" فى المنظار " - باب جديد ، نفتتحه لك أيها القارىء العزيز ، ليتجول معك منهلك جولات واسعة فى آفاق أرحب من النقد اللغوي والأدبي والاجتماعي والاقتصادى الخ . . انها رحلات ممتعة وشائقة . . فهيا بنا الى " المنجد " وملحق " المنجد " يا صديقى القارئ " .
تمهيد لنقد المنجد وملحقه . .
حينما قام مؤلف " المنجد " الأب لويس معلوف اليسوعى بوضع المنجد وطبعه سنة ١٩٠٨ م كان اقبال طبقة المتعلمين والمثقفين عليه عظيما كما يحدثنا به المؤلف نفسه في مقدمة طبعته الثانية . . ولعل السبب في ذلك الاقبال يعود الى امرين : احدهما
الإيجاز ، فيما يورده من شرح المواد . وثانيهما ادخال كثير من المصطلحات الحديثة بين مواده مع صغر حجمه الحديثة بين مواده مع صفر حجم ودقة طبع وحسن تبويب ، وايضاح بالرسوم الدقيقة للنبات والحيوان وما اشبه . . وبذلك غذى رغبات المطالعين . .
ولكن " المنجد " مع ذلك كان مليئا بالأخطاء اللغوية والعلمية . . وكان الى ذلك يحمل بين طياته روحا تعصبية للعقيدة التى يعتنقها مؤلفه ، فهو من هذه الناحية " اشبه بكتاب
تبشير في ثوب معجم لغوى " فما كانت الروح التى كتبه المؤلف بها روحا متجردة للبحث العلمي المجرد واللغوى المحض دون سواه . . كما كان عليه الامر في معاجم اللغة العربية القديمة . . كلسان العرب والقاموس وصحاح الجوهري . . ان من الحق ان نقول : ان في المنجد سما فى الدسم
وهذا السم موجه الى عقول ابناء دين الاسلام ، فقد كان اذن مؤلفا طبخ على خطة مرسومة . . كان ساعدا أو مساعدا من طرف خفي ، للمدارس التبشيرية التى غزا بها الغرب الشرق فى مطلع هذا القرن . . وكان رائدا من الرواد في هذا الميدان وكان ناجحا وكان منتشرا بين مختلف الطبقات
ومرجعا معتمدا من مراجع اللغة ، فيما يفسر وفيما يؤول وفيما يقول وفيما يحلل . . وقد كان اذن احد جنود العسل الذين ارسلوا للاحتلال الفكرى . . للشرق العربى والاسلامي . . فكان حقا علينا في عهد البعث
والانبعاث ان نميط اللثام عن هذا السر الدفين وان نكشف الغطاء عن هذا السم الكمين ، حتى نعى ما ناخذ وما ندع ..
يكفيك من سموم " المنجد " للاسلام ، انه اهمل في مادة ) حمد ( اشهر اسم في العالم . . الا وهو اسم " محمد " الرسول العربي الكريم صلى الله عليه وسلم . . مع انه هو الذي بجهوده وجهاده انتشر هذا اللسان المبين في الخافقين . .
ويكفيك انه فى مادة ) يسوع ( اوسع شرحا وتحليلا على غير عادته من الإيجاز للعقيدة المسيحية في المسيح عليه الصلاة والسلام . . وفي ذلك الاهمال وفي هذا التحليل الواسع الدقيق يتسرب الشك الى قلوب ناشئة المطالعين العرب الذين يعتقدون بدقة ما يقوله لهم " المنحد " وحصافته
واتزانه الفكرى . . وحياده العلمي . وهذا هو السم الفتاك في الدسم . . ولله جنود من عسل . . ومن المناسب ان يلاحظ القارئ هنا ان مادة ) حمد ( عربية أصيلة ، ومادة ) بسوع ( ليست عربية ولا دخيلة . .
وبهذه المناسبة اقول : اني لقد أعجبت حقا بالروح العلمية المتجردة التى كتبت بها " الموسوعة العربية " المطبوعة في مطبعة دار الريحاني بيروت . . وقد اشرف عليها الاستاذ آلبرت الريحاني . . فانها موسوعة مركزة دقيقة التحليل والتفسير لما تورده من مواد ومصطلحات لا تهضم المصطلحات الاسلامية حقها . ولا العقائد الاسلامية مستحقها . . انها توردها كما هي . . وكذلك تورد
غيرها . وهذه هي الروح التي ينبغى أن تسود دوائر المعارف العامة ، ليطلع من شاء على ما يشاء من الحقائق . . بدون تحيز أو تأويل مغرض . .
أما " المنجد الملحق " . . المنجد الذي وضعه مؤلفه " الأب فرادينان توتل اليسوعى " . . فانه كما يبدو لى هو معجم اكمل رسالة " اصله " ولكن بأسلوب أوضح وأضخم . . واكاد اقول في تعريفه : " انه كتاب تبشير وتلفيق نشر باللغة العربية على صفة معجم للأدب والعلوم " . .
أما ما حشي به من أغلاط ادبية وعلمية وتاريخية واضحة فاضحة ، تدل على جهل مركب ، مع تنفج مزر فذلك ما سأكشف عنه اللثام ، حتى لا يخدع قراء العرب بالمظاهر والعناوين الجوفاء . . فان شكل هذا المنجد منسجم ومظهره رائع وطبعه أنيق ،
ورسومه جميلة حافلة ، وخرائطه الملونة زاهرة خلابة . . ولكن العبرة بالمخبر ، والمخبر خراب ويباب وقفار وتيه ، وبحار مظلمة متلاطمة مملوءة بالآفات والشعاب التى تتكسر سفن المعرفة على صخورها الحادة العنيفة
وما أعظم تنفج المؤلف حينما يقول في المقدمة : " أقبلنا على تحقيقها - أى فكرة وضع معجم ملحق بالمنجد في الأدب والعلوم - وحولنا نخبة من العلماء والادباء من نعتمد على أدبهم ونهتدى بنصائحهم ، وبين ايدينا من المصنفات الشرقية والغربية قديمها وحديثها
ما يقرب المواد الينا الخ " .
واذا شئت ان تسبق الحوادث فاسمع اغرب شرح لمادة ) الهجرة ( من المؤلف المتنج الملفق . . قال : " الهجرة هي هجرة النبي مع الانصار من مكة لما اضطهدهم بنو قريش . . كان عددهم نحو التسعين ، على ماروى رحلوا الى بلاد الحبشة . . والهجرة الثانية هي هجرة النبي الى يثرب التى سميت من ثم المدينة ، وقد هاجر معه الانصار والمهاجرون ، ومنها بدا التاريخ الاسلامي او الهجرى ، وأوله ١٥ أو ١٦ تموز ٦٢٢"٠٠
ألا ما أعظم جهل المؤلف بتاريخ الاسلام . . في بدهياته . . وما اعظم
تلفيقه فى تحليل أولياته . . النبي صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة مرتين . . هاجر منها المرة الأولى إلى بلاد الحبشة والثانية إلى المدينة . . والانصار كذلك هاجروا معه من مكة مرتين . . مرة إلى الحبشة ومرة إلى المدينة . . والمهاجرون كذلك هاجروا معه من مكة مرتين ، مرة الى الحبشة ومرة إلى المدينة . .
ألا ما اعظم تنفج المؤلف ! وما اعظم جهله ببدهيات التاريخ . . والبقية تأتي . .

