الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

فى المغرب الأقصى

Share

- ٢ - تعلمون ان البربر كانوا سكان المغرب قبل الفتح . وهم من أصل عريق على شبه كبير في كثرتهم بسكان مصر وأهلها القدماء فيهم الدهم السمر والبيض الشقر سكنوا جبال الريف في شمالي المغرب الاقصى فهم على أجناس مختلفة ، مرت بها الفتوح فحملت اليها وحملت عنها . ودخلها العرب فاتصلت بين العرقين وشائج نسب وتصاهر وتزاوج واختلط الطارىء والمقيم ، وقامت مملكة عريضة ظلت على القرون مستقلة خلال احقاب طويلة ، تتعاقب فيها السلالات الحاكمة ، تطوي شرق المغرب تحت جناحها طورا ، وتضم الاندلس أطوارا ، وهي على خلاف قريناتها من الدول العربية ، لم يدخلها العثمانيون او غيرهم من الفاتحين فلم تشبها شوائب الاختلاط ، ونعمت بحريتها حتى مطلع القرن العشرين حيث تكالبت عليها الدول الغربية ، حتى وقعت فى مخالبهم .

خضعت ( ١ ) لبني أمية قرنا كاملا من الزمان . ثم نشأت فيها دولة الأدارسة فقامت بالملك على عز وفخار ، وعملت للعروبة كعمل المشارقة سواء بسماء ، فأنشأت مدينة فاس ، وجعلت فيها جامعة القرويين ، وهي حتى اليوم تزف الى الناطقين بالضاد علماء وأدباء . يقفون لعلماء الازهر ، وهم الذين يديرون دفة السياسة والاجتماع والفكر فى هذه الايام .

وقامت دوله المرابطين ففعلت كأختها ، ودوخت المغرب كله ، وآوت تحت جناحيها بلاد الاندلس ، واعادت الشرف والكرامة الى هذه الربوع ، وأنشأت هديته مراكش ، وجعلت فيها كذلك كلية ابن يوسف ، تخرج الى يوم الناس هذا ، علماء وأدباء ينافسون رجال القرويين .

وقامت دولة الموحدين بعدهم في القرن السادس ، فالتفتت الى العمران والعلم ، وانشأت مدينة رباط وجعلت فيها جامعا ومنارة لا يوازيهما منارة او جامع فى دنيا الاسلام . وارسلت اسطولها الجبار فى عرض البحار يخيف الغرب ويبعث الرعب ، حتى لقد استجار به صلاح الدين فعرف قوة المغرب في نصرة المشرق .

ولكن هذه الدول القوية انقضت ، واقبل القرن التاسع يحمل الويلات الى المغرب ، ويحرك الاطماع فيه ، فنزل بساحه البرتغال وسقطت فى عهده غرناطة وتآلف الاسبان والاتراك والبرتغال على قتله وهدمه . فانتعش حينا من الزمن وانشأ ملوكه مكناس وارسلوا الوفود من الطلاب الى الغرب . ولكن أوربة اعملت كيدها ، وهبطت شواطئ هذا الوطن العربى ، واثارت فيه النعرات بين العرب والبربر ، وساقته الى معاهدات ومؤتمرات .

ثم كانت الفاجعة فدبرت لقتل طبيب فرنسي سنة ١٣٢٥ للهجرة ومشت بجحافلها لحماية الاقليات والاجانب ، واضطرت السلطان الى التنازل عن عرشه واستعانت بجيشها فدخل مدينة فاس ، ليحطم ثورة القبائل ، واحتلها الجيش وضاع العز ، ووقعت البلاد في الاسر .

وهكذا خسر المغرب العربى استقلاله لاول مرة في تاريخه منذ دخول العرب اليه قبل ثلاثة عشر قرنا ، واصبح القول للدولة الحامية وتدفق المعمرون - وهم الاجانب الذين جاءوا ليبقوا - وسلبوا الاموال والاراضى ، فدرت عليهم اخلاف الرزق ، وغدوا ملوكا فى المال والسياسة والاجتماع ، بعد ان قدموا اليه مغامرين بكل شئ .

واستولى الاسبان على قسم منه والفرنسيون على قسم آخر ، وحاولت الدولتان ان تثبتا اقدامهما عن طريق الثقافة واللغة والدعاوة ، ولكنهما فشلتا فشلا ذريعا في هذا كله ، وبقى المغرب عربيا في قوميته ولغته ووطنيته . ذلك لان المجاهدين ما فتئوا يغذون المغاربة بالوعى والجهاد والبطولة . فجمعوا البربر والعرب على صعيد قومى واحد ، وسعى المستعمرون الى التفريق بينهما ، كما سعوا فى كل قطر فأخفقوا لانها من تعاليم القرون الوسطى ، والعرب والشرقيون ارقى من ان يصل الى قلوبهم هذا الكيد وهذا الدس ، فطاش سهمهم ، وتوحدت العناصر

ضدهم ، وقامت المظاهرات والثورات . وكانت تضحيات جسمة قتل فيها عدد من المغاربة ، حتى لقد قتل فى مدينة واحدة اربعة آلاف من الوطنيين ، واعتقل الزعماء ، واعدم بعضهم ، وشرد السكان ، وعذب المواطنون ، مما لم يقع فى بلد من بلدان العالم على مثل هذا العدد وهذا اللون من الهمجية .

وبلغ بهم الامران وصلوا الى السلطان محمد بن يوسف ، فاعتقلوه سنة ١٩٥٣ وابعدوه ، وخلعوه ، ونصبوا مكانه ، وكان ما كان مما تعلمونه حق العلم ، وتلك خطتهم لا تتغير ، يحملون الملوك الى المنافى ، ثم يعيدونهم تأثيرا فى الاعصاب وقتلا للوطنية واخمادا للشعور . وهنا هب الشعب يطالب بعودة السلطان ، لانه رأى فيه رجلا مصلحا ووطنيا مخلصا ، فقد رفض الاتحاد بفرنسا ، وصرح دائما بان المغرب قطر عربي يتطلع الى المشاركة فى الجامعة العربية ، وطالب بالغاء الحماية وعرف الشعب فيه امام دين ، وصاحب رسالة ومحرر امة .

واستقر لهيب المعركة بين الحماية ويقطة الشعب ، وكان النصر لهذه الامة التي هب جيشها في ثياب الثوار يحررون الوطن ، ويقتلون ويفتكون ، ويبذلون الضحايا رخيصة ، فهم الذين نصروا فرنسا فى المانية ونصروا الحلفاء فى " كاسينو " ويعرفهم الغرب ابطالا مغاوير ، لا يهابون الموت ولا يخافون الحرب فقد ابلوا بلاء حسنا في نصرة حليفتهم بالامس ، فلما رأوا خيانتها والاعيبها قاموا لها باساليبها الحربية وطرقها الجهنمية ، فدمروا القرى واحرقوا المزارع وخطفوا الضباط وبثوا الذعر في الفرنسيين من عسكريين ومدنيين ، واصبحت حياة المعمرين جحيما لا يطاق ، فهرب اكثرهم ، وطلب النجدة اعظمهم ، ونزلت فرنسا عند هذه الثورة اللاهبة : ورضيت بمعاهدة الاستقلال ، وما يزال تحت الرماد ما يكفي لحرب مبيدة يشنها المراكشيون لا تبقى ولا تذر .

عرضنا لتاريخ المغرب الاقصى خلال ثلاثة عشر قرنا ، فى ايجاز وجفاف ، لنشير الى ما صنعت هذه السلالات الحاكمة فيه من خير للاندلس والعرب ، فقد انشأت المدن التى ينعم بها المغاربة ، وبنت الجامعات التى يتعلم فيها المغاربة ، وهى وحدها شاهدة على عظمة تلك البلاد الى اليوم و لم يضف البها الغرب شيئا . وانما انشأ مدنه ليسكنها وبني مدارسه ليعلم فيها ابناءه ، وبقى السكان يعيشون على ما خلف لهم الاجداد .

ولعلكم معي في ان هذا التاريخ يختلف عما تصوره بطاقات المصورين فهو ناصع شريف . ولعلكم تحبون ان نعرض للحاضر في تفصيل يستبد بكم لذلك سأحملكم معي الى هذا المغرب الحبيب ، فننزل معا ارض الدار البيضاء ونحط من الطائرة في المطار الواسع عند الصباح ، وفى الصباح يحمد القوم السرى . وفي هذا المطار موظفون غربيون تحس معهم انك ما تزال فى اوربا من حديث ولباس وعمله فرنسية ، فاذا خرجت الى الدار البيضاء ، ورأت البنايات الشاهقه والفنادق العالية والمقاهى الغربية حسبت انك فى الغرب بل فى ارفع الساحات منه ، فأين المغاربة ؟.

ذلك سؤال لا يخطر للامريكى والاوربى ، لانه يهبط الساعات ثم ينهض بعدها الى بلاد الله ، فيحسب ان المغرب هو هذا المطار وهذا الحي ؛ ولكن العربى حين يطوف هذه البلاد يعلم ان المستعمر شاء ان يغير المعالم امام كل قادم ، فبني خلال اربعين عاما مدنا اوربية زرعها الى جانب كل مدينة عربية قديمة ، وضرب بين القديم والجديد بمسافات غير قليلة ، واعد للمدينة الغربية هذه مقاهيها الباريسية وفنادقها الفرنسية ، وشوارعها ، وابنيتها واسماءها ، ومكاتبها ، ونساؤها ففي رباط الفتح ، والدار البيضاء . ومراكش ومكناس ، وفاس ، وطنجة ، وغيرها مدن غربية اوربية الى جانب المدن العربية القديمة .

وهذه المدن الجديدة لا تقل فى بنائها وخططها وتنظيمها عن مدن فرنسا ان لم تفقفها في كثير من الوجوه . وكثير من الفرنسيين فيها يعتزون بانهم لم يزوروا من فرنسا ، فهم في غنى عن ذلك ، تجمعت لديهم باريس ومرسيليا وليون وبوردو ، لهم الجبال الحلوة المزروعة بالمصايف والمشاتي ولهم الحدائق النضرة الواسعة ، والغابات الاصطناعية الشاسعة ، والقاطرات على احدث طراز ، والسيارات على اجمل نموذج ، واللباس يذكرك بكل شئ الا بالشرق ، فالمرأة على زينة باريس وشراب فرنسا ، ومراقصها ، وملاهيها ، تسمع الموسيقى تشق الشوارع وتنبثق من البيوت والحانات ، وتتلاقى في سمع السكان وتدوى فى آذانهم فتلهيهم عن كل نداء ، وتصرفهم عن كل وجه ، فكأنهم ما تركوا الغرب لانهم يسكنون قطعه منه . ذلك لان القوم جاؤوا ليبقوا ، وعمروا ليعمروا ، وما قرءوا تاريخنا وما فهموا الانباء عنا ، لان صحفهم تسد عليهم كل سبيل ، وتتحدث عن كل امر الا عن الحرية والاستقلال .

والعجيب انك تجتمع بهم فتسمع حججا واهية كحجج الغرب فى قنال السويس ، فهم انشأوا الطرق الواسعة كطرق امريكا ، والمقاهي العريضة كايطاليا والمصانع العظيمة كمصانع ألمانيا ، والمرافىء والمزارع والمطارات وغيرها ، وذلك ليعيشوا في امن ورخاء ، هم وابناؤهم ، فاذا سألتهم من اين جاءهم المال والخير عرفت ان الدولة الحامية وزعت عليهم الاراضى الخصبة لانهم يحسنون زراعتها ، واعطتهم حقوق التجارة والتبادل لانهم يفهمون ويعملون ، ولانهم متمدنون . وهم لا يخفون انهم جاءوا فى كثرتهم على ثياب رثة ، وهربوا من كساد بلادهم وفساد نظامها ، وضيق ايديهم فيها ، فساقهم الاستعمار الى غلال لا تنفد ، واراض لا تبور ، وجعلهم السادة يستخدمون المغاربة يومهم كله لقاء دراهم معدودات ، كما يستخدمون العبيد .

وبعضهم يتحدث في صراحة فيقول انهم جاءوا بلدا متقطع الاوصال ضعيف الثقافة ، فعمروا وأنشأوا ، كما عمر سكان امريكا الشمالية حين قدموا اليها من كل حدب وصوب ، فالعرب كالحمر في تلك البلاد ، بل هم كالزنوج فى امريكا لهم ان يخدموا ليعيشوا . ونسوا ان هذه البلاد لها اهلها وملاكها وتاريخها وامجادها ، وان هذا كله يفوق ما للمستعمر من ماض وتاريخ وامجاد .

فاذا اردتم ان تعرفوا حال السكان من العرب المغاربة ، فلكم ان تسيروا غير قليل نحو المدن العربية ، فاذا انتم حيال اسوار عظيمة نقشها المغربي الصناع في اساليب لا تشبهها اسوار حلب كباب انطاكية وباب الجنان وباب قنسرين ، وانما هى اسوار عمل فيها الفن والزخرفة اجمل ما يعمل ، واحاطها بكتابات جميلة عربية مدهشة ، تغرق العين في قراءتها ، ويثور الدمع لرؤيتها وتحس النفس ان عزيزا بني البنيان وحمى المكان وقام بالسلطان ، فيسير فى حاراتها وشوارعها كما يسير المشارقة فى احيائهم القديمة ، شوارع ضيقة مرصوفة بالحجر ، فى وسطها مجار صغيرة لتصريف الماء على وجه الارض ، قد اصطفت دكاكين ضيقة من كل جانب ، جلس لها الباعة وقدم اليها المشترون كما تجدون اليوم فى سوق الحبال تجتازونه الى مسجد بني أمية .

كنت اطوف هذه المدن العربية فتطير بى الذكرى الى شوارعنا واحيائنا ، وبيوتنا الضيقة المتقاربة ، يطل بعضها على بعض ، وينظر بعضها الى بعض ، فيتيه

الخيال ، وانسى انى اطوف مراكش او فاس او الدار البيضاء او رباط الفتح ، واحس ان قلبي يكاد يصيح : هذه ديارك وهذه بيوتك ، وهؤلاء ابناء عمومتك واقرباؤك هندسة جميلة واحدة ، وامة عربية واحدة . اسواق العطارين والحدادين والنحاسين والحبالين وبائع المنسوجات والجلود تتجاور وتطول في خطوط لا تنتهى حتى تصل الى احد الابواب فى فاس او مراكش ، وراءك اناس لا ينتهون ، وامامك اناس لا ينتهون ، فكأنك مسير فى هذا الموج المتلاطم من بشر عزيز حبيب ، ينحني عليك حين يعرف انك عربي وانك من الشام ، فيحمل على الضيافة من اقرب مشرب ، وعلى المأكل من اقرب بيت ، وعلى المبيت في اول منزل .

والبيت المراكشي جمال من نفحة العروبة القديمة ، صحن واسع ونافورة تغنى نهارها فلا تكل على عشرة قرون ، وجدران قد ازينت " بالقيشانى " على الوانه فى مربعات واهرامات ومثلثات ، تضل العين فيه فتخرج عن الكلام الى الصمت الشعرى . كاننا فى جنان العريف او قصور الاندلسيين ، تحن اشجاره فتتمايل ، وتغنى اطياره فتتطاول ، وهذه الموائد تصف على الارض ، ويجلس حولها الضيوف فى ثيابهم الاوروبية ، ننهل من الاكل ونعل - ان صح التعبير - نبدأ بالحلوى وفيها اللحم ، وتثنى بالطير ، ونثلث بالدجاج . ثم نشرع فى الاكل الجدى ، وهو لحم النعاج والخراف يصنع على الوان واشكال ومعه الطحين الدقيق مما تعرفونه هنا بالمغربية نأكل باصابعنا فما نشرع بها الا ليطير الطحين ويهبط غيره ، وما نعلم كم صحنا يقع وكم صحنا يطير

لقد طفت المغرب ، وكان القوم ابدا فى ولائم او فى العيد . تحيط بهم الاوانى الجميلة لغسل الايدى ، او لصنع الشاى ، وتحف بهم جوقة الموشحات الاندلسية ، فكاننا فى عهد الرشيد او عهد المعتمد بن عباد ، وطلقات الرصاص ما اجملها حين تدعوك جبال الاطلس وقبائلها من البربر فى الخيم ، فيصطف الفرسان ويلبسون للضيافة اجمل ما يملكون ، وانظف ما رأت عيناى ، فكانهم ملائكة يحفون بالمدعوين يحملونهم على اجنحة الضيافة ليكون المدعو على راحة نفس وطرب اذن وامتلاء معدة . ولباسهم المغربي يغطى راسهم وجسدهم ، ويستوى فى زيه المراه والرجل . ولا اكتم عنكم انى كنت فى ذهول حين احضر هذه الولائم ، فقد كانت فى استقبال زعيم المغرب الاستاذ علال الفاسى ، شرده المستعمرون اعواما ، فلما عاد طرت اليه لاشهد معه هذه الروح العربية المغربية ، تتجلى في

الخيم والبيوت والساحات والقرى والمدن ، تنادى كلها بالوحدة والعزة ، تحت راية الاستقلال والسلطان . نعمت بها وكدت لا اتم النعيم ، ولكن الله كان من وراء ذلك . فقد خرج على الرجل فى سبيلنا الى جبال الاطلس رجال اشقياء من رعايا الحماية ارادوا قتله ، فاطلقوا الرصاص على قافلتنا ، وعطبوا سيارتين ، واستقر رصاصهم في كل منهما ، واراد الله غير ما ارادوا فنجاه الله وكنت الى يساره فى السيارة نفسها ، اشكر الله نعماءه ان قدر لى عودة .

ذلك لان المستعمرين ما يزالون يملكون جيشا فى المغرب يقدر بسبعين : الفا ولهم في هذا الوطن العربى مدن تعج بهم ومزارع ليست لها حدود ولهم فيه آمال تنتعش يوما وتغيب اياما . والمغاربة ما يزالون يناضلون الى الساعة ، على اساليب مختلفة ، سرا وجهارا ، فهم يعرفون ان وطنهم لما يستقل بعد ، وان الجيوش ما تزال مرابطة في حدوده ، وان الحماية تلوح من بعيد لزبانيتها واصدقائها من المرضى والخونة ، ولكن انى للعهود المظلمة ان تعود بعد ان ذاق الشعب لذة الحرية ونعيم الاستقلال ، وتملك الشباب المخلصون ازمة الحكم وهم قد نذروا نفوسهم فى سبيل العزة فلا يرضون عنها بديلا

لقيت نائب العامل فى فاس ، وهو شاب فى حدود الاربعين ، و دخلت قصره العامر المنيف ، وكان يحتله حاكم المغرب الفرنسى قبله ، ورأيت حوله الموظفين والموظفات يخضعون لاشارته وهم فرنسيون ، ويخشون نظرة من نظراته ، لانهم يعرفون قصته ، وقصته شبيهة بكل قصة لهذا الشاب المغربى فاستمعوا الى النضال فى حياة هذا الشاب .

درس في المدارس الفرنسية شبابه ، وقبل ان يتخرج كلفه قومه بتوزيع منشور ضد الحماية ، والاشتراك فى العمل مع امته . فلما قبض عليه ، سجنه الحاكم اربع سنوات فحسب ، فى غرفة مظلمة ظل واقفا خلالها يومه وليله مثقلا بالحديد ، مكبلا بالسلاسل ، تجرى عليه اساليب التعذيب كما تجرى على المجرمين ، فنشأ فى السجن ، وشرب من الظلام ، وعاش على انغام الحديد يفتح له الباب مرة فى الاسبوع لينظر من خلاله قامات الضباط ، ويرى سياطهم تنقض عليه ، لعله يعترف بالاسماء التى دفعته . وكم عرف بأنباء القتلى من اهله واخوانه فما هاب ولا لان ، حتى كان النور والاستقلال ، فخرج الى الحكم يعب من نوره

وينظر الى قامته المديدة يتلمس مكان القيود من جسده ، وهو على منصة الحاكم العام ، في قصر يعد مئات الامتار . وهؤلاء الموظفون يعرفون قصته ، ويعرفون ما كان من امتهم نحوه ، ويعلمون ان حياتهم بين يديه ، وان ساعاتهم غدت معدودة .

الفرنسيون والفرنسيات ما يزالون فى وظائفهم ، تغدق عليهم الرواتب ، ويتخفف منهم الحكام المغاربة كلما وجدوا من يحل مكانه من حملة الشهادات من ابناء قومهم ، فقد كانت الحماية لا تقبل في المدارس الرسمية من الطلاب المراكشيين الا ثلاثة فى المئة فحسب . ولا تقبل الحماية من الموظفين المراكشيين الا عشرين في المئة ، وسائرهم من الفرنسيين . وعدد الوظائف فى المغرب الاقصى كانت تقارب عشرين ألفا منها خمسة آلاف مراكشي فقط .

وكنت مرة على موعد مع وزير المعارف الاستاذ محمد الفاسي ، فاقبلت الى بناء الوزارة حين منصرف الموظفين فاذا هم عشرات كثيرة يهبطون السلالم ويتحدثون في فرنسية طلقة ، والسيدات والاوانس منهم قد تخففن من ثيابهن كما تفعل اخواتهن في حر باريس سواء بسواء . فظننت اني اخطأت البناء فلما صدق الظن ، وحدثني الوزير عن امرهم وامرهن ، علمت ان هذه الوزارة كان فيها مراكشى واحد قبل الاستقلال هو الأذن على الباب . ومنذ ذلك الحين دخل كثير من شباب المغاربة فى هذه المراتب والوظائف التى جردت من اصحابها السابقين ، وسيدخلون حتى تنجلى الغمامة ، حين تنتج المدارس الوطنية مراكشيين اقحاحا يقرؤون العربية ويكتبونها ،

وكم كان يدهشني ان يتدافع المغاربة الى سيارة الزعماء ، يتمسحون بهم ويقبلون على ايديهم تقبيلا ولثما شاكرى حالهم الجديدة ، فقد انتقلوا من الظلمات الى النور ، ومحوا هذه الصور الزرية التى كانت تفرضها الحماية فى تجنيد المغربى واستخدامه وافقاره ، وزرع الامراض فى بلده وجنسه ونفسه . وقد فرض على المغربى ان يسكن المساكن الفقيرة -كما رايتم - وان لا يستمتع بالخيرات الكثيرة لان الحماية اختارت اجمل المناطق واخصب البقاع لاهلهم وذويهم ودرت عليهم الارزاق . وكان المغربى يشهد اليوم معجزة لا تصدقها عيناه حتى لكأن مسرحية تدور حوله ، حين راى المستعمر ينسحب الى الحدود ، وقد سكن في قلوب المعمرين من الفرنسيين قلق وذعر ، فانقسموا على أنفسهم ، واصبح منهم

اشترك في نشرتنا البريدية