الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

فى الشعر

Share

فى هذا العهد الذى اشتد فيه الجدال بين الحديث والقديم والذى اتقدت فيه المعارك بين أنصار هذا وأنصار ذاك وكثر فيه المتطفلون على الشعر تقليدية ومتحرره انه ليبدو لزاما على الاديب أن يبين حقيقة الشعر راجعا به الى جوهره وأن يوضح معالمه نحو ما يجب أن يهدف اليه .

لاشك فى أن الشعر أشمل الفنون اذ هو لا يقتصر كغيره من الفنون على حاسة واحدة من حواس الانسان كالنحت او الرسم اللذين يخاطبان البصر والموسيقى التى تخاطب السمع انما هو يخاطب السمع والبصر والعقل والخيال .

واذا كان الشعر فنا بل أشمل الفنون كان من الطبيعى والمتحتم أن يتطور كغيره من الفنون وأن يتجدد على مر الدهور وأن يساير كل زمن وعقلية أهليه بما فى ذلك من نظرة للاشياء وفلسفة فى الحياة وسلوك فى المجتمع .

هنالك من يعتبرون الشعر كالرياضيات والطبيعيات فيقولون هذا معقول وهذا غير معقول وهذا صحيح وهذا غير صحيح وهذا مستقيم وهذا أعرج .

وهنالك من يعتبرون الشعر كالدين فيقولون هذا حلال وهذا حرام وهذا معروف وهذا منكر .

وهنالك من يعتبرون الشعر كالسحر فيقولون ان جوهر الشعر أن يكون سحرا وان سره أن يكون اعجازا .

وهنالك من يعتبرون الشعر هيكلا خالدا فيقولون ان الخالد ثابت لا يتغير ولا يتزحزح الى يوم يبعثون .

ان هؤلاء واولئك يسيئون فهم الشعر وينتقصونه بالنزول به الى مستوى النظم كما يمتهنه من يجعلونه وسيلة للتكسب فيبتذلونه بأنواع المدح والرثاء وصنوف الفخر والهجاء .

ان هؤلاء واولئك مقيدون بفردية جدباء مغللون بأنانية جوفاء كما هم مقيدون بالتفعيلات والبحور والقوافى والالتزامات البديعية والمحسنات اللفظية .

ولا شك فى أن الفردية الشعرية التى يتسم بها أغلب الشعر التقليدى هى التى تؤدى حتما الى الانزوائية فى الفن للفن والبرعاجية والمذهبية الفلسفية والصوفية والسريالية والرمزية والانغلاقية (hermetisme) والاستقبالية (futurisme) وغيرها كثير من مظاهر تخلف  الشاعر عن مواكبة المجتمع وعجزه عن مجابهة الواقع .

والشاعر الانزوائى اليوم عضو أشل فى المجتمع بينما يجب أن يكون ككل أفراد الشعب بل فى مقدمة افراد الشعب بما يمكن أن يكون له من تأثير عظيم عميق عليهم .

أنا من شعبى وشعبى كل روحى

يستمد العزم من كل جروحى

أو لم يقل بول ايلوار ( Paul Eluard ) " يجب أن يكون الشاعر أنفع المواطنين " ولا يمكن أن يقتصر اهتمام الشاعر المعاصر على شعبه فضلا عن أن يكون مقتصرا على عائلته أو شخصه بل يحب أن يشمل اهتمامه الانسانية جمعاء كما يفرض عليه التماشي مع العصر الكفاح المتواصل والنضال الدائب فى سبيل حياة أفضل بالتفتح الى الرقي الاجتماعى مع غاياته السامية والاتصال الوثيق بالشعب وبكل الشعوب .

فالزنوج المضطهدون بأمريكا وافريقيا والنساك البوذيون الذين يحرقون أحياء وملايين الجياع الآسيويين لا يختلفون عندنا عن اللاجئين الفلسطينيين المشردين فجميع ما في العالم من أنواع الظلم والقساوة والاكراه والشره والطمع والنزاع كل ذلك منا والينا وكل ذلك لنا وعلينا وكل ذلك من واجبنا أن نقضى عليه لخلق الانسان الجديد الذى لا يمكن تحقيق وجوده الا بفهم التاريخ مع قوانينه الرئيسية ووعى الكون مع نواميسه الخالدة وادراك الوجود مع مبادئه السامية والغوص فى النفس البشرية مع أسرارها الخفية .

فالشاعر المعاصر كما قال ماكس جاكوب ( Max Jacob ) هو رجل يحوى عالما " .

والشعر المعاصر هو عالم شامل متكامل الاجزاء تتجاوب فيه الحواس كلها بعد أن أمحت الحواجز الفاصلة بينها فى صور جميلة سنية تعبر عن تفاعل باطني عجيب .

الاصوات البيضاء والخضراء . . .

الالوان الهامسة . . .

الآمال المجنحة . . . .

وهكذا يكون الانفجار اللفظى أبرز مميزات الشعر بحيث يكون الشاعر رب اللغة خالق اللفظ من جديد يتصرف فيه كما يشاء أو قل كما يشاؤه له الالهام كاسيا اياه من الانغام والالوان ما ينتشى به السامع والقارىء مرتبا اياه فى أبيات - عفوا أردت أن أقول ايقاعات - كأنها الموسيقى أو السحر تكون جدتها تجديدا فى ما يسمى بالعروض العربى .

فيصبح القصيد وحدة قائمة الذات لا يمكن بحال تجزئتها والا أسىء فهم جوهر الشعر وانعدمت الاحساسية به وقد قال الشاعر الكبير بول فاليرى ( Paul Valery )

" التفرقة فى الشعر بين المضمون والشكل بين الموضوع وطرقه بين النغم والمعنى واعتبار أن النغم والوزن والنظم تستقل طبعا عن التعبير اللفظى نفسه عن الكلمات عن التركيب كل هذا لدليل على عدم فهم المادة الشعرية وعدم الاحساسية بها " .

ولا مناص من التذكير بأن بول فاليرى لم يكن قط من الشعراء المتحررين بالمعنى المتفق عليه اليوم لقد كان من الشعراء الكبار الموهوبين الذين لم يتجاوزوا - على مرور الزمن - مرحلة الشعر اليونانى .

بينما نرى الشاعر العظيم بول ايلوار الذى يؤمن ايمانا بأن الشعر ليس تحفة يدرك حقيقة الوحدة دون أى تشبث بالاوثان القديمة الطاغية على الشعر فيقول .

"ليست الحروف والحركات والكلمات والتفعيلات هى التى تحقق توازن القصيد الموسيقى فاللغة الشعرية لا حاجة لها بالطبول والكمنجات ولا بالايقاعات والقوافى المكونة لذلك التخت الفظيع الـمجعول لآذان الحمير "

ولم أعثر فيما اطلعت عليه أو بلغني عن الشعر على أبلغ ولا أوضح ولا أجرأ من هذا القول وأعجب من ذلك أن بول ايلوار الذى نبذ القديم جملة مفهوما ومضمونا وأسلوبا يعتبر اليوم من أعظم شعراء الانسانية جمعاء .

وانه ليلتقى فى ذلك مع الشاعر الكاثوليكى الكبير أيضا بول كلودال ( Paul Claudel ) حيث يقول  .

" مثل الفنان الذى ينتبه الى فنه كمثل اللاعب على الحبل الذى يهتم بقدميه فعرائس الشعر عذارى عفيفات يزعجهن العنف فيختفين ... ان حقيقة الشعر والفن العفوية والموسيقى " .

هكذا ان حقيقة الشعر المعاصر الذى هو اشمل الفنون هى العفوية والموسيقى لا الحمل الوعر والاجهاض العسير أو الولادة المفتعلة وتالله انى لاشفق اشفاقا على أولئك الشعراء المساكين الذين يجهدون وجدانهم ويعصرون أدمغتهم ويسيلون عرقهم لولادة حشرة أو بيض فأرة - اللهم الا

ان يجدوا فى تعذيب أنفسهم لذة وفى استسلامهم للخيبة مثعة . أو أنفسهم لا غيرهم ينافقون .

ولو كانوا بالشعر شاعرين وبرسالتهم مؤمنين لاستسلموا للكلمة عوض أن يصطادوها ولعلموا كما قال ماياكو فسكى ( Maiakovski )  " ان الكلمة هى القائد الاعلى لقوة البشر "

وفى عصرنا هذا تبدو قوة الكلمة فى أهميتها البالغة فيما تقوم به من تأثير على الشعب فالكلمة ترفع من قيمة البشر عندما تتحدث الى القلب الى العاطفة الى النفس وتتدرج الى العمل الى الصالح الى العقل فتخدم الكلمة الشعرية الثورة الشعبية العارمة نحو الانسانية الشاملة وترتقى بذلك قيمة الكلمة الشعرية نفسها ومهمتها أسمى منازل الفن وتسمو الى أعلى مراتب التعبير .

لكن يجب لذلك ان يهم الشعر ملايين الملايين من البشر فيتحدث اليهم ويتصل بقلوبهم وتستسيغه عقولهم وبالاختصار يجب ان يأنسوا به ويعلقوا فيصبح كالماء والهواء والخبز من ضروريات الحياة .

ولا يتسنى ذلك الا بحملة عظيمة لنشر الشعر لا فى الدواوين المطبوعة فحسب فالدواوين لا يتناولها الا عدد يسير جدا من القراء يكاد يكون زهيدا لكن فى الصحف والجرائد والنشريات وحتى الاعلانات المعروضة فى أروقة الفنادق او الملصقة على الجدران وفي الميادين وأن تنظم له أيام وأسابيع ومواسم ومعارض بالاشتراك مع الرسامين وسهرات بالاشتراك مع الموسيقيين وبذلك يمكن الشعر وقد أصبح يقوم مقام الغذاء أن يحتمل جميع المسؤوليات وأن يعبر عن القضايا الانسانية عظيمها وحقيرها يسيرها وعسيرها جليها وخفيها وأن يشدو بامال البشر السامية لا برغائب الافراد الدنيئة .

والشعر ككل خلق انسانى ان هو الا كائن حى يتطور وينمو وككل خلق انسانى يخلق ويتجدد وككل خلق انسانى يموت ويبعث .

ولقد تجمد الشعر العربى منذ قرون فلابد من أن يتطور وينمو . ولقد خلق الشعر العربى فلابد من أن يتجدد . ولقد مات الشعر العربى أو كاد فلابد من ان يبعث

ومدرستنا الشعرية المعاصرة قد أخذت على عاتقها بما لديها من متواضع الوسائل ومن قليل الامكانيات ومن محدود الجهود أن تفرض ذلك التطور والنمو ، وأن تعمل لذلك التجديد وأن تهيىء ذلك البعث فتعيد للشاعر العربى فى قومه آلانسانية جمعاء ما كان له من منزلة سامية وفعالية مرموقة فى المجتمع القبلى الجاهلى فيعود من جديد الاغتباط بمولده والاحتفال بنبوغه ويرد اليه تاجه الذى ما كان عليه قط أن يفقده .

اشترك في نشرتنا البريدية