الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

فى الشعر التونسى، - ماضيه وحاضره -

Share

شاعت فى عهود الانحطاط الادبى ، فى كافة الاقطار العربية ، ضروب من الشعر - أو من النظم على الاصح - تدور حول : المديح والهجاء والفخر والنسيب وما إليها ، يصرف فيها اصحابها كل اهتمامهم الى الاستعارات والجناس والتلاعب بالالفاظ وتضمين التواريخ وما شاكل ذلك من سخيف القشور البلاغية والبهرج اللفظى اللامجدى .... ولو مضينا نضرب لذلك الامثلة لبعدنا عن الغرض ولضاق المجال .

وقد أخذت بوادر نهضة أدبية تطلع فى سماء الادب العربى منذ القرن الماضى ، وعملت على ذلك شتى العوامل ، التى يطول حصرها ويصعب تعليل كل عامل منها على حدة فى هذا العرض السريع .

ولعل ظهور بعض الشخصيات الادبية الممتازة فى كثير من الاقطار العربية كان من أهم العوامل على الرقى بالادب العربى من وهدة عصور الانحطاط ومن العجيب أن تتشابه بعض الشخصيات فى كثير من البلاد العربية فى مجال التجديد والبعث

ففى مصر ظهر محمود سامى البارودى فسما بالشعر عن تفاهات شعراء تلك العهود ، وتحرر من تلك المواضيع التقليدية البائدة ومن تلك الاساليب الركيكة الهزيلة ، بفضل تمرسه بالشعر العربى فى عهود ازدهاره منذ الجاهلية الى العهدين العباسيين الاول والثانى على الاخص بالاضافة الى شعر اعلام الشعراء فى بعض العهود الاخرى ...

فصاغ على منوال الاصيلين منهم شعرا أصيلا صادقا متينا تجرى فى عروقه دماء الشباب والحياة وروح العصر المتجدد المتدفق ، فاخذ يعارض قصائد أبي فراس الحمداني والبوصيرى وغيرهما من الفحول .... فجاء بشعر أصيل متين جديد حى .

وفى تونس ظهر شاعر يشبه ، فى رسالته على الاخص ، البارودى الذى ظهر فى مصر ، هذا الشاعر هو محمود قابادو الذى تشبع بشعر عهود الازدهار الادبى وارتوى من تلك المنابع التى ارتوى من معينها البارودى فجدد كما جدد زميله المصرى وكسا مواضيعه المعاصرة أثوابا زاهية تحاكى تلك التى كان ينسجها البحترى وأبو تمام وبديع الزمان الهمذانى وأضرابهم ... ومن اشهر اعماله فى هذا المضمار ( تشطيره ) لرائية البديع المنسوبة الى بشر ابن عوانه :

أفاطم لو شهدت ببطن خبت ........................

وان كان التشطير فى حد ذاته من مخلفات عهود الانحطاط ..

وواصل رسالة البارودى فى مصر شاعر آخر كان حريا بأن يلقب بأمير الشعراء ، لما قام به من جليل الخدمات فى ميدان الادب العربي ، عنبت احمد شوقى الذى سار على نفس المنهاج الذى سار عليه البارودى ابا نواس ، فى باثيته ، والبحترى فى سينيته ، وابا تمام فى باثيته الشهيرة ، والبوصيري فى بردته الميمية والحصرى فى داليته وبعض الاندلسيين فى موشحاتهم .

فقطع بذلك خطوات شاسعة بالشعر العربى المعاصر وبث فى تلك القوالب القديمة روحا جديدا حيا نابضا ، بحكم ما له من ثقافة عصرية فضلا عن تضلعه فى الآداب العربية .

وكان لنا فى تونس شاعر شاءت له الظروف أن يقرن بشوقى وان ينادى به اميرا للشعراء فى تونس كما نودى فى مصر بشوقي أميرا للشعراء ، وهذا الشاعر هو محمد الشاذلي خزندار الذى حاول أن يتشبه بشوقي ، وتشاء الصدف ان تجمع بين الشاعرين فى صفات متشابهات وأحداث جرت في حياة كل من الشاعرين جمعت بينهما رغم بعد الشقة ...

فمن المصادفة أن يكون شوقى وخزنه دار كلاهما يرجع فى نسبه الى اصول غير عربية ، ومن المصادفة أيضا أن كلا من شوقي وخزنه دار قد ترعرع فى قصور الملوك : الاول فى قصور ملوك مصر المطرودين والثانى فى قصور ملوك تونس المخلوعين ، وكما أن شوقى قد نفى الى اسبانيا لاسباب سياسية كذلك سجن خزنه دار لاسباب سياسية أيضا .... وكما بويع شوقي

بامارة الشعر فى مصر بويع خزنه دار بامارة الشعر فى تونس ... وكما أن شوقي عارض قصائد كثير من فحول الشعراء عارض خزنه دار بائية ابى نواس وشطر بردة البوصيرى وقلد بعض الموشحات .

تلك ملامح متشابهة فى حياة الشاعرين كان لها اثر فى شعر كليهما ... ولكن شتان بين شوقى العملاق وبين خزنه دار ...

لم يكن شوقى وحيدا فى دنيا الشعر بمصر بل واكبته جماعة كبيرة لا تقل عنه تجديدا وخلقا ولكنى أخذته كنموذج لمقارنته بخزنه دار ولم يكن خزنه دار كذلك الشاعر الوحيد في الثلث الاول من هذا القرن بتونس بل عاصرته فئة من الشعراء التونسيين

وشتان كذلك بين معاصرى شوقى ومواطنيه من الشعراء وبين معاصرى خزنه دار ومواطنيه من الناظمين .

فنحن لا نكاد نجد شاعرا ممن عاصر خزنه دار يتمتع بحظ من الثقافة العالية . فثقافتهم لا تتجاوز الإطلاع على بعض كتب تاريخ الادب وحفظ نماذج من الشعر القديم ترجع الى عهود الانحطاط على اكثر تقدير ، فتكون لديهم مخزون أدبي في اللا شعور ، هو ما انطبع فى أذهانهم من نماذج واساليب وتراكيب وألفاظ تقليدية لم يدركووها ادراكا صحيحا بل حفظوها دون فهم كتلك الجمل الشائعة فى اشعارهم من امثال : نار الغضى وواحر قلباه ، وغصن النقا ، واحر من الجمر وعيون المها وجيد الريم ، وخرط القتاد ، وقد غصن البان ، وسهام الجفون وما اليها من التراكيب التقليدية ... رغم انهم لا يعرفون الغضى ولا القتاد ولا المها ولا الريم ولا البان ولا السهام ولا شيئا من تلك الاشياء التى يذكرونها فى شعرهم .

هؤلاء الشعراء لا يصدرون عن احساس شخصي بالاشياء ، بل يجترون جمل القدماء وتراكيبهم دون شعور بسر تلك الجمل والتراكيب .

ويؤكد لي هذا الرأى ما نجد لديهم من اسماء لاسلحة قديمة كان القدماء يستعملونها فى حروبهم فأشار اليها شعراؤهم في اشعارهم مجاراة لعصرهم وللواقع فكانوا صادقين . ولكن ثقافة شعرائنا- فى الثلث الاول من هذا القرن - كانت ثقافة سمعية تعتمد على حفظ

نماذج من الشعر القديم بأساليبها العتيقة فأخذت تقلدها وتجعل المحاربين فى الحرب الكونية الاولى - وحتى في الحرب الكونية الثانية - يتضاربون بالسيوف والرماح والنصال التى لم يرها شعراؤنا فى حياتهم الا في المتاحف وفي الصور ولم يستعملها أولئك المحاربون فى حروبهم ولن يستعملها الا الممثلون حين يقلدون حروب الماضين .

كذلك جعل واحد منهم مصطفى كمال يستعمل تلك الاسلحة البائدة في حروبهم فقال احدهم :

لك الفخر المؤبد يا ( كمال )  مدى الازمان تبرزه ( النصال )

(الا يا منقذ الوطن المفدى )               بمثلكم لقد سعد الرجال

فاحيا (سيفكم) شرفا عظيما              لقد اودي به داء عضال

وقال ابراهيم بن شعبان في موضوع آخر :

رعود وبرق ما ارى ؟ ام مدافع ؟     (وسيف) على وجه البسيطة لامع

ولعل المرحوم ابا الحسن بن شعبان قد لاحظ هذا الخطأ في استعمال السيوف فى عصر المدافع ... فحاول ان يصف (الحرب الكبرى ) الاولى بأسلحتها العصرية فكان مضحكا اذ قال :

ورأينا ( قنابلا ) تملأ الارض فشقت مرائرا وقلوبا

وراينا الجنود صفت صفوفا     وغدا (المتريوز) فيهم خطيبا

وبالاضافة الى ذلك فشعراء الثلث الاول من القرن الحالي في شعرهم الذي كتبوه في تلك الفترة - ولوعون بتقليد اساليب عهود الانحطاط ويتبين هذا فى شعرهم اذ يكثرون من اقتباس معاني القدماء وتضمين او تنزيل بعض ابيات او اشطر من الشعر القديم او آيات قرانية فى قصائدهم ، وقد يفرض عليهم هذا العمل البحر والقافية اللذين كتب عليهما البيت المراد تضمينه ومن امثلة ذلك قول خزنه دار :

واصدع بحقك في الاباة ولا تقل  (ان البلاء موكل بالمنطق)

وقول مصطفى آغا :

فقلت ملحنا بيتا لقيس          وقد ضمت ظبيتنا أباها - :

(بربك هل ضمنت اليك ليلى     قبيل الصبح او قبلت فاها ) ؟

وقول ابى الحسن بن شعبان في عصا ضيعها :

واقول فيك لمن اتانى عاذلا  ( ما الحب الا للحبيب الاول )

وقول ابن شعبان أيضا :

فهوى الى الترب المخضب بالدما  ( مترنحا كترنح النشوان )

وقول حسين الجزيرى :

هم يحسدوني على سجني فوا أسفي  حتى على السجن لا اخلو من الحسد

والبيت ينسب لزيد بن معاوية ولم يغير منه الاكلمة الموت التى عوضها بكلمة السجن ومن امثلة اقتباس الالفاظ والمعاني قول سالم الاكودى :

وليل حالك الجلباب ارخى         سدولا داجيات من ظلام

فهو تضمين لقول امرؤ القيس :

وليل كموج البحر ارخى سدوله   علي بانواع الهموم ليبتلي

وقول سالم الاكودى فى نفس القصيدة :

( يكاد البرق يخطف نور عينى )   وتنذرني الصواعق بالزؤام

فصدر البيت تنزيل للآية القرآنية : (يكاد البرق يخطف ابصارهم .... ) ولا أحب ان اطنب فى اظهار ولوعهم بتضمين واقتباس اقوال المتقدمين ، وهذه الظاهرة من مظاهر عهود التخلف الادبي وتؤكد الفكرة التى ذهبت إليها آنفا وهي ان ثقافة هؤلاء ثقافة سمعية تعتمد على تقليد محفوظاتهم واجترار معانى القدماء .

واحب ان أؤكد هذا الرأى بهذه النماذج القليلة من الجناس البارد المتكلف الذى يبعد الشاعر والقارىء عن الاحساس العميق ويجعله يعتنى بالقشور والظواهر ،

يقول اميرهم فى ( دقة ) الاثرية .

نطقت بدقة صانعيها ( دقة )     رغم امتداد الدهر والاهمال

ويقول مصطفى آغا :

( وقارب ) ( قارب ) جسرا مقلا           كواعب كالازاهر في نداها

أيحمل رب هذا الفلك مستأ (١)           سرا بلقيس من سبأ سباها  

طمعت بجولة فرضت ولكن               ( أباها ) بالاشارة قد ( أباها ) (٢)

( فجارية ) الى الميناء تجرى                 (وجارية) لقاء صب مناها

ولا احب ان اعلق على هذه الجناسات المتكلفة باكثر مما علقت واخيرا أؤكد فكرتى السابقة بهذه ( التوريات ) المصنوعة الباهته لآغا :

ففؤادى وخليلى ودمو                     عي حكت في (النحو ) بعض الصور

( كان ) قلبي وحبي ( اسم ) لها           ودموعي (خبر ) عن كدرى

والذى فاجأنا ( ان ) فاختفى ا            لا ولان مع بقاء الخبر (؟)

ولست ادرى كيف يقرأ البيت الاخير ولا كيف يفسر

ولعل القارىء يتعجب اذا قلت له : ان هؤلاء الشعراء - الذين اشتهروا فى الثلث الاول من القرن الحالى - لم يجيدوا حتى مجرد تقليد القدماء تقليدا محكما ، اذ لا يكاد يخلو شعر اى واحد منهم تقريبا - بما فيهم اميرهم خزنه دار - من اخطاء لغوية او عروضية او معنوية ...

وبين يدى الا ان كتاب ( الادب التونسى فى القرن الرابع عشر ه الذي جمعه زين العابدين السنوسى وطبع الجزء الاول منه سنة 1927 وطبع الجزء الثاني فى السنة الموالية ، واكثر المدرجين فى هذه المجموعة يمثلون الادب التونسي في رأى كثير من المثقفين والمسؤولين فى

تونس - أو فى رأى انفسهم على الاقل - ولكن شعرهم فى هذه المجموعة بسيط لا يرقى الى مرتبة الشعر الحق ومعظمه سطحي . تافه لا يخلو من أخطاء لغوية وعروضية ونحوية ... بالاضافة الى سطحية التفكير والمعاني ... وهلهلة التراكيب... والى القارىء بعض النماذج : (يقول ابو الحسن ابن شعبان) :

ويصفو العيش مما حل من كدر        كما صفت من فنون الزور نفس تقي

فالقصيدة على بحر البسيط :( مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن ) ولا يكون صدر هذا البيت موزونا الا اذا جعلنا الهمزة قطعية فى (العيش) وهو خطأ شنيع . ويقول :

ولست آسف عن عام تصرم (لم يبق ) لذي رمق في الناس من رمق ولا يستقيم وزن عجز البيت الا بابقاء الياء فى (يبقى) التي يجب حذفها لان حذفها علامة جزم المضارع .

ويقول ( نفس الشاعر ) في قصيد على بحر الكامل ( متفاعلن متفاعلن متفاعلن ) " ماذا كتمت من الحوادث ما الذى سيكون انى اراك سرا مغلقا "

وعجز هذا البيت غير موزون تماما فهو هكذا : (مفاعلتن فاعلن فعولن فاعلن) وليس فى بحور الشعر شىء من هذا القبيل . فهو( سر مغلق ) كما قال . الوزن يستقيم اذا حذفنا ياء المتكلم من (اني) وهذا خطأ .

ويقول

فتخل (ى) عن اعماله متحيرا            في ذلك الامر الذى لايتقى

سارت بنا الايام سيرتها ولم               ندرى انقصد مغربا ام مشرقا

والوزن لا يستقيم الا بحذف حرف العلة من (تخلى) بدون موجب من البيت الاول .

وفى البيت الثاني اثبت حرف العله - للوزن - ( في لم ندري ) في حين كان يجب عليه ان يحذفه كما يقضي النحو .

وهذه الغلطة شائعة فى اكثر اشعار هذه المجموعة فهذا حسين الجزيري يقول :

لكن سلوى بعدل سوف يسطع اذ   انت البرئ ولم تجن على أحد

فالوزن لا يستقيم الا هكذا (لم تجنى) بابقاء حرف العلة . وهذا المرحوم سعيد ابو بكر يقول :

واستعذبي نوحهم الا اذا ارتدعوا     وباركوا الحيوان (1) اى تبريك

مدى الاوادم بالاسعاف واسعى (2) الى    نحو الاولى فت فيهم حول ناديك

فالوزن لا يستقيم في هذه الابيات الا هكذا : (1) (الحيوان) بالمد ؟ - (2) (واسع الى) والأمر للمؤنثة لا للمذكر - ويقول سعيد :

ليس في الواشي والرقيب رجاء الخير ما دام فى النفوس خساسه والبيت لا يستقيم وزنا الا بحذف الياء من الواشى وهو غير جائز . واكتفي بهذا القدر من الاخطاء الشائعة اذ ليس هنا مجال حصرها .

راينا ان شعر الثلث الاول من القرن الحالى لم يكن خصبا ولم تسر في عروقه دماء الحياة ولم يعمل اصحابه على تجديده لمجاراة روح العصر ، وان كانت بوادر التجديد الحق اخذت تلوح - غير متبلورة تماما - على ايدى جماعة من المجددين الشبان ، وهم : سعيد أبو بكر وعبد الرزاق كرباكة وابو القاسم الشابى ومصطفى خريف ومحمود بورقيبة ،

ومساهمة هؤلاء في تجديد الادب تتفاوت كما وكيفا لاسباب كثيرة ، منها ان بعض هؤلاء المجددين ضعيف التكوين وبعضهم كان في أول الطريق - آنذاك - ولم تظهر شخصيته ولم تتضح لديه معالم الرسالة التي يقوم بها نظرا الى انهم كانوا الرواد الاول للتجديد

بتونس ، اضف الى ذلك صغر سنهم عند صدور تلك المجموعة التي قام بجمعها زين العابدين السنوسى والتى تعطينا نموذجا صادقا لمحاولاتهم التجديدية التى تعتبر خطوة لا باس بها فى ذلك الوقت .

والى القارىء هذا الجدول بأسماء وسنوات ميلادهم واعمارهم عند صدور كتاب السنوسى والمجلد الذى ظهر فيه شعرهم لأول مرة في تلك الايام مجموعا :

ليتأكد من انهم لم يكونوا قادرين على اكثر من ذلك

الشعراء سعيد ابو بكر................. عبد الرزاق كرباكة............. ابو القاسم الشابي.............. مصطفى خريف............... محمود بورقيبة................

سنة ميلاده 1899 1904 1909 1909 1910

عمره عند صدور كتاب السنوسي 28 سنة 24 سنة 19 سنة 20 سنة 18 سنة

المجلد الذى ظهر فيه شعره 1 2 1 2 2

تجديد سعيد ابو بكر :

ونصيب سعيد من التجديد بالنسبة لهؤلاء الشبان آنذاك قليل لا يكاد يتجاوز تقليد نماذج من شعر المجددين فى المهجر والمشرق ولعل تقليده لقصيدة (النهر المتجمد) لميخائيل نعيمة خير مثال على تجديده وتقليده ، والى القارىء شئ من قصيدته (الغصن المجرد) (؟) :

مالى اراك مجردا من حلة الورق النضير

تبدو عليك كابة العارى لدى ثوب الحرير

مالي اراك معطلا من زهرة مثل العروس

كانت تزيدك رونقا عند التلاعب بالنفوس

عبث الشتا ظلما بما قد زوقته يد الربيع

حتى استحال الى الشناعة ذلك الحسن البديع

يا غصن كالمرآة أنت - وليتني ما شفتها (؟)

وعليك صورة عيشتى لو تدرى (؟) كم انا عفتها

لكن سيكسوك الربيع من الزهور اذا أتى

اما أنا - واحرقتى - فجميع ايام شتا ...

والخلاصة ان سعيدا حاول التجديد ولكن كانت تعوزه الشاعرية الحقة فقد كان اضعفهم شاعرية رغم انه كان اكبرهم سنا وقد ترك لنا ديوان السعيديات الذى لم يسم فيه سموا كبيرا ولم يحلق به في سماء الشعر .

تجديد كرباكه :

واما كرباكه فقد كانت شاعريته تعد بفتح آفاق جديدة الا ان الحياة الأدبية في تونس - فى ايامه - لم تمكنه من ارتباد هذه الآفاق .. وقد مات ولم ينشر مجموعة شعرية يرجع لها الباحث للقرار رأيه فيها وفي صاحبها وان كانت قصائده القليلة التى بين ايدينا تدلنا على انه ساهم في التجديد بقسط محدود لكنه لا يجحد .

تجديد الشابى :

واما الشابي فقد كان لاتصاله بمجلة ابولو وبصاحبها ابى شادي ولا طلاعه على انتاج الشعراء والكتاب المهجربين امثال جبران ونعيمة وغيرهما اثر محمود في تفتحه على دنيا جديدة لم يعرفها في الادب القديم ولم يعرفها المتزمتون المحافظون الناقمون على التحديد .

وفد اخذ في اول حياته يقلد الشعر العربي القديم تارة والشعر الحديث تارة اخرى ، وقصيدته (جدول الحب) تكاد تكون معارضة لمصيدة (النهر المتجمد) لنعيمه ، وقصيدته (ليلة عند الحبيب) تكاد تكون اقتباسا لقصيدة عمر بن ابى ربيعة الرائية :

امن آل نعم انت غاد فمبكر         غداة غد ام رائح فمهجر ؟

ففيها محاولة لكتابة موضوع قديم بأسلوب جديد واليك هذه القصيدة التي لم تنشر في ديوانه اغاني الحياة :

بعد ستة ابيات بمثابة المقدمة التى صنعها عمر لقصدته

يقول الشابى :

لست انسى ليلة حالكة               سربلت زرقاؤها بالسحب

لبست ثوب ظلام دامس              وسكون هائل ذى رهب

ليلة قد خضتها منفردا                 في دياجي جوف ذاك الغيهب

سار بي مهرى فيها عنقا               وزمانا سيره ذو خبب

عاديا بي متهما او منجدا              حاذفا نحر الفضا بالحصب

فعشوت النار في صدر الحمى          وحدها تخفق بين الحجب

فدخلت الحي والستر الدجى           وولجت الخدر والليل صبي

ورفعت الستر فافتر الدجى             عن جمال ساحر محتجب

فقضينا ليلة جادت بها                 راحة الدهر الضين القلب

تحت ظل الحب والليل الذي            ضمنا في كفه يسخر بي

هكذا ... حتى اذا روعنا               ذنب الصبح ، كذنب العقرب

قبلتني ولهيب الالم المر                   في مدمعها المنسكب

مثل طل ، فوق ورد ، ويلتي             من جرى طلعة ذاك الذنب (؟)

ثم قالت : يا حبيبي سر على            كلأ الرحمان ، في المنقلب

فتواعدنا ، وكل قلبه                     في جحيم مؤلم ملتهب

ففي القصيدة مهر وخيمة ، (ومتهم ومنجد) وجميع عناصر البداوة المتوفرة في قصيدة عمر ما عدا (العقدة) التى وفر بها عمر عنصرا من اهم عناصر القصة ،

ومهما يكن من امر فإن مساهمة الشابى فى تجديد الشعر وتطويره لا تجحد لكنها لا تتمثل فى تلك المختارات بل فى قصائده التى كتبها فيما بعد وراسل بها مجلة ابولو والتى ظهرت مجموعة فى ديوانه أغاني الحياة .

لعل محاضرته فى الخيال الشعرى عند العرب خير مقياس لمدى مساهمته فى البعث الادبى .

تجديد خريف :

واما مصطفي خريف - اطال الله بقاءه - ذلك الذى اوقف عمره لخدمة الادب التونسى لا ينفك يكتب ويوجه ويطلع على روائع الادب العالمي ، ولا ينفك يجود وينقح ويراجع شعره الذي كتبه منذ عهد الشباب لا يتسامح مع نفسه ولا يتسامح مع المتسامحين مع انفسهم لا يروقه الا الرائع الرائع ، اقول اما هذا الشاعر فقد كان أثره واضحا فى دنيا التجديد شكلا ومعنى منذ القصائد الاولى التى قدمها باحتشام في تلك المجموعة والى القارىء هذا النموذج مما نشر له عندما كان في التاسعة عشرة من سنية :

من انشودة الفجر

هو ذا الفجر فقومي يا طيور - غردى

انشدى انشودة الفجر النضير - انشدى

هو ذا البحر صحا من غفوته          ايقظته نسمات الغلس

وسمعنا هدرا في ضجته                  بعد ما كان ضعيف النفس

انها الامواج تروى للصخور            حلم الليل واحوال الغد ... (الخ)

ولعل ديوان الشعاع - الذى يعد نموذجا صغيرا لشعره - خير دليل ومثال على مساهمته في النهوض بالشعر التونسى من وهدة عصور الانحطاط وورثة هذه العصور ومقلديها شكلا ومعنى .

لقد سكت هذا الهزار عن الشدو او لعله ظل يشدو في خلواته دون ان يطرب الناس باغاريده ، وعلى اى حال ففي ما نعرف من شعره كفاية للتدليل على مساهمته الفعالة فى الخلق والتجديد والبعث .

تجديد محمود بورقيبة :

واما بورقيبة فقد كان فى الثامنة عشرة من عمره عندما نشر نبذة من شعره فى تلك المجموعة - وانا لا احب ان اتخذها نموذجا لشعره فهي بسيطة ساذجه مهلهلة لاسباب منها صغر سنه وعدم

وجود نماذج يحتذيها عند تجديده . ولعل مساهمته فى التجديد تتمثل فى الشعر الذى كتبه بعد ذلك واعتقد ان كثيرا من القراء لا يعرفون ان محمود بورقيبة قد انتخبه القراء كاحسن شاعر فى ذلك الوقت وقد فضل حتى على خزنه دار والشابي . . وغيرهما - وذلك فى استفتاء اجرته مجلة العالم الادبى للسنوسى .

وبما انه لم يمت منذ زمن بعيد فلا بد أن كثيرا من القراء ما زالوا يتذكرون شعره فى مجلة الثريا وفى الاذاعة التونسية وفي الجرائد ... ولنا امل فى صدور ديوانه قريبا لنتمكن من معرفة نصيبه من العمل فى حقل التجديد .

واستطيع القول : ان رسالة هؤلاء الجماعة (١) بتونس تشبه رسالة الدكتور احمد زكى ابى شادى وجماعته فى مصر ، غير أن ظروفنا غير ظروفهم ووسائلنا غير وسائلهم وثقافتنا غير ثقافتهم ولكنهم يتلاقون ويتشابهون فى العمل على تجديد الادب العربى وبعثه ونفض غبار العهود الماضية عنه .

بعد هذا العرض السريع للشعر التونسي منذ القرن الماضي الى اوائل الثلث الثانى من هذا القرن

أحب ان أقول كلمة في شعراء الثلث الثاني من هذا القرن الذى اجتمع فيه خليط من كافة العهود ، ففيه : بعض محبى ادب عهود الانحطاط وفيه بعض المتشبثين بالقديم القديم وفيه بعض محبى التجديد - رغم انتسابهم الى العهود الماضية اقتناعا - منهم بفكرة التجديد او مجاراة لروح العصر غصبا .

وفيه الشبان الذين فنحو اعينهم فى دنيا الادب فوجدوا الاساليب الجديدة شائعة في الدواوين وفى المجلات وفى النوادى ... فكتبوا شعرا على ضوئه فكانوا غير مجددين بالمعنى الصحيح بل سائرين على

هدى الفاتحين (١) ... ولكنهم فيما بينهم يتفاوتون ويتباينون في الشاعرية والخلق والابتكار وفى (التمذهب) . . وفي أشياء كثيرة لا تحصى في هذه العجالة شكلا ومضمونا ...

واعتقد ان هذا الموضوع في حاجة الى مراجع كثيرة والى وقت طويل والى رحابة صدر من الاصدقاء الشعراء المعاصرين الذين يؤلمهم ان يقال فيهم ما لا يحبون فى حين انهم يعرفون جميعا ان لا ازدهار للادب الا بالنقد الذى يقول للمحسن احسنت وللمسي أسأت ( وكم اود ان يقوم بهذا العمل غيرى ممن لا يريدون المحافظة على اصدقائهم )

ومهما يكن من امر فإني أعد القراء بالرجوع الى هذا الموضوع هي فرصة اخرى ريثما تتوفر لدى المراجع والوقت الكافيين لهذا العمل

اشترك في نشرتنا البريدية