الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

فى المــــــــــــيزان, الدكتور طه حسين

Share

-٣-

إذا رايتم في نظرياتي ارتجاجا وفى اسلوبى حشوا فانما ذلك مظهر احتفلت به من مظاهر التجديد في التفكير وفي الادب " لسان حال الدكتور طه حسين "

قرأت لكثير من الادباء المعاصرين والسابقين ، فلم أجد بينهم اديبا جبار الضمير ناصع التعبير كالدكتور طه حسين . فهذا الاديب البارز لم يكن عامل بروزه احتفال تفكيره بروائع الادب يستخلصها أو يبتكرها ، ولم يكن مظهر سطوعه الأدبي خلق اجواء جديدة من الأدب ولم يكن باعث اشراقه التفوق على اقرانه فى العلوم وفلسفة الاداب والفنون ، وانما يعود بروزه وتعود شهرته الأدبية الطائرة الى عاملين اثنين ، احدهما نفسي هو الجرأة والاقدام على مناهضة النظريات المحترمة ، والاراء المعتبرة ؛ واحتقاب غير المقدس بدلها وغير المالوف والدعوة الى ما احتقبه من النظريات . وثاني العاملين حسى هو جمال الاسلوب وجاذبيه ، جاذبية تفيض بالابداع والاشراق ، على ما تتعوذبه عن اعين حاسدية من ضروب التكرار والحشو !

منذ أربعة عشر عاما خلت ، وكاتب هذه السطور يطالع مقالات الدكتور المنتثرة بين اعمدة الصحف ويقرأ نتائج قريحته فى كتبه فا منت بعد طول الاختبار بان الدكتور اديب جبار بطل ولكن لابد رجة انه يلقى نفسه في التهلكة بدون

افادة سمعة ، او انماء شهرة ، فهو ثائر ( فدائى ) من نوع الحاذق ، وبرجه المشيد الذي ينقض منه كالباز الاشهب على مجتازى سبل الأدب من قادة وغير قادة هو " قارعة الطريق الادبي " هناك في المنبسط الافيح السهل الجميل يكمن الدكتور بهراوته الحربائية لمن تحدثه نفسه بالنقول الى قنن الشهرة الادبية فما يكاد بحس بدنو اى اديب يحلق فى جوه ، من الوصول الى ذروة المجد وذيوع الصيت الاوانقض عليه فجاة بهذه الهراوة المرنة ، بدون سابق انذار ، يعملها فيه ضربا وتمزيقا وتشهيرا وتزييفا فاما ان يكن هذا الاديب رياضيا ماهرا ومصارعا قويا فيتحمل الضربات ولكنه يمضى فى طريقه شاقا هذا السيل من التهديدات والزمجرات والابراق والارعاد ، واما ان يكون ضعيف المادة والأدب والفكر فيخر صريعا لليدين وللفم وينسحب من الميدان خائر القوى مشدوها بهذه القوة المباغته . .:

كذلك كان شأن الدكتور مع اعلام الادب العربى من الاساتيذ الازهريين وغير الازهريين فهو يضرب ويضرب ولا يبالي على من تقع الضربة ، وكيف يبالي وهو فى " برج من عاج " هو عمادة كلية الاداب بالجامعة المصرية ، ولكن من الانصاف وقول الحق ان نعترف بلباقة الدكتور طه فيمن يضرب ، وفي كيف يضرب ، وفي متى يضرب هو يعرف هذه الامور كلها . فاذا كانت ضربته موجهة لمثل الدكتور محمد حسين هيكل ، فانما يضربه فى مداعبة وخفة ولطافة واغتبار واذا ضرب مثل الاستاذ الاسكندرى - وهو ازهرى الثقافة - فانما يضربه فى شدة ونيز بالجمود الازهري . واذا ضرب شوقى فانما يضربه فى تهوين لشاعريته وبراعته وثلم لتجديده و روعته : واذا ضرب حافظا ، شاعر الشعب ، فانما يضربه في تحفظ وتنويه :

وعند الدكتور طه حسين الوان من الطلقاء الذين اعتقهم من نقده وتجريحه لحاجة فى نفسه او لحاجات فى اقلامهم ، نذكر منهم امير الادب الفكاهى ابراهيم المازنى ، فانه على تعرضه لنقد الدكتور والتشهير بتفكيره سلم كل السلامة من

" مبضعه " وند كر كذلك منهم الاستاذ عباس محمود العقاد الذي اصطنعه لنفسه وحاباه محاباة بارة ، حتى رشحه لأمارة الشعر اخيرا مع مايحوم حول جدارته لهذه الأمارة من شكوك وتهم ، لها الحق فى ان تحوم ::.

ومما يثير الدهشة ويدعو الى ايقاظ الملاحظة الدقيقة ان يكون اسم الدكتور طه حسين ، قبل عدة سنوات المع اسم ادبى في الشرق العربى ، وان تثير شهرته المنافسة والاعجاب ، ثم اذا بنا نرى هذا الاسم يختفي رويدا رويدا حتى يكاد يصبح اليوم نسيا منسيا ، لولا عمادة كلية الاداب ولولا ما يحمله من الالقاب العلمية والامجاد الأدبية .

ولعل السر فى هذا الخمول بعد الظهور يعود الى طبيعة الدكتور نفسه ، والى ما اعتراه من الثبات او الجمود على النظريات التى امن بها ايمان العجائز من منافاة العقل والأدب والفكر الحي الجديد النير لتعاليم العقل والفـــــكر والأدب القديم المظلم حالما ان هذه النظرية تحطمت على صخور الامتحان والتحقيق العلمي الاخير فظهر ان لا جديد تحت الشمس ، وان هذا الجديد اذا فرض وجوده ، لا يقوى ولا يستمد الحيوية والتقدم الأمن الروح التى يضفيها عليه القديم ، واذن فليحط هذا القديم بمظاهر التجلة والتبجيل وليدرس حق الدراسة ، ليدرك ما فيه من اسرار مدهشة فى الحضارة والفكر والفن والطبيعة والاقتصاد ، وما الى ذلك كله من مظاهر النهوض

فالدكتور طه حسين قد حمل من قبل ، رأيه هدم هذه النظرية الادبية القويمة بمعول التشكيك والتفييل والتزييف ، حملها فى مقالاتة فى الصحف ، وفي دروسه بالجامعة وفي تأليفه فى الادب .. حملها بصورة انصع حين كتب " الايام " و " حديث الاربعاء " وحملها بصورة افظع حين كتب " فى الشعر الجاهلى " وحملها بشكل أبشع حين بحث فى ضمير الغائب في القران الكريم .. وكانت نظرياته تلقى رواجا يوم كان الناس فى هذا الشرق العربي مغمورين باضواء

مدنية الغرب؛ مبهورى الابصار بكهربائها  ومناحى تفكيرها ومظاهر مدنيتها ، هم يومذاك ميالون الى كل ما يقدس اوربا معجبون بكل ما يحط من شأن الفكر الشرقي الخامل وتراث الفكر الشرقي المطمور اندفاعا اعمى مسخرا وراء التوهيم الأوربي المسيطر وجريا وراء قوة الغرب المتسلطة .. فأما اليوم قد نفض الناس عن كواهلهم غبار التقاعس ، والقوا عن جفونهم رماد التناعس فقد تطلعوا الى اعادة مجدهم القديم ، واضافة مجد حديث اليه خصوصا وقد رأوا من خفايا المدنية الغربية ما أثار سخريتهم وهزأهم ، وشاهدوا من مظاهر ترديها الى اسفل ماقوى رجاءهم ، وتطلعوا بحكم هذا التطلع السياسي والاجتماعى الى حياة ادبية عربية اسلامية مستقلة ، تقوى فيهم روح الحماسة في الدين والوطنية وتغذيهم بكنوز السلف الامجاد ؛ لهذا راح الناس وراء هذا التراث الاسلامي العربي باحثين منقبين محتفلين ، ولهذا وجد هذا الاتجاه الحميد الجديد فى دفة الادب العربى الحديث فاصبح اليوم ، وكل همه وكل مار به ان يصل الى درجة رفيعة من السمو الحثيث تجعله يتحول ادبا عربيا فى لحمته وسداه ، وهيكله وصداه ،

وحمل الرايه رجال من اعلام الادب الحديث ؛ ممن تشبعوا بالنظرية الحديثة واطمأنت نفوسهم اليها وايقنوا نجاحهم بها ؛ ونجاحها بهم ، فكتب الاستاذ المرحوم مصطفى صادق الرافعي - وكان يكتب من قبل - كتابه " وحي القلم " وكتب الدكتور محمد حسين هيكل وما كان يكتب من قبل - كتابيه " حياة محمد " عليه الصلاه والسلام " وفى منزل الوحى " وكتب الاستاذ توفيق الحكيم روايتيه " اهل الكهف ومحمد " عليه الصلاه والسلام  وكتب الاستاذ معروف الارنؤطي " سيد قريش " وكتب الشاعر العبقري احمد محرم قصائده فى مجد الاسلام وكتب الاستاذ احمد امين " ضحى الاسلام " وكتب الدكتور فريد رفاعى " عصر المأمون " والدكتور زكى مبارك النثر الفنى فى القرن الرابع " وكتب كثيرون غيرهم من حملة لواء التجديد ، فى هذا اللون الجديد المغري من الادب انصرف

الادباء الذين كانوا بالامس القريب دعاة الأدب الغربي البحث ، الى هذه الناحية العربية الاسلامية يغذونها بنثرهم وشعرهم ، فحمد الناس لهم اتجاهم  الميمون ، هذا ما كان من امر التحول الجديد والتطور الحديث فاما ما كان من امر الدكتور طه حسين فانه عقب ان شعر بهذا التيار الجديد ، المندفع الى الامام ، وقف منه موقف المبهوت . ابهذه الحركة الرجعية تنهدم العلالى  والقصور " الهايلافية التى شادها الدكتور على انقاض الرجعية والرجعيين ؟ وما هو السر في هذا التحول السريع فى تفكير هذه الامة ؟ وهل اذا كان تحول الشعوب يتم بهذه السرعة الاستهوائية فهل من حق قادة الافكار وحملة رايات المبادئ ان يتحولوا بحكم تحول الامة الى الرجعية عن مبادئهم التى اشتهروا بها والتي افاضوا بها نورا على القلوب العمى والابصار القاتمة ؟ وهل ياتري ينسى لهم ماضيهم الحافل بالتجديد اذا لبثوا فى موقف الثبات على المبادئ التى اعلنوها للملأ ؟ ثم هل يعد هذا الثبات منهم بطولة ام رجيعة وجمودا ؟ وبالتالي هل يصح للدكتور طه حسين ان ينقض اليوم ذلك الغزل الجميل الذي حاكه بالامس وهل يصح له ان يبرم اليوم ويناصر قضيه كان بالامس اقسى القضاة عليها واحفلهم بافسادها ؟؟

هذه المشاكل متداخلة لابد انها جالت بخاطر عميد الادب جولانا قويا زاخرا بالاضطراب واستيحاء الفكر واستعراض الاحوال الاجتماعية والادبية والتأمل العنيف ! ولكن الدكتور طه " شديد الاثرة " كما يقول عن نفسه ؛ وفيه خنزوانة وكبرياء وهذا ما فسره على ان يمكث فى موقفه ، تتكانفه عوامل الاقدام والاحجام .. ترى هذه الحركة الرجعية الجديدة تخمد بعد هذا الاشتعال الموقوت ، فينجح الدكتور النجاح الاعطر ؟ ام تراها تستمر فيعيد الدكتور النظر في موقفه الادبى كله من جديد ؟ !

ولكن الحركة استمرت وارتفع ضجيجها ، وعمت انوارها ، وصار لها قادة زعماء جدد ، أيدوا بقادتها المبررين الاولين ، وفي طليعتهم أمير البيان " شكيب

ارسلان " وما نظمه من " جيش " دفاع يتكون من " ضباط " مهرة ، وجنود بواسل ، فلما شعر الدكتور بهذا النجاح من الحركة حذر العقبى ان استمر على تصلبه ، ومن هنا راح يستجدي " سيرة ابن هشام " ويستدر " السيرة الحلبية " وغيرهما شيئا يقوله فكتب  كتابه " على هامش السيرة ".. ووالله  العظيم يمينه برة صادقة انه لقد وفق تمام التوفيق في هذه التسمية ، فلقد البس كتابه ثوبا يوائم قامته وحالته ، فكتابه هذا كتاب على الهامش من السيرة النبوية العظيمة لا يكاد يدنو من جواهرها الا كما يدنو " المغرب " من " المشرق " والمغرب هو كتاب " على هامش السيرة " نفسه ، والمشرق هو كتاب " حياة محمد " صلى الله عليه وسلم للدكتور محمد حسين هيكل .

وهكذا مالت شمس شهرة الدكتور طه للغروب ، بسبب هذه العوامل القوية التى تضافرت على اخفاقها ، واذا به صامت واجم ، لايبدىء ولا يعيد ، ولا يمتلك لشمسه ردا وقد أذنت للغروب ، ولا يمتلك لها اشراقا وقد اعلمت بالقطوب ! والحق يقال ان قصور الدكتور طه على الظواهر السطحية من السيرة النبوية يعرضها عرضا سطحيا في اسلوب قصص جذاب - ان هذا القصور من الدكتور غير مقصورة على السيرة فحسب حتى يؤاخذ فيه لاجلها خاصة ، بل هو يتناوله فى جل ما كتب وما يكتب . هو لا يتكلف التعمق واشباع البحث ، وانما يرسل هذه المقالات ارسالا سهلا فيه كثير من نصاعة التعبير وسحر البيان ، وفيه كثير من التسامح والافتراضات الخيالية .. الا تراه فى كتابه " ذكرى أبى العلاء " يتعسف فيقول اشياء اخترعها خياله حين لا لزوم للاختراع ، منها ادعاؤه ان " معرة النعمان " اصلها معرس النعمان بضم الميم وبسين مهملة ، وقال ان السين قلبت تاء كما في النات المقلوب ناؤها من السين فى الباس وقال ان الميم فتحت بعد ذلك لكثرة الاستعمال . . هو يقول هذا مع ان معنى " المعرة " الشدة . . فما باله ينفي تسمية " المعرة " بها ، وهذه " بكة " سميت بهذا الاسم لملاحظة معنى كثرة الزحام

في بلد الله الحرام ، وهذا " القيروان " بافريقية و " سر من رآى " بالعراق و "ينبع " بالحجاز ، سمى الجميع بهذه الاسماء لملاحظة اوصافها وحالاتها لأجرم ان العرب فى تسميتهم لبلدانهم ومواقعهم كثيرا ما براعون العلاقات التى تجمع بين الاسم ومسماه وهذه العلاقات تخفي احيانا وتتجلى حينا . . وتأمل الدكتور طه فى كتابه " اديب " الذي وجه فيه عنايته لتصوير حياة اديب هذا الجيل ومواهبه ونزعاته وتفكيره ، فاذا هو يصوره فى صورة سخيفة تستدعي الضحك والازدراء ، لانه شخصية مرقعة ، ذات شعور مختل وعواطف فجة ، واعصاب مضطربة ، وفيها جين وتهور ، تحدها حدود جزء من الريف والقاهرة وتطير الى باريس لتلهو وتعبث ولتغرق في الخلاعة الى اذنيها  (كما يقول الدكتور عنها ) ؛ وتراها تستعمل الحيلة الخبيثة وتتنصل من الفضيلة وتقع في حمأة الرذيلة بصراحة ما مثلها صراحة متسترة وراء ستار حب الرحلة لتحصيل العلم والسمو فيه ، وتصل بها حياة الخلاعة والادب الموبوءة في نهاية امرها الى الجنون المطبق بعد ان ظلت غارقه الى اذنيها فى الملذات الشهوانية الفاتكة بالصحة والعقل والعلم والدين والشرف والـــــــكرامة ...

هكذا صور الدكتور طه حسين اديبه العالمى فى كتابه " اديب " فهل ياتري هذا الوصف وهذا التمثيل يرضيان ادباء الجيل ؟ !

ومن براهيني على ما كان يشغف به الدكتور من الضرب اللادع كتابه : " حافظ وشوقى " ففي هذا الكتاب حاول تحطيم شاعرية شوقي و زعم ان مطرانا ارقى منه ومن حافظ معا . . منزلة لا يدعيها خليل مطران بنفسه ولكنه الدكتور طه الشديد الاثرة ...

اما كتاب الدكتور " من بعيد " فهو مجموعة مختارة من مقالات اصطفاها من اضبارات ادبه القديم والحديث ؛ فيها القويم والسقيم وهي لاتخرج عن ادب الاستعراض السطحي لجوانب الحياة والأدب والاجتماع ؛ وكذلك قل في كتابه " مع المتنبي " فهو استعراض لابسط جوانب شاعرية المتنبي .

وبحسبك دليلا على تقاعس الدكتور طه عن الخوض فى لجج التحقيق ولو كان ادبيا ان تتأمل الحادثة التالية : اجتمع هو وزميلاه الاستاذان أحمد أمين والعيادى واتفقوا ثلاثتهم على وضع سلسلة جيدة من الكتب التاريخية مجلل تراث الاسلام وحضارته فى العقل والاجتماع والادب ، وأوكلا اليه البحث فى الناحية الادبيه لانه عميد الادب . . فاما هما فقد انجز مهمتهما واخرجا فجر الاسلام وضحى الاسلام ، واما هو فلم ينبس ببنت قلم وترك وعده بدون وفاء حتى ساعة كتابة هذه السطور . فهل يا ترى هذا التقاعس شئ يصطنعه الدكتور عن عمد ، لئلا يمس بنصب أو لكثرة ما لديه من المشاغل والمهمات ؟ ام أنه تقاعس مصدره الشعور بالاخفاق فيما لو حاول ؟ ! علم أى الحالين واقع عندالله جل وعلا اولا ثم عند الدكتور طه ثانيا ! !

وليعب البيانيون الحشو والتكرار ، وليعدوهما من نتائج ضعف البيان أما الدكتور فقد رأى فيهما مهيع تجديده ، فاتخذ منهما لترام قلمه " شارعا " ممهدا وحفه بجنان من ساحريته ، فاستقام له الحشو والتكرار وعدا منه تجديدا بديعا ، ومن ثم أخذ بهما امتيازا خاصا من " حكومة " أساليب الكتابة والادب برغم كثرة الناقدين والمستهزئين ! ومادام الدكتور على ما ينشئه املاءا فلا ضير عليه ولا ملام فالاملاء ارتجال والارتجال مدعاة الحشو وآلة التكرار ، وآية الارتجاج ! ! ومن هذا الارتجاج قوله في " ذكرى أبى العلاء " ( الطبعة الثانية ) ص ١٠١ :

" اجل لا نستطيع ان نقول أن الشعراء قد أحدثوا فى الشعر فنا حديثا لم تعرفه الآداب العربية من قبل بل هم لم يتجاوزوا الفنون القديمة المعروفة في العصر الاول من بني العباس " وقوله بعد ثلاثة اسطر : -

" وبعد فمن ذا الذى ينكر علينا أن نقول أن فنا جديدا من فنون الشعر قد حدث فى ايام ابي العلاء ولم يعرفه الناس من قبل "

الآن فهمت مغزي قول الراجكوتى فى عنوان كتابه فى ابى العلاء : " ابو العلاء وما اليه " فانه قصد : " وابطال ما نسبه اليه الدكتور طه حسين فى كتابه ذكر ابي العلاء ومرجيلوث واشباههما من الباحثين المخلطين . . الآن استبان لي ان

جملة " وما اليه " درة فريدة من درر البيان اجاد الاستاذ عبد العزيز الراجكوتى فى وضعها ، واستعمل فيها قولهم مغزى " خير الكلام ما قل ودل "

ومن العدل ان نقرر ان للدكتور طه مباحث سامية فى استعراض الحياة الأدبية المصرية ؛ هو خبير بها جدا وقدير على تصويرها بريشته الفنانة . . أما حين يحاول التحدث فى الحياة الادبية في غير الجو المصري فهنا يخفق لا محالة .. اقرأ كتيبه " الحياة الأدبية فى جزيرة العرب " وطبقه على هذه الحياة يجد الكتيب يجرى وراء خيالات مختلفة وافتراضات مصطنعة لا صلة لها الان بالحياة الادبية فى هذه الجزيرة فى غالب الامور ، والحكم للغالب كما يقولون !

ومن الحق ان نعترف بان الدكتور قد ساعد بجراءته على قشع كثير من غيوم الخمول والخور المتلبدة فى حياة الاديب في مصر وغير مصر ولقد جالد وصابر طورا بالحق وطورا بالباطل ، وقارع وناضل تارة عن حرية الفكر والادب ، وتارة عن الغرض وبنات الصدور . وقد كان يحسب لقلمه الف حساب قبل هذا التطور الاخير ، أما الان فما اجزم بان مكانته بقيت له ، او تزحزح عنها بفعل التحول الحديث الذي لم يوفق لمسايرته كما يجب ! وتعجبني منه صراحته ورونق اسلوبه وشفوه عن مراميه بدون جلبة ولا ضوضاء ولا تكلف ، وبدون انحطاط ولا ركاكة ولا اغراب ، ويعجبني منه عدم مبالاته بما تواضع عليه الناس فى حياتهم الاجتماعية من عادات ، وان له فى الهلال والمقتطف لفصولا رائعة فى الادب تنم على مواهبه وتضلمه من الادب القديم ، وله فى السياسة الاسبوعية فصول تشهد بتدفق ملكته بالمعانى واللغة وحسن التعبير في الوصف والاجادة في الاستعراض والقصة وبالجملة فادب الدكتور طه حسين هو شئ بين أدب المقالة وأدب القصة ، فكتاباته كلها آخذة من الجهتين بطرف . ولو كنت ممن يحق له منح الالقاب فى الادب المعاصر للقبته ؛ " امير الادب الاستعراضي والدعاوة الى التجديد " .. أما رأيي الاول والاخير فيه فهو أنه أديب أدى رسالته وانتهى عصر زعامته فاما العصر الذي يستقبلنا فله زعماء بدأت أسماؤهم تلمع فى صفحاته على ما يغمرها من ظلال

اشترك في نشرتنا البريدية