يقول الدكتور حسين نصار فى كتابه «المعجم العربى نشأته وتطوره» « وفى عام ١٩٠٨-١٣٢٦ ه اخرج الأب لويس المعلوف معجمه «المنجد» اختصر فيه « محيط المحيط » ايضا ( مع الرجوع الى التاج كثيرا ) وسار على نظمه ، الا أنه اضاف اليه بعض جزئيات استقاها من المعجمات الاجنبية فقد نبه على بعض الامور بالرموز التالية : (فا) لاسم الفاعل و ( مفع) لاسم المفعول ، ( مص ) للمصدر ، ( م ) للمؤنث ( ه ) للمفعول به ، واستخدم ايضا الخطوط الافقية التى كان يستخدمها من قبله صاحب اقرب الموارد بدلا من التكرار للفظ المشروح ووضع أول كل مادة فى صدر السطر بين هلالين ، وعن يمينها نقطة مربعة الشكل بحبر مشبع . أما فروع المادة فوضعها بين قوسين مقففين ، وقدمها فى أول السطور فى الغالب أيضا ،
فاذا كانت الكلمة من الدخيل جعل النقطة التى على يمينها مستديرة ، وحذف المشتقات القياسية ، مع شرحها شرحا جميلا فى مقدمته ، ولم يلتزم ان يقدم كلمة فى صدر كل باب حرفه كما فعل زملاؤه ( اصحاب المعاجم اليسوعيين ) ففعل ذلك فى بعض واهمله فى بعضها الآخر .
ويفوق هذا المعجم اخويه « معجم الطالب والمعتمد » فى غزارة المواد التى يحتويها ، وأكثر من الصور الموضحة وكان ذلك للمرة الاولى فى المعاجم العربية . وقد جعلت هذه الامور « المنجد » من احسن المعاجم الحديثة تنظيما وتوضيحا للالفاظ ، فأقبل عليه طلاب المدارس فى كل البلاد »(١) وهذا الذى يراه الدكتور نصار هو الذى ارتأيناه فى المقال الاول الذى نشرناه من سلسلة نقدنا للمعجم خاصة فى مزاياه التى جعلت طلاب العرب ينكبون عليه غير ناظرين الى ما يحتويه من دسائس لغوية ودينية لا تمت الى جوهر لغتهم بصلة الا كما يمت المنجل الى الزراعة . .
ولا يكتفى صاحب « المعجم العربى نشأته وتطوره » بأماطة اللثام عن حقيقة وضع « المنجد » وزملائه بما تقدم ، حتى يتعمق قليلا فيصل الى نفس الهدف والاغوار التى وصلنا اليها فيما قدمناه من حديث عن المنجد ألمع معجم لغوى يسوعى حديث وحتى يضع لنا النقط على الحروف فى عوامل تكوين « المنجد » وروافده التى أمدته بالوجود وطبعته بطابعها فيقول الاستاذ الدكتور :
« وحين ينعم المرء النظر فى هذه الكتب جميعا ، وهى تنتمى الى مدرسة واحدة يجد كثيرا من الظواهر المشتركة بينها ، لا يكاد يخلو منها واحد ، فهى قبل كل شىء مؤلفة للتلاميذ والطلبة ، وهذا تحول خطير فى حركة المعاجم العربية ، فقد كانت تؤلف قبلا للعلماء وهم من السن ورحابة الصدر والتبحر فى العلم ، والحاجة الى ما يبحثون عنه ، ما يجعلهم يصبرون على البحث الطويل ، يعاونهم فى ذلك أن وقتهم كان ملكا لهم ، فيه طول وسعة ، وهدوء واتزان . أما اليوم - أو العصر - فالعلم غير مقصور على فئة معينة ، وانما هو مباح للجميع ما داموا قادرين على السعى فى سبيله ولذلك سعى اليه كثير بل ألوف تلو ألوف ، وكلهم فى حاجة الى الكشف عما يعزب عنهم ، وكلهم صغار وشباب يريدون السرعة ، فهم غير متفرغين للغة ولا متخصصين فينبغى عدم اضاعة وقتهم فى مجاهل معجمات العربية القديمة ، واذن فلابد من معاجم تتيح لهم ما يريدون فى أسرع وقت ، وأوضح لفظ وتعبير لا يرتفع عن مستواهم .
« وكان من أثر ذلك أن ظهرت على هذه الكتب خصائص الانتظام
والاختصار والتوضيح . . وهداهم الى أكثر هذه الخصائص اتصال مدرستهم بالثقافة الغربية ، الاتصال الشديد ، قال صاحب المنجد فى وصف معجمه : « قريب المأخذ ، ممتازا بما عرفت به المعجمات المدرسية فى اللغات الاجنبية من احكام الوضع ووضوح الدلالة » وقد ضرتهم هذه الصلة حين اخذوا من بعض الغربيين الذين الفو معاجم فى العربية ، كفريتاج وجوليوس ، اخذوا عنهم الفاظا ومعانى غير صحيحة أو لا ندرى مصادرها »
ويمضى الدكتور فى تحليل عناصر هذه المعاجم بما فيها المنجد ، مؤيدا لوجهة النظر التى اجملناها فى البحث الاول . . فها هو يقول : « وآخر الظواهر فيها عنايتها بالالفاظ والمعانى المسيحية ، أو التى لها دلالات خاصة عند المسيحيين وكان ذلك أمر طبعيا لهم لانهم جميعا مسيحيون ، نشئوا على تربية مسيحية دينية ، والفوا معاجمهم لمدارس مسيحية دينية هى مدارس اليسوعين ، فأكثر بعضهم كالبستانى والشويرى ، وخفف بعضهم كالشرتونى والمعلوف ولكنهم - على رغم ذلك - لم يبلغوا فيها مبلغ صاحب باب الاعراب الذى اغترف من
هذه المسيحيات ومن العاميات اغترافا شديدا (٢)
* * * بعد هذه الايضاحات نرجع الى « المنجد » لنستأنف نقده على اساس منهجنا فنقول : يقول صاحب المنجد س ٢ الطبعة الجديدة ما نصه : ص ١٥٤ س ٢ الطبعة الجديدة ما نصه : وهذا خطأ واضح . . فان النسبة الى الامام ابى حنيفة . . هى « حنفى » لأن « حنيفة » صيغة على و ن ز «فعيلة»
مثل « بجيلة » و « قبيلة » فالنسب اليهما يلزم بحذف الياء . . فتقول : « حنفى » كما نقول « بجلى » و « قبلى » بفتح الحرفين الاولين وكسر الحرف الثالث . . أما صيغة « حنيفى » بالياء فهى ليست نسبة صحيحة الى أبى حنيفة بل هى نسبة صحيحة الى « حنيف » . . وفيه تقول حنيفى ، كما تقول فى النسب الى « امير » و « جنيف » : اميرى وجنيفى
