الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "المنهل"

فى الميزان, الفنان : الصناعى والزراعى، حوار علمي أدبى بين " صانع وزارع "

Share

( الصانع ) : فى قناعتك الواجمة بحقلك الهرم تمثل تماما حياة الكسل والخمول ... فقد اقتنعت بقطعة أرض تحرثها وتزرعها ، واكتفيت بما تنقطه لك من قطرات عيش مهما غزرت فهى محدودة . وأنت تعلم ان الزراعة عمل كادح فهى ترغم صاحبها على التزام حقله والاعراض عن العالم بطوله وعرضه ، وتحصر همته فى حرث هذا الحقل واستجدائه ، وتكرهه على الانقباع فى عقر كوخه مع الدواجن غير متطلع الى مجد يشيده، او استنباط فنى يجيده ، او اختراع نافع للبشرية يبتكره وفى هذا كله - يا صاح ! - مجلبة لموت الضمير ومدعاة لبرود الاحساس وشلل التفكيره هذه الخصال تجر بطبيعتها الى الجدب النفسي والتشاؤم !. أما الصناعة الحديثة مع انها تدر الارباح الباهظة لمحترفها ، فانها كذلك تفتح امامه ميادين النشاط الجسمى والفكري على مصراعيها ، وتدفعه الى حياة الامل الباسم . أوليست الصناعة هي التى خطت بحضارة البشرية خطواتها الهائلة الحديثة ، بعد ما أعلنت أساليب المدنية الزراعية بالافلاس ؟ ! أولست الصناعة هي التى وهب الله بها اللانسان أمنيته الخالدة ، فامتطى متون الرياح ثم أليست هي التى خففت آلام الانسانية وقضت على كثير من الاوبئة السارية والأمراض المنتشرة بما استحدثنه من آلات باصرة وعلاجات واقية ؟! ثم أليست هى التى جملت المدن ونظمت الطرق وطوت للانسان الارض بماقدمته له من قطار وباخرة وسيارة وطيارة ومنطاد ؟! ثم أليست هى التى استخدمت لربط أجزاء الارض بعضها ببعض - تيارات الاثير ؟ ! ثم اليست

هى التى وفرت السعادة للانسان ونهضت به من مهاوى الفاقة والنصب ، مما يسرته له آلاتها وأدواتها من أسباب الهناء فى الحل والترحال ، واليقظة والمنام ؟! . بحسب الصناعة فخرا انها جعلت قارات الارض المتنائية ، كبلدة واحدة ، بل كدار واحدة ، يتصل ساكنوها ببعضهم متى شاؤا ويتخاطبون متى أرادوا ، ويتراءون متى رغبوا كان لم تفرقهم آلاف الاميال !

( الزارع ) لك أن تباهى بما قدمته صناعاتك من مزايا للبشرية ، ولكن الا تتذكر ان حياتك رهن كدحي فى حقلى ؟ انا ربان سفينة الحياة لان الناس لا يأ كلون المصنوع وانما يأكلون المزروع !! ولقد عملت على تقويض البشرية اكثر مما عملت فى تنظيمها وترفيهها . فطياراتك وسياراتك وجميع ما تخرجه معاملك وما تكتشفه أدواتك - وسائل معجلة لقضاء الانسان على أخيه الانسان واذا كنت سموت بالحضارة فى ظرف وجيز فتذكر ان صنيعك طفرة ، وما وجدت فى الحياة طفرة الا وولدت بجانبها هيضة ! ثم هل سمعت أن طائفة الزارعين فتكو بملايين البشر الهادئين أو زجوهم فى حرب ضروس اشباعا لمطامعهم ، واجتناءا للربح الباهظ من المتحاربين ؟! لا أظنك مجيبا الا بالسلب التام . واذن ففى ذمة التقدم الصناعي الحديث ما فتكت به الآلات الفنية الصناعية فى الحرب العالمية الماضية ومات تفتك به من أرواح الابرياء فى الحروب الاستعمارية الحاضرة . ولو أستمر العالم فى سيره الهادىء الزراعي الا من لكان أسلم له وأقوم ، ولماتغالى البشر اليوم فى استنباط وسائل التدمير . لئن كنت أسرعت ( يا أخى ! ) بسفينة الحضارة الى الامام فانما قدتها الى صخور الهلاك والارتطام ، ولم تققدها مطلقا الى بر الوئام والرخاء والسلام !

( الصانع ) الامة الصناعية هي التى تتقدم وتتقدم ، والامة الزراعية هي التى تتحطم وتتحطم فى الصناعة جميع عناصر القوة والابداع . وفى الزراعية جميع عناصر الضعف والاستسلام ! أتعلم السبب ( يا صديقي ) ؟! ها انا أجلوه لك تماما : الصناعة بمافيها من عناصر القوة والبأس تفتق أذهان مزاوليها ، وتدفعهم الى اعتناق

المجد وتلزم الى بسط السيطرة والصناعة بما فيها من عوامل الابتكار تجعل من ذويها عباقرة جبابرة لهم الصدر دون القبر . فاذا استحكمت عوامل الصناعة فى أمة تفاعلت اصداء آلاتها الميكانيكية الفعالة بادمغة أصحابها الاشداء ، فيتولد من هذا التفاعل تيار الخلق السيادي الرهيب ، الذي معناه الطموح الى أبعد حدوده . وفى الصناعة ثروة مادية ضخمة يمكنها ان تنشئ وتبنى وتنعش ، وفى أدمغة أهليها ثوة عقلية ضخمة ناتجة عن احتكاكهم بما تولده آلاتهم الصناعية واذا تآزرت الثروتان الثروة المادية والثروة العقلية فى أية امة أتت بالعجائب وكان لها الحق فى أن تبسط أجنحة سلطتها على ما تصل اليه أحلامها من آفاق .

وهذا هو سر استعمار الغرب للشرق في الآونة الاخيرة . فالغربيون اقوام صناعيون مثقفة أذهانهم ثقافة فنية صناعية ناضجة جعلت أفكارهم تتجه دائما صوب الابداع والسيطرة . والشرقيون أقوام زراعيون خاملون يكتفون بالقوت عن القوة ، ومن السعادة باخضرار الحقول مع اصفرار العقول . ومتى أراد الشرقي أن يرفع نير الغربى ويسود كما ساد فلينفض غبار الكسل ، ولياخذ من الزراعة بالمقدار الذى يقيته ويغنيه ولا يجعلها مطمح أنظار مجده وليقبل على الصناعة الحديثة يلتهمها التهاما وليكن نهما الى أقصى حدود النهم ، فانه ان وفقه الله تعالى الى هذا الاتجاه نهض وسما ، فالمجد اليوم للصناعة لا للزراعة . كن على يقين من هذه الحقيقة الملموسة ( يا أخي ) ولا تدع تفكيرك يهيم في أودية الخيال الملتوية ، وصحيح ما تذكره من إبادة الصناعة لجزء عظيم من البشرية ، ولكن هذا حدث عرضا لاقصدا ، وكم احتقب الخير الشر ، وكم انتج النفع الضر وسيتلافى الفن الصناعي الجبار ما يشعر به من نقص فيه . فاليوم الذى توجد فيه الصناعة المأكول من المصنوع " كما هي دائبة فى استنتاجه " ان ذلك اليوم لهو يوم لامع فى تاريخ الصناعة الحديثة اذ فيه تقدم المثل الاعلى لتفوقها العظيم .

( الزارع ) الى اليوم الذى يستنبط فيه الفن الصناعى المأكول من المصنوع " وهو يوم اراه بعيدا " بل و حلم خيالى لذيذ ، الى ذلك اليوم انا أظل باسطا

اجنحق على العالم مسيطرا على حياته واتجاه تفكيره وانا اوافقك من الآن على ان الصناعة الحديثة سمت عما كنت اقدر عليه ، واقدره لها من الرقى بالحضارة البشرية ولهذا لا يمنعنى اعتزازى بحقلى ومحراثى ومنجلى ان أحول قسما عظيما من هذا الحقل الواسع المخضر ، الى مصانع شامخة تمج فيها الآلات الميكانيكية صباح مساء ، وتدوى فيها الادوات الفنية الصناعية ليل نهار ، لينهض ذلك بهذا الشعب ويغنيه عن مصنوعات الغرب .

( الصانع ) انك ترى اليوم الذي أستنبط فيه المأكول من المصنوع بعيدا وأراه قريبا .                         ( تم الحوار ) ( صورة طبق الاصل )

اشترك في نشرتنا البريدية