والاجتماعية التى تعيشها البلاد فى فترة العشرينات واوائل الثلاثينات
فافترة الاولى انتهى أمرها بعد يأس الحداد من الاصلاح السياسي واعتباره وسيلة لا غاية إذ بمجرد ما لاحظ ذاك التعنت من رجال الحزب القديم وعملها السلبى القعيد ، حول طاقته رفقة محمد على الى الكفاح النقابي لكن هذه المقاومة لم تدم طويلا اذ زج بالرفاق المصلحين فى السجن ، وابعد محمد على ، وكانت النكبة وانفض القوم عن الحداد ووجد نفسه وحيدا فى صراع طويل المدى مع الرجعية وأذنابها ومع الاستعمار وأعوانه ومع رجال الدين المتزمتين ، ولكنه وبحكم طاقته الخلاقة وحيويته المتدفقة لم يبق مكتوف الايدى ورأى ان الجهاد عليه محتم بكل الوسائل فكان كتابه " العمال " ( 4 ) ثم كتاب " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " ( 5 ) والذي حوى العديد من المقالات التى سبق ان نشرها فى الصحافة بعد المعركة السياسية والنقابية ، وكانت الضجة وكان المؤيد والمخالف
هذه عجالة موجزة عن أهم المراحل التى مرت على الحداد اثر تخرجه من جامع الزيتونة حاملا لشهادة التطويع وكان ذلك سنة 1920 ومن هنا نستطيع ربط الاسباب بالنتائج من حيث تكوين الحداد الزيتوني ومن حيث مدى استعداده لمواجهة أهم المشكلات التى تعترض سبيل الشعب التونسى
ولست هنا بمطيل عن قيمة تكوينه العام وثقافته الواسعة فقد كفانا الدرعى مؤونة الوصول الى النتيجة وكذلك ما قام به الحداد ذاته من اعمال فى ميدان الصحافة والتأليف ، لكن ما انا راغب في اثباته مباشرة وحتى لا أطيل هو هذا التعمق فى البحث والاستنتاج لدى الحداد اعتمادا على النص القرآنى والسنة النبوية والقياس ؛ وقبل تحليل هذا الجانب ، يجدر بنا ان نشير الى الجانب الديني عنده وكيف ينظر الى الاسلام كدين صالح لكل زمان ومكان ، وما كانت هذه المواقف التى وقفها والآراء المعبرة التى أوردها الا تقييما للظروف التى أحاطت به ، زد على ذلك موقف البعض من أفكاره وآرائه الاصلاحية الرائدة خنقا للفكر وقتلا للروح وقد قاوم الحداد هذه الآفة الى آخر رمق من حياته دفاعا عن الاسلام ومبادئه السامية النبيلة . الم يكن الاسلام من خلال كتاب الله العزيز رائد الدعوة الى التأمل واعمال الفكر قال جل شأنه أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
وانظر مليا فيما ورد في الحديث الشريف قوله عليه السلام " أنا اقضى بينكم بالرأى فيما لم ينزل فيه وحي . وبهذا وذاك كان الرسول الكريم أول من اعتمد الرأى أصلا من اصول التشريع الاسلامى واول مجتهد فى الاسلام . ولطالما وقف عليه السلام وقفاته الكريمة فى هذا المجال حاثا أصحابه رضوان الله عليهم على الاجتهاد وقد خاطب ابن مسعود قائلا : اقض بالكتاب والسنة ، إذا وجدتهما ، فاذا لم تجد الحكم فيهما اجتهد رأيك
والمواقف في هذا المجال عديدة متنوعة عهد النبي الامين حتى شاعت عفان وعلى كرم الله وجهه وعبد الرحمن ابن عوف ، وعبد الله بن مسعود وغيرهم كثير .
وتأمل معي في هذا الموقف العظيم والتوجيه الحكيم والاشارة السديدة حين خاطب عمر رضي الله عنه أبا موسى الاشعري وقد ولاه الكوفة :
" ... الفهم ، الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس فى كتاب ولا سنة ، ثم اعرف الامثال والاشباه وقس الامور بنظائرها " كل ذلك حرصا على ان يكون الفهم والرأى الصائب عنصري تزكية للاجتهاد من أجل مصلحة أمة الاسلام .
وبتطور الاوضاع السياسية والاجتماعية للامة الاسلامية وباتساع رقعة بلاد الاسلام تطورت الآراء وتباينت وبرز علماء أجلاء لهم مذهب وقول ولهم انصار ومؤيدون فكان مالك بن انس وكان أبو حنيفة النعمان ثم الامام الشافعي وابن حنبل . ولست بمطيل فى هذه النقطة بالذات وما كان من تأثير اشعاع الاجتهاد وابداء الرأي ومناقشته بالحجة والدليل
ان الدين الاسلامي دين الفطرة والعقل واصوله موافقة لمرافق الناس فى كل زمان ومكان ، حتى الاعتقاد فيه لا يكون بالاكراه والقوة والقسر ولم يحجر حرية التفكير فى البدء والنهاية " لا اكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي . وان اوامر هذا الدين الحنيف لم تكن الا بما يوافق المنطق والعقل ، فدعا الى التدبر والبحث والتفكير الصائب والنظر البعيد . الم يكن البرهان دائما دعامته اذا ما أمر ودعا ، ألم تكن الحجة الساطعة دليلا على تقوية الغرض اذا احل أو حرم ؛ وهكذا تحررت النفوس من اسر التقاليد البالية والعادات المهلكة القاضية فأخرج الناس من سجن المعتقدات الواهية ودخلوا فيه أفواجا تحت ظلاله الوارفة وما كان ذلك الا عن اقتناع بصحته
وصوابه وتشبعهم بمبادئه السامية الجليلة لا سلطان للدين الا السماحة ولا قوة الا النور والبهاء فتجاوبت معه العقول الراجحة وانقادت اليه الافكار النيرة السليمة . وبالجملة فما كان ابن خلدون حين أبدى رأيه فى اختلاف الايمة الاربعة الا موافقا لهذا المنزع فى الاجتهاد من أجل المصلحة واحترام مبدأ حرية الرأي والتفكير ، وقد برز كل مناصر لمذهبه يؤيد بالحجة والبرهان بعد أن " اقتصر الناس على تقليدهم ( اى الايمة ) ومنعوا من تقليد سواهم لذهاب الاجتهاد وصعوبته وتشعب العلوم . . الى ان يقول عن هذا الخلاف في ابداء الرأي بعد الايمة ومناصرتهم من حيث المبدأ الفقهى : كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات ، ولا بد لصاحبه من معرفة القواعد التى يتوصل بها الى استنباط الاحكام كما يحتاج اليها المجتهد الا ان المجتهد يحتاج اليها للاستنباط ، وصاحب الخلافات يحتاج اليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته . وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الايمة وادلتهم ، ومران المطالعين له على الاستدلال فيما يرومون الاستدلال عليه " ه ( 6 ) وتأمل معى فى هذه المقول للدكتور فاضل الجمالى فى محاضرته التى ألقاها فى بغداد بكلية دار العلوم على طلبة الصف الخامس وكان ذلك منذ قرابة الخمسين عاما يقول :
" يجب أن ننظر ان الدين الاسلامي أكثر من كونه دينا واضيف الى كونه دينا بالمعنى الفلسفى والاخلاقي والاجتماعى فهو دين اجتماعى تشريعى ويجب أن ننظر كذلك أن الدين الاسلامي يمثل ثقافة الامة العربية وهو قد نبع من روحيتها وفيه من التشريع والقوانين الملائمة لروح الامة ما لا تضاهيه في أية قوانين اخرى هذا على شرط أن يبقى هذا التشريع منطبقا وملائما لتطور العصور وأن لا يجحد . يقول الدكتور " بيكر " وزير معارف ألمانيا السابق فى التشريع الاسلامى من القوانين العلمية واللائمة للروح الاسلامية ما لا يوجد في أى تشريع آخر . ولكن العلة علة التطبيق . اذن من الناحية التشريعية هو اليق وأصح لثقافتنا ولمجتمعنا من أى تشريع آخر بشرط أن يفتح باب الاجتهاد من جديد وانا نريد نوعا من الاجتهاد العصري مثل خدمة الشيخ محمد عبده . " ( 7 ) .
هذا وقد اورد الدكتور عثمان أمين ( 8 ) ملاحظة حول اتجاه هذا الامام من كون أغلب من كتبوا عنه " أن أهم رسالة اضطلع بها ذلك الامام هي الاصلاح الديني الاسلامي " ( 9 ) أليس محمد عبده هو الذي يصبح فى أواخر حياته مفتيا للديار المصرية فيدعو الى التسامح الدينى والى الاجتهاد في الرأى ، والى التفكير المستقل عن كل سلطة الا سلطة العقل ، وهو الذى صرح غير مرة ، ان المباحث التقليدية التى يقضى فيها شيوخ الازهر أعمارهم لا تعدل جهد ساعة واحدة اذا لم تنفع الناس فى أعمالهم وفي تدبير حياتهم . ( 10 )
ألم يمكن مقصده من تفسير الفران الكريم هو " فهم الكتاب من حيث دين يرشد الناس الى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة . " ( 11 ) وكثيرة هي تلك المواقف المشهودة التى وقفها فى الاصلاح الاخلاقي وموقف الاسلام من الصوفية وتعدد الزوجات وغير ذلك .
وهذا المجاهد العالم محمد الخضر حسين ( 1874-1958 ) يلقى نظرة على تاريخ الفقه فى تونس فيستخلص ما يلي
" اذا تحدثت عن فقهاء تونس ، فلا اتحدث عمن يحفظ أقوال أهل العلم ويلقيها فى الدرس ، أو يجمعها فى كتاب على نحو ما حفظها ، وانما اتحدث عمن درس أحكام الشريعة ، وعرف أوجه ارتباطها باصولها ، واذا تجددت حادثة استطاع ان يرجع الى دلائل الشريعة ، ويستنبط لها حكما ينطبق عليها " وفى ثنايا بحثه عن المراحل التى مرت بها البلاد التونسية منذ الفتح الاسلامي الى عهده ، يشير الى بروز علماء أجلاء فى مختلف العصور بدءا بعبد الله بن الزبير وعقبة بن نافع وعبد الرحمن بن رافع التنوخي وهو أول من ولى القضاء بالقيروان ، وعلى بن زياد واسد بن الفرات والامام سحنون
صاحب " المدونة " والذي انتشر عنه مذهب مالك في تونس بل فى المغرب كلة وتخرج بين يديه رجال خدموا الفقه بالاستنباط والتدريس والتأليف وهؤلاء يعتبرون الركيزة الاولى التى تأسست عليها صروح الفقه الاسلامي فى البلاد التونسية
وبعد ان يعدد الشيخ الخضر ذكر الكثير ممن ظهروا على ساحة العلم بعلمهم الغزير سواء فى المائة الثالثة او السادسة او السابعة او الثامنة أو التاسعة حيث ابن خلدون والامام ابن عرفة والابى والبرزلى وفى آخر المائة العاشرة التحقت تونس بولايات الدولة العثمانية فكان أبو الحسن النفاتي المتوفى سنة 1049 ه ، أول من كسا القضاء فيها عظمة وكرامة . وما ان كان نظام التعليم الزيتونى سنة 1256 ه على يد الامير أحمد باي حتى ازدادت النهضة العلمية . . " وقد أخرج جامع الزيتونة بعد هذا النظام فقهاء أجلة يعتزون بعلمهم ويزهدون في المناصب الا ان تحيط بها العزة والكرامة كعمر بن الشيخ واحمد بن الخوجة ومحمد النجار . ومن نظر في فتاوى هؤلاء الاساتذة أو رسائلهم التى حرروا بها بعض المسائل العويصة رآهم كيف يرجعون الى الاصول والقواعد ومراعاة المصالح ولا يقنعون بنقل الاقوال دون أن يؤولوها بالنقد والمناقشة
ويدلنا التاريخ القريب أن بعض رجال الدولة وجدوا عندما اتجهوا الي اصلاح الحالة السياسية أو العلمية أو الاجتماعية فقهاء يدركون مقتضيات العصر ، ويعرفون كيف تسعها أصول الشريعة بحق فكانوا يعقدون منهم بعض لجانهم ويستنيرون بآرائهم مثل أساتذتنا الشيخ عمر بن الشيخ والشخ سالم ابي حاجب والشبخ مصطفى رضوان " ( 12 ) وليس لى ازاء هذه البسطة التى اوردتها الا ان اقف قليلا أمام الظروف التى حاطت بالبلاد التونسية فى مطلع هذا القرن وكيف ان بعض الشيوخ ارتدوا عن المبادى السامية الحنيفة حفاظا على مكاسبهم ومراتبهم ووقفوا حجر عثرة فى طريق كل مصلح مفكر . الم يكن الشيخ محمد النخلى ورفيقه سعد السطيفى من الرائدين المجتهدين لكنهما وجدا المعارضة وقطع السبيل ويعرف بهما الحداد حين حديثه عن الاجتهاد وحال العلوم بجامع الزيتونة فى عهده قائلا
" غير انهم ( الشيوخ ) ويا للاسف قد جروا على خلاف ذلك فأيدوا الروح الموروث عن شيوخهم وحرموا رائحة التفكير المستقل فى عامة العلوم وأغروا تلاميذهم بالتشنيع على من يتظاهر من الشيوخ بشئ من الرأى المخالف للمألوف بالمعهد حتى ولو كان موافقا لرأى قديم اختاره بعض العلماء السالفين فقد عاش المرحوم محمد النخلى جزءا من حياته بالمعهد وهو مطعون في عقيدته بما أضاع كثيرا من نشاطه فى الدروس وجعله يقرئ دروسه بعد كعمل ميكانيكى يفرضه عليه الوظيف وكذلك طعن على المرحوم الشيخ سعد السطيفى حتى مات مدحورا فى بيته المظلم الصغير بمدرسة النخلة حذو الجامع الاعظم . " ( 13 ) ومن هنا نربط الاسباب بالنتائج ونعود الى الطاهر الحداد هذا المصلح الداعى الى التفكير الحر واجتناب التقليد الاعمى وقد كان من تلاميذ الشيخ النخلى ، والشيخ سعد السطيفي والمجاهد المصلح عبد الحميد بن باديس ، فهل وجد الارض خصب مؤهلة لافكاره وآرائه . كلا ، وما موقف الشيوخ منه وموقفه منهم الا اكبر دليل على ما عانى وقاسى من تعنتهم وتحجرهم وعدم رضاهم بالصبح الواضح والفجر الوضاء وكثيرة هي تلك القصائد التى حوت العديد من المواقف التى وقفها الحداد ضدهم وضد صنيعهم وجمودهم :
وهذا الجمود لديهم فخار
يعد له النشء منذ الفطام ( 14 )
ويقول :
نحن شبان عصرنا ما لقينا
العيش الا فى ساحة البهتان ( 15 )
ويقول فى مجموع الشيوخ :
قد انلناهم الذى طلبوه
أفهل كان غير ذل وفقر ( 16 )
وغير هذه الابيات كثير مما يضيق به مكان هذا الموضوع .
اذن لقد جاهد الحداد بالفكر والقلم من اجل توضيح معالم الطريق امام الناشئة كى تدرك أن أسباب الرقي والاصلاح لا تكون الا باعمال الفكر وتحكيم العقل ونبذ كل ما هو غير مفيد وغير متماش مع مصلحة المجموع كل ذلك والدين رائده ، هدفه وغايته .
وانظر معي قول الحداد :
وقد رأيت بعين اليقين أن الاسلام برئ من تهمة تعطيله الاصلاح ، بل هو دينه القويم ومنبعه الذي لا ينضب ، وما كان انهيار صرحنا الا من أوهام اعتقدناها وعادات مهلكة وفظيعة حكمناها فى رقابنا " . . " امرأتنا " ص 4
وقوله :
" ان القرآن لم يبوب لاحكامه بحسب الموضوع طبق الاصول النظرية فى تدوين المبادئ والكتب وبذلك كانت شريعته نتيجة ما فى الحياة من تطور لا أنها فصول وضعت من قبل لحمل الحياة على قبولها وهذا من أهم أسباب انتشاره المدهش في الزمن القريب . والى ان يقول : يجب أن نعتبر الفرق الكبير البين بين ما أتى به الاسلام وجاء من أجله وهو جوهره ومعناه فيبقى خالدا بخلوده كعقيدة التوحيد ومكارم الاخلاق واقامة قسطاس العدل والمساواة بين الناس ، وما هو في معنى هذه الاصول ، وبين ما وجده من الاحوال العارضة للبشرية والنفسيات الراسخة فى الجاهلية قبله دون أن تكون غرضا من أغراضه ، فما يضع لها من الاحكام اقرارا لها او تعديلا فيها باق ما يقيت هى فاذا ما ذهبت ذهبت أحكامها معها وليس فى ذهابهما جميعا ما يضير الاسلام وذلك كمسائل العبيد والاماء وتعدد الزوجات ونحوها مما لا يمكن اعتباره حتى كجزء من الاسلام " امرأتنا ص 6 .
وتأمل قوله :
ان الحياة طويلة العمر جدا ، وبقدر ما فيها من الطول بقدر ما فيها من الاطوار المعبرة عن جوهر معناها واخص مميزاتها . ونحو عشرين سنة من حياة النبيء فى تأسيس الاسلام كفت بل أوجبت نسخ نصوص بنصوص وأحكام بأحكام اعتبارا لهذه السنة الازلية فكيف بنا إذا وقفنا بالاسلام الخالد امام الاجيال والقرون المتعاقبة بعد بلا انقطاع ونحن لا نتبدل ولا نتغير . . " امرأتنا ص 6 .
تلك هي شجاعة الحداد واصداعه برأيه ، وهذه قطرة من بحر من مواقفه الرائدة بدون جبن أو تخاذل كل ذلك من أجل مصلحة التونسيين خاصة والمسلمين عامة ، ولكم أتى بالحجة والدليل فى ثنايا كتابه " امرأتنا " وحتى كتابه " العمال " حين قاوم الزوايا وحمل عليها حملة شعواء وقد كانت تناصر المستعمر وتشد ازره وتتآلب على الشعب معه . راجع العمال ص 23 و 24 الطبعة الاولى
وعودة الى كتاب " امرأتنا " لنرى موقفه من التشريع والاجتهاد وفقهاء الاسلام عبر القرون .
" ان عامة فقهاء الاسلام من سائر القرون الا ما شذ يجنحون الى العمل باقوال من تقدمهم فى العصر ولو بمئات السنين ، ويحكمون بأحكامهم مهما تباينت أحوال المجتمعات الاسلامية باختلاف العصور وهم يميلون فى أخذ الاحكام الى تفهم ألفاظ النصوص وما تحتمل من معنى اكثر بكثير مما يميلون إلى معرفة أوجه انطباق تلك النصوص على حاجات العصر وما تقتضيه مصلحة المجتمع الحاضر الذي يعيشون فيه . وما ذلك الا لبعد الصلة بينهم وبين دراسة الاحوال الاجتماعية التى يحتازها المسلمون لمعرفة أوجة الاحكام الصالحة لحياتهم . وهذا الجهل الواضح هو الذي منعهم من الشعور بحاجة المسلمين فى تطور الحكم بتطور الحياة فيلجؤون الى تفهم روح الشريعة ومراميها المملوءة بكنوز الحياة والنجدة لمن يطلبها . على أنه لا ينكر اليوم وجود بعض من شيوخ العلم يدركون ما يلزم لحياتنا من تطور تحميه الشريعة ولا تاباه علينا غير أن هيبة الماضى المائلة في ذهنية أوساطهم قد جعلتهم يميلون عن الصراحة فى الحق مفضلين الانكماش كعاية رفقائه من الشيوخ تحقيقا لعيش هادىء يختارونه من هذا النحو . ولم يشذ عن
هؤلاء في تاريخ الاسلام الا افذاذ كان للحق صولة على قلوبهم فزلزل منها روح المدار السائدة فى أوساطهم وهم على اختلاف مراتبهم فى القرب من الحق والصراحة فيه لا يمثلون فى العالم الاسلام التائه المغرور الا أصوات ضائعة كما تضيع أصوات التائهين فى أعماق الصحراء . فكان مجموع هذه الاحوال الآتية من تاريخنا مصدرا هائلا لجمود الفقه والقضاء فى الاسلام والقول بانتهاء أمد الاجتهاد فيهما وبذلك حكمنا على مواهبنا بالعقم وانفسنا بالموت وعلى من يحاول منا علاج هذه الحالة أنه مفسد يحاول حرب الاسلام ونقض الشريعة وبذلك مكنا أعداء الاسلام من الطعن فيه ، وابناءه المحبين للحياة من الخروج عليه وهو حالنا اليوم . فيا لنا من امة هلكت بجهلها وجمود علمائها وخداع أشرارها . ويا لله للاسلام الغريب المجهول بين المسلمين " ( 17 ) .
ان الحديث يطول عن هذه العقبات والعراقيل التى وجدها الحداد في حياته حين أراد مواجهة الحقيقة الناصعة والواقع المر المؤلم ، حين أراد الاصلاح وتقويض ما لا يفيد ، والاغيار لا ينصتون بل يرمون بأقذع الشتائم وفاسد القول المنكر وهو فى كل ذلك صامد مؤمن ، يعطى من ذاته فى سبيل ايمانه وتفكيره ألم يقل فى احدى خواطره " التفكير بدء الحياة ولكننا نضع فى وجهه سلاح التكفير لنثير عليه الشعب فمن أين نبدأ الحياة التى نطلبها للشعب " ( 18 ) .
وقوله :
" كل الانظمة التى عرفها الانسان مهما كانت قوية قد هاجمها الفساد عاجلا أو آجللا ، والانسان الأناني أسرع من طبيعة الحياة عامة الى بذر هذا الفساد فى الانظمة الصالحة حتى يصير نفاقا اجتماعيا يجرى عليه عرف الناس في ظاهر امورهم وحتى الشرائع السماوية التى تنتسب لله لم تسلم من هذا الشر المبيد لان حماتها من الشيوخ والقسوس والاحبار والكهنة هم الذين يسبقون غيرهم الى ذلك الزاما للناس بآثامهم الشخصية المحتجبة بسلطانها
الديني عليهم ، وكم يشقى الناس من الناس ويحسبون شقوتهم على الاقدار الالهية فيسلمون انفسهم اليها فى غيبوبة من الالم والحسرة " ( 19 )
أما حقيقة الاسلام عنده فهي :
ثورة على القديم ، ونداء للتحرر من تقليد الآباء والاجداد ، وبعث لحياة التجديد والتوليد ، ولكن المسلمين هم الذين حولوه بتقديس اسلافهم واحتقار انفسهم الى سد يفصل بينهم وبين الحياة . " ( 20 )
وتأمل معى فى نظرته الى العلم قوله :
العلم قوة تفتح مغالق الغيب لتذلل الطبيعة للانسان فى حسها ومعناها فينتج رزقه وهناءه بسعى ظافر ، ولكن العاجزين يحفظون دروسهم من الكتب ليعيشوا بين حيطان الدواوين عالة على المنتجين ويحبون ان يسودوا عليهم بذلك ، وهذا منتهى الشر الذى يصيب الشعوب المتأخرة " 21 "
وقوله فى خاطرة أخرى :
لقد الهبنا مشاعرنا الدينية والوطنية حتى لتكاد تحترق فى اللهيب المتفجر من شعورنا بالخيبه دون ان نضع من صروح آمالنا قدر حبة فى بناء حياتنا السائخه فى الهاوية كما تسوخ الجبال فى بطن الارض ، والسبب في ذلك أننا لم نسمح حتى الان لعقولنا ان تنطلق من سجنها لتفكر فى رسم طريق الخلاص والفوز ، فنحن احباب عواطفنا وأعداء عقولنا ، نحب الجنة ونبغض الطرق المؤديه اليها ، ولا شئ يضعنا فى هذه الخيبة غير الاغلال الخفية التى يغلنا بها ماضينا المحبوب بما فى المحبة من جهل وتقديس " ( 22 ) .
واذا ما احتدت المعركة وعظم لهيبها ، واذا ما اوصد القوم الابواب في وجه الحداد وغروه يجيب عن ذلك بترك جوابهم مباشرة لانهم لا يريدون ان يسمعوا له ولكنه يناجى الله بصلاة تعبر عن ايمانه القوى بالله وشكواه اليه وحده الاحد :
أيا غائبا عن ناظرى بعيدا
لأنت بقلبي قد سكنت وحيد
ومحبة الله عنده هي السعادة المطلقة :
أناجى بك الاشواق وهي تهزنى
اليك فأحيا فى هواك سعيد
والعذاب فى الله سلوان ونعيم دائم مقيم
وما هذه الغارات ( يقصد الحملة ) تغزو جوانبي
سوى شعل تذكى اللهيب شديدا
فأنت سنى روحى وأنت يقينها
وخمرة انسي اذ بقيت وحيدا
عذابي وبؤسى فى سبيلك جنة
أغنى بها شعري اليك نشيدا
وهو يرى الله فى آثار قوته وجلال صنعه وبديع حكمه وسحر ملكوته وفى تجديد الحياة على قدمها :
سألت ورود الروض عنك فأطرقت
وغابات سرو فانحنين سجودا
وشم جبال بالسماء تعلقت
وعقد نجوم بات فيها سهيدا
وعمق بحار ضح فيك ضجيجها
كما رن سجع الطير فيك نضيدا
رأى منك هذا الكون صبوة نفسه
فأغرق فى الذكرى وهام شريدا
جمال وسحر فى جلال وروعة
تصوغ من الكون القديم جديدا
كما يرى الله فى بهجة النفس وحين تدلهم الامور ويراه أيضا فى جمال القمر الذى تتلألأ أشعته على البحر كانه نضار سائل على الفضة البيضاء ، كقلبه الذي ذاب مستشهدا في الله :
أراك مع الفجر الضحوك يسرني
كما كنت لى فى الداجيات عميدا
أراك مع البحر الغضوب مزمجرا
كما كنت في الارواح أصلب عودا
أراك بقلب البحر يعطي جواهرا
كما كنت في الأرواح أوسع جودا
أراك مع البدر المضاحك أبحرا
يقبلها وجدا ويكرم جيدا
على الفضة البيضاء سال نضاره
يرف كقلب ذاب فيك شهيدا ( 23 )
والحداد هنا يذكر استشهاده صراحة فهو يحس بأنه شهيد في قومه ويحتسب شهادته لله ويقبلها شاكرا خالق الاكوان على منته العظيمة ، أو لم يتمتع فى هذه الحياة بالفجر الضحوك الذى ادخل عليه المسرة والحبور ورأى من خلاله ابداع صنع الله ، أو لم يثبت الله قلبه يوم المحبة فلم يضعف امام مناوئيه ، أو لم يخلق الله فى البحر الغضب وجعل فى ارواح الناس ما هو أعظم من غضب البحر - أو لم يكن البحر يعطي جواهره كبعض من كرم الله ، وما كانت الارواح فيما من الله عليها من المواهب والاخلاق دون البحر فيما تلقى من كرم الله . وأى منة أعظم من المواهب والأخلاق :
وتلك كانت لذائذ الحياة عند الحداد ، جمال الكون الدال على الله وقوة الخلق والابداع ، واكبر منة عليه من العزيز الحكيم سمو روحه ومواهبه ونباهته ، وهو ما يرتضى الشهادة من اجله ، الشهادة فى الله
ألم تكن المعركة معركة ايمان ومجابهة التحديات الواهية بالحجة والدليل والاستقراء والاستنتاج
ألم تكن مواقفه شاهدة على ذلك من حين واجه الخصوم والناكرين للفضل الجاحدين القانعين الجامدين الباحثين عن المصالح والشهوات العابرة وانظر فى قوله لهم :
" قد خلقنا في الاسلام سواء . التهويل لا ينفعكم والتظاهر بالحماس أمام عموم الامة لا يروج طويلا حتى ينكشف واذا كنت قد اثبت فى الكتاب ( كتاب امرأتنا ) من آراء ما هو مستجد وغير معروف من قبل ، فالاسلام كنز لا يفنى وبحر لا يحيط به الانسان ولا القرون ولا الاحقاب وانما يغترف الناس منه فى كل عصر ما يفى بحاجتهم ويروى غلتهم ، وهذا سر خلوده ومصدر فيضه العميم . " ( 24 )
ألم يقل قولته ويقف الموقف النهائى الصريح
" يكفي أخيرا لانني مؤمن بصدق عقيدتى فى الاسلام وانه دين الانسانية الخالد ، لا على نحو ما يفهمه او يتظاهر به هؤلاء القوم ولكن طبق حاجة العصر ومصلحة الامة ، واذا كان ضميرى مرتاحا لا اثر فيه للتكلف ، فانى ساظل مرتاحا وصابرا فى كل ما ينتابني من اضطهاد ينال امثالي . . " ( 25 )
ولوصل الماضى بالحاضر لنا ان نشير فى الآخر الى موقف الدكتور مصطفى أحمد الزرقاء وهو من الداعين الاول لتكوين مجمع للفقه الاسلامي
كى يكون الاجتهاد فى صورة اجتهاد جماعى ويحدد اطار هذا المجمع بقوله نريد بمجمع الفقه الاسلامي ان تكون للدراسات والبحوث الفقهية ، وتقنين الفقه والتقنين منه ، والاجتهاد المطلق فى وجه الحوادث والقضايا الاعتقادية : والاجتماعية والاقتصادية ، مؤسسة علمية تتألف من كبار فقهاء العالم الاسلامى الراسخين ذوى البصيرة الزمنية ، على طريقة المجامع اللغوية اليوم ، للنهوض بهذه المهمات العلمية الاسلامية الواجبة الجسيمة ، ولتقريب الحلول والاحكام الفقهية الشرعية فيما يعرض من مشكلات العصر للمجتمع الاسلامى فى هذه الميادين وبعد ان أورد أمثلة من هذه المشكلات العصرية يشير الى ان الدائرة القانونية فى جامعة الدول العربية قد ألفت لجنة من الخبراء القانونيين والشرعيين الفقهاء من البلاد العربية لوضع هذا المشروع العظيم للقانون المدنى الموحد المنشود ، وباشرت اللجنة عملها ثم استأنف أخيرا بعد انتقال الجامعة العربية الى تونس . كما الفت لجنة عامة تمثل الدول الاعضاء فى الجامعة لترفع اليها اعمال لجنة الخبراء تباعا فى دورات منتظمة لكل من اللجنتين الخاصة والعامة " ( 26 )
اذن ما كان هذا السعى وهذه البادرة الا من اجل خدمة الفقه الاسلامي كي يكون موفيا بالحاجات الزمنية المستجدة الجديدة - وما اكثرها - بالنسبة للانسان المسلم العربى وبذلك نحقق الذات والجوهر ونرجع الى المنبع الثرى الاوحد أعني الاسلام فى اسمى معانيه واقوم تعاليمه العظيمة الخالدة ، وبذلك يغيب عنا شبح التردد والتناقض والسير في طريق السلبيات بلا غاية أو هدف . وهذا ما خشى منه الحداد فناضل من أجل الاسلام واستشهد فى سبيله .
ولنا ان نلاحظ بأن أفكار هذا المصلح الرائد قد وافقت اتجاه الرئيس الحبيب بورقيبه ومنهجة فى الاصلاح الاجتماعى وما الاحياء المتواصل لذكرى الحداد الا اعتراف بجميل الصنيع وحميد الفعل والعمل ، وما صدور مجلة الاحوال الشخصية الا عربون وفاء ووفاق واتفاق فى الرأي والمنهج وما زال باعثها جادا لفتح الطريق وانارة السبيل وفى موقفه خير موعظة وعبرة حين
وجه بيانه للعالم الاسلامي عبر أمواج الاثير بتاريخ 22 ماي 1961 بمناسبة عيد الاضحى وقد ركز آراءه على استخلاص العبر من التاريخ والتفكير فيما يفيد
" . اننا لنتطلع اليوم فى صلواتنا ومناصلواتنا ومناسكنا راجين من الله ان يبعث فى العالم الاسلامي هبة يعود بها الى محاسبة نفسه فيسألها عن مدى تعلقها بحقيقة الدين وتفهمها لمعانيه القدسية الخالدة ، ولا مندوحة له من ان يتساءل وراء ذلك عن العزة التى كتبها الله له والنعمة التى شمله بها . فلو ان القلوب أشربت هذه المعانى والافئدة استنارت بأنوار تلك المحاسبة لما مزق العالم الاسلامى كل ممزق ولما انتشر الاستعمار فى أطرافه بعد ان كتب الله العزة لله ولرسوله وللمؤمنين . فآية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " لا بد للمسلمين ان يستمدوا منها ما توحيه من تعاليم وتشير اليه من أحكام ليظلوا أعزاء مكرمين فان النعمة التى أفرغها الله على عباده المتقين من مكانة وسيادة وعزة ومجد ونصر وسلطان لا بقاء لها الا بفهم حقائق الدين الاسلامي والتضلع فى اسرار دعوته وفي هذا ما يهيب بنا جميعا الى حسن تصور غايات النهضة الاسلامية والعمل المتواصل فى سبيل تحقيقها .
أخيرا فليببق الحداد فى مهجنا وارواحنا مثالا للفكر النير والتضحية فى سبيل مبادئ الاسلام الخالدة ، وقد كرس حياته دفاعا عنها ودفاعا عن الوطن السليب والشعب المضام ودفاعا عن الحق في كل مكان وزمان والله أكبر كبيرا ولا حول و ولا قوة الا به " .
قل كل منربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوى ومن اهتدى " . صدق الله العظيم . ( سورة طه . الآية 135 ) .

